هل ستواجه أمريكا مصير الاتحاد السوفيتي السابق..؟
أنس القباطي
تعيش الولايات المتحدة الأمريكية أزمات متعددة خارجية وداخلية، ظهرت الى العلن بشكل واضح منذ وصول الرئيس الحالي الديمقراطي جو بايدن الى البيت الأبيض في انتخابات العام 2020، وعلى الرغم من محاولات البيت الابيض اظهار البلاد بأنها ما تزال القوة الأولى في العالم اقتصاديا وعسكريا من خلال تدخلها في كثير من الأزمات الدولية، وابرزها الأزمة الأوكرانية، الا ان الازمات الداخلية أظهرت أن البلاد تواجه معضلات معقدة، تشي بأنها تعيش مرحلة الشيخوخة، وأخر هذه الازمات مشكلة ولاية تكساس.
ظهرت الازمة في ولاية تكساس الى العلن بعد رفض حاكم الولاية، غريغ أبوت، حُكمَ المحكمة العليا وقرار الرئيس بايدن بإزالة الأسلاك الشائكة التي بناها الحاكم على حدود الولاية مع المكسيك لمنع الهجرة “غير الشرعية”، والتي بسببها وصل عدد المهاجرين في الأشهر الأخيرة من العام 2023 إلى الألاف يوميا. والاخطر من ذلك كان اعلان الحاكم أبوت استعداده للدخول في حرب أهلية مع إدارة بايدن التي تتحدث عن سعيها لفرض عقوبات على ولاية تكساس بسبب عدم تنفيذها القرارات التي تمنع الهجرة غير الشرعية. ويعزي أبوت رفضه تنفيذ حكم المحكمة العليا بعدم تطبيق بايدن قوانين الهجرة، وعدم قيام الحكومة الفدرالية بعمل ما يكفي لردع التسلل إلى البلاد، وادى رفض أبوت تنفيذ الحكم لاعلان إدارة بايدن بأن ولاية تكساس تمنع حرس الحدود من تسيير دوريات ومعالجة شؤون المهاجرين. والازمة في تكساس ليست وليدة رفض حاكمها تنفيذ الحكم القضائي وإنما تعود لسنوات، ومردها للخلافات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي والتي وصلت حد فقدان الثقة بين قيادتي الحزبين الرئيسين في البلاد، ما أدى الى تنامي ظاهرة العنصرية، خاصة مع وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى السلطة، وزادت حدتها بعد سقوطه في انتخابات العام 2020 واتهامه للديمقراطيين بتزوير الانتخابات.
كشفت ازمة تكساس ان الولايات المتحدة باتت تواجه مشكلات داخلية تهدد بتشظي البلاد. وقد تصل حد الحرب الأهلية، لاسيما بعد تنامي ظاهرة اقتناء وحمل السلاح، والتي ظهرت بجلاء بعد سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث اظهرت مشاهد مرئية مواطنون يتجولون بأسلحة مختلفة في شوارع المدن. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية تصاعدت حدة الخلافات بين الجمهوريين بقيادة ترامب والديمقراطيين بقيادة بايدن، حيث قام ترامب وجناحه المحافظ في الحزب الجمهوري بتصعيد المواجهة مع إدارة بايدن، ورغم اعلان ترامب وجناحه المحافظ التعاون في تجاوز ازمة تكساس إلا ان تصريحات حاكم ولاية أوكلاهوما الأخيرة كشفت عن وجود حالة من عدم الثقة بين الحزبين، فقد اعتبر قيام الحكومة الفيدرالية بقطع الأسلاك الشائكة، أمر غير منطقي على الإطلاق، مشيرا الى ان وجود 6 ملايين مهاجر غير شرعي يكفي لعدم انفاذ قرار إزالة الأسلاك الشائكة. وعد هذا التصريح مؤشر على أن أزمة تكساس في طريقها الى التصاعد، كونها جاءت مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وهي مادة مناسبة للدعاية الانتخابية يسعى ترامب وانصاره لاستخدامها بهدف اإضعاف بايدن وحزبه، ويبدو التصعيد واضحا من خلال قيام الحرس الوطني في ولاية تكساس بتركيب المزيد من الأسلاك الشائكة، على الرغم من صدور تعليمات لحرس الحدود الأمريكي بإزالة الأسلاك الشائكة، تنفيذا لحكم المحكمة العليا الذي قضى بأن تحل السلطة الدستورية للحكومة الفيدرالية محل سلطة الولاية في إزالة الأسلاك الشائكة على طول الحدود الجنوبية.
