هل تدخل سوريا حرب اليمن!
اضحوي جفال محمد*
كثرت في الآونة الأخيرة الاخبار عن قرب ارسال مقاتلين من سوريا للقتال ضد الحوثيين، وكلما اشتدّت التوقعات يظهر مسؤول سوري فينفي وتنطفىء الجمرة مؤقتاً. ونسبة عالية من الجمهور العربي المهتم بالأمر غير متأكد من فائدة او ضرر هذا التدخل لأمنياته والخط الذي يتبناه! لذلك تراه يترقب اكثر مما يتمنى.. وأنا الان سأجلو له بعض جوانب الصورة كي يضع تطلعاته فوق بيّنة من الأمر.
وما يجب أن نميط عنه اللثام مسبقاً أن اصل الفكرة المنتشرة بين الناس مخطوء.. فكرة ان سوريا ترسل جيشها إلى اليمن مثلما ارسلت دول اخرى جنوداً وعتاداََ. المسألة ليست هكذا، فالمطروح للإرسال ليس جنوداً سوريين وانما مقاتلون اجانب ينتظمون الان في سوريا ضمن فصائل ترتبط شكلياً بوزارة الدفاع السورية وتتصرف عملياً بقرارها الخاص.
الشرع شخصياً مع إرسالهم فوراً ودون تردد، فهو ينتظر بفارغ الصبر فرصة التخلص منهم كي تتحرر يداه من قيودهم الثقيلة. وتسوّل له نفسه أن يتم التخلص بصيغة بيع او تأجير او هبة سياسية ينال منها مغنماََ. لكنه ليس صاحب القرار في هذا الشأن، وانما هو طرف من اطراف كثيرة ذات كلمة مسموعة، فدعونا نتناول مواقف تلك الأطراف بإيجاز.. ومن الطبيعي أن نبدأ من الطرف التركي: تركيا تعتبر نفسها ولي أمر تلك الفصائل. انهم ورقتها الرابحة داخل سوريا. تأثير تركيا عليهم اكبر بكثير من تأثير الشرع، أو بالأحرى هم قوتها الحقيقية في مواجهة الشرع عندما ينوي التنكر للجميل ويذهب بعيداً صوب الخليج ومن ورائه واشنطن وتل ابيب. ولقد حاول بالفعل ارتكاب هذا التمرد مراراً فتم ايقافه بڤيتو تلك الفصائل.
تركيا هي التي منعت دخول سوريا إلى لبنان، الذي تبناه ترامب رسمياً وعلناً وأجهضته تركيا. وهي الان تحاول منع زج الفصائل في اليمن، ليس لأسباب مبدئية، فتركيا ذاتها ذاهبة إلى هناك بشكل من الأشكال، إنما تعتقد أن غياب تلك الفصائل يخل بالمعادلة القائمة بينها وبين إسرائيل في الداخل السوري. حتى الامتناع عن إدخالهم لبنان لم يكن مبعثه الشعارات الإسلامية التي يتمسح بها اردوغان بل رغبته في الحصول على ثمن يعادل خطورة المهمة وهو ما لا تريد إسرائيل دفعه.
الإمارات:
لقد عادت الإمارات لاعباََ اساسياً في تشكيلة حرب اليمن. ويتزايد دورها بشكل مدروس حتى بلغ ذروته في بيان عيدروس الزبيدي (رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياََ)، الذي أذيع أمس على شكل برقية تعزية لعوائل قتلى القوات الجنوبية الذين سقطوا في معارك باب المندب. وأهم ما ورد فيه ان القوات الجنوبية استعادت السيطرة على باب المندب وجزيرة ميون، وانه يرفض نسبة تلك الانتصارات لغير الجنوبيين الساعين لبناء دولتهم (جنوب اليمن) على حدودها الدولية السابقة. هذا ما صرح به متقدماً على كل ما كان يقال في الماضي القريب.
لن استرسل في الموضوع الانفصالي الذي تقوده الإمارات، وسنعود اليه بالاستقصاء مع الخطوة التالية يوم الأربعاء القادم موعد التظاهرة المليونية التي دعت اليها الإمارات في عدن. والذي يعنينا الان ان انتقال المقاتلين من سوريا إلى اليمن سيرجح كفة السلفيين والاخوان بالضد من اتباع الإمارات، وهو ما لا تتقبله الامارات، وسيؤدي لو تحقق إلى تدهور علاقتها مع الشرع. ربما تضغط عليها إسرائيل لغض البصر إلى حين، لكن القضية بالنسبة لابن زايد قضية حياة او موت. فخطته في عدن بُنيت على استهداف الإسلاميين والعمل على تحجيمهم، فإذا جاءهم المدد بالآلاف من سوريا يصبح مشروعه على كف عفريت.
الإسلاميون مثار البحث ليسوا جنوداً نظاميين تصدر لهم الأوامر من دولتهم بالرجوع بعد انتهاء المهمة. فهم ليسوا سوريين أصلاََ، والذي يغادر سوريا لن يراها ثانيةً. ولأن دولهم الأصلية ترفض استقبالهم فإنهم سيبقون في اليمن، ويشكلون ظاهرة مقلقة عانى منها اليمنيون خلال التسعينيات عندما اجتمع على ارضهم الجهاديون العائدون من افغانستان. ونعود إلى هذه النقطة في نهاية المقال.
