هل تتراجع أطراف “الناتو العربي الإسرائيلي” عن إعلانه رسمياً وتكتفي بتفعيله عملياً؟
حماد صبح
توافق وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدى، مصادفة ، مع تمير هايمان القائد السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في استبعاد الإعلان رسميا عن تأسيس الناتو العربي _ الإسرائيلي أثناء زيارة بايدن إلى المنطقة في منتصف يوليو الحالي. الصفدي نفى جازما في حديثه مع صحيفة “النهار” البيرويتة “وجود حديث حول منظومة دفاعية إقليمية تكون إسرائيل جزءا منها”، وتمير أكد في دراسة مع الباحث إلداد شافيت نشرها ” مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ” انخفاض إمكانية إقامة هذا الناتو. وفي كلام الوزير الأردني تراجع عن الحماس الذي ظهر في كلام الملك عبد الله حول الحلف، ويمكن أن نفسر هذا التراجع في اللهجة إلى كثرة الإدانات والاستهجانات الشعبية والإعلامية العربية غير الرسمية للحلف.
ببساطة ووضوح، بدا تأسيسه منكرا قوميا واصطفافا فاضحا مع عدو الأمة الذي تعهد مؤسسو دولته في المؤتمر الاستعماري الأوروبي في 1905_ 1907 بالقضاء على الحضارة العربية الإسلامية إن أنشأت لهم الدول الأوروبية دولة في فلسطين، وحمتهم. ومنذ إنشاء تلك الدولة في 1948 ، دأب هذا العدو على الاعتداء على الدول العربية المحيطة به ، واجتهد في اجتراح كل الجرائم لإبادة الشعب الفلسطيني ، وتعاون مع تلك الدول الأوروبية ومع أميركا التي دخلت إلى المنطقة بقوة بعد انحسار النفوذ البريطاني والفرنسي فيها ؛ لوأد ظهور أي قوة عربية أو إسلامية تهدد بقاءه ، وتردعه عن المهمة الشيطانية الإجرامية التي تعهد بها للدول الاستعمارية في ذلك المؤتمر الذي قسم المشتركون فيه الحضارات الإنسانية إلى ثلاث : غربية مسيحية لا عداء بينها ، حتى وإن نفت الحربان العالميتان الأولى والثانية متانة ذلك الادعاء ، وينفيه الآن الصراع الضاري حول أوكرانيا بين الناتو وروسيا . والثانية الحضارة الهندية الصينية التي اعتبروها منافسة لا معادية ، ومن السهل التفاهم معها ، وينفي هذا الادعاء عداء الغرب للصين الشعبية منذ قيامها في 1949 ، ووقوف أميركا مع كاي شيك في انفصاله بجزيرة تايوان التي ما زالت تعارض رجعتها إلى الوطن الأم ، وينفيه أيضا اشتداد العداء الأميركي لها، للصين، حاليا ، والذي بسببه تركز قواها في المحيطين الهادي والهندي، وتقلل من وجودها في الشرق الأوسط ، وهذا التقليل أحد أسباب اهتمامها بتكوين الناتو العربي _ الإسرائيلي الذي ستكون القيادة فيه لإسرائيل ، لكن في ظل جناح أميركا . الولد يدير أملاك أبيه وعين الأب تراقبه وتوجهه بين وقت وآخر إن لزم توجيهه . إلا أن عداء الغرب للحضارة العربية الإسلامية عداء مطلق لا لين فيه ، وإزالتها هدف استراتيجي له تشاركه فيه الصهيونية التي هي مُنتَج غربي . ومن وسائل هذه الإزالة تقوية إسرائيل ، وإكسابها شرعية الوجود في المنطقة ، واكتسبت كثيرا من هذه الشرعية باتفاقي سلام مع مصر والأردن ، وباتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ، وبالتطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان ، والباب مفتوح على المزيد من المطبعين ، وتأمل إسرائيل أن يحدث شيء منه أثناء زيارة بايدن . وإنشاء الناتو العربي _ الإسرائيلي هو كمال التطبيع الذي يسهل لإسرائيل الهيمنة والتحكم في دول ومجتمعات المطبعين وصولا إلى القضاء على الحضارة العربية الإسلامية .والأهداف الكبيرة لا بد لها من زمن طويل وخطط مقسمة إلى مراحل ، ، وليس من السهل محو الحضارات في عدة سنوات وبعدة ضربات مهما كانت قوية قاصمة ، ونتذكر أن الحضارة الرومانية الشرقية في بيزنطة عاشت ألف سنة بعد انهيار شقها الغربي في أوروبا ، ولم يقضِ عليها إلا الفتح الإسلامي العثماني في 1453 . وإزاء الإدانات والاستهجانات العربية الشعبية والإعلامية غير الرسمية ، المتوقع أن يقلل الطرف العربي في الناتو الجديد من حماسه العلني له ، وأن تفعل إسرائيل شيئا قريبا من ذلك ، وإن كانت ستختلف فيه عن الطرف العربي بفعل حرية الإعلام النسبية فيها ، وامتدادا لتقليل الحماس العلني ستتجه إلى إقامة الناتو عمليا دون إعلان رسمي يجلب للطرف العربي إدانات ومشكلات متوالية قد تكبر وتصبح تهديدا داخليا وخارجيا له ممن يعارضون الناتو الخارج عن كل القيم العربية والإسلامية ، بل هو خيانة مطلقة لهذه القيم واعتداء مطلق عليها . والواقع أن مظاهر الناتو العملي موجودة منذ زمن بعيد بين إسرائيل وبين الدول التي من المتوقع أن تشارك فيه في حال إعلانه رسميا ، فهذه الدول لها علاقات استخبارية وعسكرية وسياسية سرية مع إسرائيل قبل قيامها وبعد قيامها . وكل دولة عربية تابعة لأميركا هي حكما حليف لإسرائيل . إذن لا داعي لإعلان رسمي عن الناتو الجديد ، ولتستمر العلاقات الأمنية والعسكرية والسياسية القديمة محتفظة بسريتها ، ولا مشكلة في ظهور بعضها بين حين وآخر للعلن خاصة عبر الإعلام الإسرائيلي ، ويرد الطرف العربي المعني بظهورها بالنفي أو بالتجاهل ، ولا أحد يجرؤ في بلده على طلب برهان على صحة النفي أو تفسير مقنع للتجاهل . ما يمكن أن تتفق عليه أطراف الناتو أن يكون في مظهره زواجا عرفيا لا شرعيا ، ولكن في قوة الشرعي في جوهره . وفي الأخبار أن إسرائيل تسعى لعقد صفقة ضخمة لأنظمة الدفاع الجوي مع الرياض خلال زيارة بايدن . وفي كل الأحوال ، مآل إسرائيل ومآل من يحالفونها من حكام الاستبداد والطغيان هو الزوال . من يحسب إزالة الحضارة العربية الإسلامية حلما سهل المنال لا يعلم ما في روحها من طاقات الصمود والخلود . إنها حضارة القرآن الذي نزله الله _ جل جلاله _ نورا وهدى للبشرية كافة ، وتكفل بحفظه إلى يوم الدين ، : ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . ” ( الحجر . 9 ) ، وهذا ما لا يقتنع به حمقى التطبيع والناتو الجديد وإسرائيل وأميركا وكل أعداء الإسلام العظيم .
***
” حين يفعل الأحمق شيئا يخجل منه فإنه دائما يقول إنه فعله لشعوره بوجوب فعله . ” .
جورج برنارد شو في مسرحية ” قيصر وكليوباترا ” .
2022-07-05