لدى الجمهوريون عقدة من المهاجرين، فهم يرون أنهم اصبحوا اكثرية واغلب اصواتهم تذهب لصالح الديمقراطيون، ولذلك يحرض الجناح المحافظ برئاسة ترامب ضد المهاجرين، ما ادى الى تنامي العنصرية ضد المهاجرين، والتي تبدو واضحة في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريين، وهذه الظاهرة تهدد باضطرابات داخل المجتمع الأمريكي، وتناميها قد يجعل الولايات منقسمة بين الحزبين الرئيسين في البلاد، ما سيضعف وحدة البلاد.
يؤكد ترامب في اكثر من خطاب له ان تراجع حضور الولايات المتحدة دوليا مرتبط بضعف الرئيس جو بايدن، وفي خطاب له أشار انه قبل ثلاث سنوات، كانت إيران ضعيفة ومكسورة وتحت السيطرة تماما، لكنها صارت اليوم اقوى من اي وقت مضى، ويؤكد انه لا يمكن للولايات المتحدة البقاء على قيد الحياة مع جو بايدن كقائد أعلى للقوات المسلحة. من جانبه يتهم بايدن؛ ترامب بأنه يريد أن ينهار الاقتصاد الأمريكي هذا العام. ويرى مراقبون ان هذه الاتهامات المتبادلة وان كانت مرتبطة بالدعاية الانتخابية وهدفها التأثير على سلوك الناخب الأمريكي، إلا انها تعد مؤشر على مخاوف الساسة من سير البلاد في طريق الضعف، حيث لم يسبق ان تضمنت الدعاية الانتخابية بين الحزبين موضوع ضعف القوة الدولية الاولى وتراجع نفوذها.
وعند تتبع مناطق النفوذ السياسي للحزبين الديمقراطي والجمهوري بحسب أخر انتخابات سنجد ان الولايات الخاضعة لكل طرف تبدو غير منسجمة مع بعضها، بل وتكاد تسير في اتجاه التباعد سياسيا ما يهئ لحالة انفصال في القرارات، وفي حال حصول اضطرابات سيؤدي إلى مخاطر مرتبطة بالسلاح النووي الموزع في الولايات. وفي هذا السياق يقول المحلل الروسي ألكسندر نازاروف ان الديمقراطيون يمتلكون حوالي ضعف عدد الرؤوس الحربية النووية التي يمتلكها الجمهوريون في الولايات التي يسيطرون عليها، مبينا أنه في حال حصل انهيار للولايات المتحدة، سيتم تشكيل قوتين نوويتين جديدتين على الأقل، وستبدأ أسلحتهما النووية في التدهور بسرعة من وجهة نظر فنية، وستكون تحت سيطرة مشكوك فيها من حيث الاستخدام والانتشار، معتبرا ان ذلك سيجعل العالم في خطر كبير، وعليه يرى نازاروف ان الصين وروسيا وربما بعض دول البريكس الكبرى الأخرى ستكون بحاجة إلى التفكير في كيفية فرض السيطرة على الأسلحة النووية الأمريكية في هذه الحالة.
البناء على الأزمات الداخلية التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت في حدوث اضطرابات مجتمعية تبدو غير دقيقة، فحدتها مرتبطة بقرب الانتخابات الرئاسية، لكنها تكشف عن وجود ازمات مركبة افرزتها طبيعة السياسة الأمريكية القائمة على الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتي تقوم على أساس مصالح الشركات المرتبطة بنافذين كبار من الساسة الأمريكان، فقد جنوا من خلالها أموال طائلة ادت إلى تراكم الثروات، وبالتالي حصول حالة من الصراع للفوز بأكبر قدر من موارد الدول التي يتم اخضاعها عسكريا وسياسيا، ومع مرور الزمن وصلت حد الصراع المحتدم بين نافذي الحزبين، انعكست على شكل ازمات تضرر منها المواطن الأمريكي، ما ادى إلى انقسام مجتمعي، وعندما تصل الازمات إلى هذا الحد تبدأ الاضطرابات المجتمعية بالظهور، ما يجعل وحدة البلاد تواجه مخاطر تضعف الدول، وتجعلها تنكفئ على نفسها في محاولة لتجاوز معضلاتها الداخلية.