السعودية:
للسعودية تجربة غنية في دعم (الجهاديين) كلما اقتضى الحال، ثم التنكر لهم وتكفيرهم. فعلت ذلك في افغانستان وفي العراق والان في سوريا، الا أنها اليوم تواجه الموضوع بغير البساطة التي مرت بها من قبل. فالسعودية كدولة لم تكن تتحمل مسؤوليات ثقيلة في النشاط الذي يتولاه رجال دين بالفتاوى، ومتبرعون مشحونون بالاموال، واعلام تشرف عليه دوائر غربية.
المعروض اليوم مشروع باهظ التكاليف تتحمله السعودية منفردة من الألف إلى الياء، مالياً وسياسياً وأمنياََ.
مالياً عليها تمويل جيش كامل بكل احتياجاته التسليحية والحياتية والإدارية، هذا والسعودية تقترض المليارات لسد العجز في ميزانيتها. وسياسياََ تواجه مغبة استقدام ارهابيين رسميين مصنفين بقرارات من الامم المتحدة. دأبت الولايات المتحدة على التعاطي مع الأرهاب مخابراتياََ دون ان يرتب ذلك عليها التزامات او مسؤوليات سياسية. وذاك الجيل من الارهاب لا يطلب من الأمريكان الإنفاق عليه. بيد أن المطلوب الان تبنياً سعودياً كاملاً لفصائل متفق على انها ارهابية. والمصيبة ان بينهم اعدادًا غير قليلة من السعوديين الذين تلاحقهم اجهزة الامن السعودية. وستشترط فصائلهم ضمانات واضحة عن الملاحقات. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد فالأجواء الانفعالية ستدفع مواطنين سعوديين آخرين للالتحاق بهم، ولا يفترض ان يكون الالتحاق مستهجناً في ظرف الدفاع عن البلاد امام عدو خارجي. ويخدم ذلك تداخل الحدود بحيث لا يجد المتطوع السعودي مشقة في اجتياز الحدود والانخراط في صفوفهم، ثم التشبع بالمشروع الجهادي الذي يتبنونه. ومع كل ما يتحلى به ابن سلمان من حمق فإنه مضطر لسماع آراء المختصين في اجهزته بهذا الخصوص.
الجهاديون انفسهم:
كل ما تقدم يفقد معناه إذا لم يوافق المعنيون انفسهم على الرحيل إلى اليمن. ولن يوافقوا الا بشروط، أهمها الضمانات الامنية والسياسية، يليها مقدار ما يدفع لهم من اموال. فوجهتهم هذه المرة ليست افغانستان او سوريا المدمرتين.. انهم ذاهبون للدفاع عن اغنى دولة في العالم، السعودية، وعليها ان تفتح ابواب خزائنها امام الذي يفتح لها شرايين دمه. تلك من البديهيات التي تعرفها السعودية جيداً وتكون جاهزة ليس فقط لتمويل الجيش بل والعوائل التي ستتبع رجالها.
جبال اليمن المنيعة ليست صحاري نجد التي يقبض فيها على المجاهد بعد ان يعود من الجهاد ليسجن بانتظار مهمة جديدة. جبال اليمن معسكرات حصينة لجهاديين سترتفع نسبة السعوديين بينهم وينقلبون إلى خطر حقيقي مع اول انقلاب للظروف المائجة في المنطقة.
الدول الكبرى:
قضية المقاتلين الاجانب في سوريا ليست حكراً على ما ذكرنا من اطراف، فهي موضوع دولي تعنى به الامم المتحدة بقرارات واجراءات محددة. وتعنى به دول كبرى، لا سيما وان لبعضها رعايا ضمن هذه الفصائل. فعلى سبيل المثال عندما اعتمد قرار مجلس الامن رقم 2799 والخاص برفع صفة الارهاب عن الشرع امتنعت الصين عن التصويت. وكانت ستنقض القرار لولا حصولها على تطمينات فيما يخص الجهاديين من الاويغور. فتحريك هؤلاء الجهاديين يفترض تنسيقاً مع بلدانهم الام، والا تثار مشاكل جديدة.
اليمن:
اخيراً البلد الذي سيستضيف تلك الفصائل الجهادية، والتي أضافت اليها السنتان الأخيرتان شعوراً عاماً بأنها عرضة للخيانة والغدر. فأصبحت تتحوط لمصيرها وتفكر بطريقة اقرب للارتزاق منها إلى العقيدة. اليمن هذا البلد المتجانس مجتمعياً بدرجة لا يعرفها الناظرون اليه من بعيد قد لا يكون رحباََ لهم. ويزيد من حساسية هذه النقطة ان الجهاديين الاجانب في سوريا تعلموا إلى جانب الخبرة القتالية صفة ثانية تسمى (التعفيش)، وهي تسليب المناطق المحسوبة على الخصم متى دخلوها. وخلال السنتين الاخيرتين وحيث لم يعد هنالك (جهاد) يبرر التعفيش راحوا يختلقون المبررات اختلاقاً بالقول ان هذا الشخص من فلول النظام وذاك الشخص مرتد والآخر من دين ثان، والنتيجة واحدة، الاستيلاء على ممتلكاته.
التعفيش كالسرقة والرشوة يصعب أن يتخلى عنها الذي يذوق طعمها. وسينقلونها معهم إلى اليمن، وبها يفتحون للانسان اليمني ذريعة استهدافهم وتعفيشهم، وكما تدين تدان.
مع الاعتذار عن الاطالة.
( اضحوي _ 2460 )
2026-10-12