في حال استمرت حالة التباعد بين الولايات الجمهورية والديمقراطية بعد الانتخابات المقبلة فإن ذلك سيؤدي الى اضطرابات مجتمغية داخل الولايات تعمق حالة التباعد وترفع من الاصوات الانفصالية داخل بعض الولايات، والواضح ان الصراع الانتخابي سيكون في الانتخابات المرتقبة اكثر حدة، حيث ستوظف القضايا الكبرى في الدعاية الانتخابية، ومن خلال الدعاية الانتخابية المبكرة يبدو ان ترامب وجناحه المحافظ في الحزب الجمهوري مصرون على العودة الى البيت الابيض، وبالمقابل يسعى بايدن للبقاء داخل البيت الابيض مدعوما بالتيار المؤيد له داخل الحزب الديمقراطي، رغم ان حظوظه بالفوز تبدو ضئيلة ما لم تحصل متغيرات عاصفة تؤثر على الناخب الأمريكي.
والمتتبع للحراك والصراع السياسي داخل الولايات المتحدة سيلاحظ من الوهلة الاولى ان جناحي ترامب وبايدن باتا هما من يرسما سياسات الحزبين ويضغطان لتمرير ما يريدان مستخدمين نفوذهما ومراكزهما المالية، بعيدا عن القاعدة الشعبية للحزبين التي يجري تحشيدها والزج بها في الصراعات بين قيادات الحزبين، ما يجعلها منشغلة باحتدام الصراع لابعادها عن المطالبة بالكثر من القضايا المجتمعية التي باتت تؤثر سلبا على دخل المواطن الامريكي، وهو ما يعني نقل الصراع الى اوساط المجتمع، ومتى ما حصل ذلك فإنه يهيء لاضطراب مجتمعي قد يؤسس لبداية حرب اهلية.
ما يجري في اوساط المجتمع الامريكي واروقة الساسة اليوم يتشابه الى حد ما مع ما كان يشهده الاتحاد السوفيتي قبل انهياره بسنوات قليلة، ويتماثل الى حد ما مع الموقف الذي كان يتبناه الاتحاد السوفيتي خارجيا، حيث انشغل بصراع مسلح في افغانستان اربكه عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وهو ما يحصل اليوم مع الولايات المتحدة في اوكرانيا وفلسطين والبحر الأحمر.
في الاتحاد السوفيتي انحصر الصراع في اوساط النخب الحاكمة ما اشغلها عن قضايا الناس ومعيشتهم، وهو ما خلق حالة من التذمر الشعبي سوت الارضية للقبول الشعبي باستقلال الجمهوريات التي تشكل الاتحاد السوفيتي، فوجدت قيادة الجيش نفسها مرغمة على خوض حرب خاسرة في افغانستان، وقد ساهم التراجع الاقتصادي والقمع في تحقيق التفاف شعبي حول القيادات الاسلامية الافغانية التي رفعت شعار الجهاد ضد الشيوعية. وفي الولايات المتحدة يتشابه الوضع مع ما حصل في الاتحاد السوفيتي جوهريا لكنه يختلف في السياق كون النظام ديمقراطي، وهو ما يحتم نقل صراع النخب الى اوساط المجتمع، والذي يعد اكثر خطورة كونه يجعل المجتمع مشدودا ومهيئا للدخول في اضطرابات تتسع مع استمرار الضخ الصراعي من الاعلى، ما يجعل المجتمع المتصارع مهيئا لتقبل حمل السلاح والدخول في حرب أهلية.
ومما سبق يمكن القول ان الولايات المتحدة تواجه معضلات داخلية وخارجية تهدد مركزها باعتبارها القوة العالمية الاولى عسكريا وسياسيا واقتصاديا، فالتفكك الجغرافي لأراضي البلاد يبدو وشيكا ما لم تتخذ قرارات جرئية للجم النزعات الانفصالية وايقاف نقل الصراع الى المجتمع وتحشيده، ما لم فإن تفكك الولايات عن بعضها سيكون وشيكا، كما حصل في جمهوريات الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والذي دعمته الولايات المتحدة، ويبدو ان الدور اليوم سيأتي عليها. اما خارجيا فإن الولايات المتحدة باتت تواجه معضلات كبيرة، فقد دفعت باتجاه اشعال حرب في اوكرانيا، ودعمت حرب الابادة في غزة، وتسعى لتأجيج ازمة تايوان وعسكرة بحر الصين الجنوبي واشعال ازمات في الشرق الاوسط ومناطق أخرى في العالم، وكل هذه الازمات تبدو هروبا إلى الامام آملا في خلق واقع مختلف لعله يخرج البلاد من المعضلات التي تواجهها وابرزها المعضلة الاقتصادية، غير ان تداعيات تلك الحروب والأزمات تشير الى ان الحد الادنى الذي كان تؤمله واشنطن لم يتحقق، ما يعني مواجهتها ضغوط أكبر ستنعكس على شكل صراعات تنتقل الى الداخل الأمريكي.
2024-01-31