هل الحضارة الغربية ذات جذور يهو-مسيحية؟
د. أحمد هراد*
دائما ما صورت لنا الحضارة الغربية خصوصا في طورها الحداثوي على أنها ثورة ضد الدين والميتافيزيقيا Metaphysics وأنها قطيعة مع ذلك الماضي الذي أسدل بظلاله السوداء على واقع الحياة في القارة الأوروبية وجعلها بالتالي في حالة تراجع فكري وحضاري على الأقل بالمقارنة مع موقع أسلافهم الحضاري وهم الأغريق وإلى حد ما الرومان، ثم ما أن لبث أن بعثت الحضارة من جديد في عصر النهضة، ولكن بدون تفسيرات ماورائية لواقعهم الفيزيائي الملموس.
قد تكون هذه الرؤية صحيحة إلى حد ما، إذا اختزلنا الحضارة الغربية في الثورات التكنولوجية التي انبثقت منها أو في نوعية الأدوات المعرفية التي لجأ الغربيون لتحقيق المعرفة، ولكن هذه الرؤية ستكون قاصرة وربما غير حقيقية إذا ما توقشت الحضارة الغربية أو تم نقدها على مستوى الأفكار الكبرى والأساسية التي تشكل الأطار العام للحضارة واتجاهاتها المستقبلية، وللأسف نحن الذين من خارج الحضارة الغربية عجزنا وبشكل كبير في نقد وتفكيك الأفكار الأولية للحضارة الغربية، وهو ماقد يعني قصورا في فهم السلوك التطوري للحضارة الغربية وأيضا في توقع مآلاتها.
اليهو-مسيحية
بدأت العديد من الدراسات الغربية في الآونة الأخيرة باستخدام كلمة الحضارة اليهو-مسيحية Judeo-Christian Civilization بدلا من كلمة الحضارة الغربية، ومرد ذلك هو أن الدراسات الحديثة أصبحت تميل إلى أن هذه الحضارة الغربية انطلقت من مرتكزات يهودية/مسيحية وأن تلك المرتكزات التي شكلت وجه الحضارة الغربية الحالية لا تتعارض مع روح الكتاب المقدس وجوهره بل أن العديد منها إما قد تم استخلاصهمن أدبيات الكتاب المقدس أو أنها نتاج متراكم لممارسات الكنيسة الغربية في العصور السابقة.
هناك أمثلة كثيرة لهذه المرتكزات الدينية التي بنت عليها الحضارة الغربية الحديثة أسس منتجاتها الفكرية، وما قامت به هذه الحضارة هو إعادة تدوير وخلع حلة حداثية على تلك المرتكزات، مستخدمة أدوات وكلمات تناسب فترة ما بعد هيمنة الكنيسة على الحياة السياسية والاجتماعية في الغرب طوال عصور الظلام التي امتدت لعشرة قرون متتالية من العصر الوسيط Medieval age ابتداء من القرن الرابع الميلادي الذي أعلن فيه أن المسيحية هي دين الدولة تحديدا في عهد الإمبراطور قسطنطين وصولا إلى مشارف عصر النهضة في منتصف الرابع عشر الميلادي، ولعل أبرز تلك المرتكزات هي العلمانية والحريات الفردية والفردانية Individualism والرأسمالية.
العلمانية
العلمانية كمنتج فكري، لم تكن وليدة أدبيات العصور الحديثة بل هي قديمة جدا قدم المسيحية نفسها فمؤسس المسيحية يسوع المسيح – كما يدعون – هو الذي قدم أول فكرة للعلمانية، من خلال فصله بين الإلهي وبين الدنيوي حينما قال: ” أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر” في حواره مع الفريسيين اليهود -طائفة من اليهود- الذين أرادوا اختباره وإحراجه أمام المحتل الروماني، ربما كانت هذه الجملة حلا لمعضلة بني إسرائيل المزمنة آنذاك بين طموحاتهم في استعادة مجد إسرائيل وصهيون على الأرض المقدسة وبين وجود الدولة الرومانية واحتلالها لأراضيهم، ولكنها من ناحية أخرى ساهمت في تشكيل رؤية المسيحية الخاصة نحو الدولة بشكل مختلف عن الديانة الأم وهي اليهودية، ففي الوقت الذي استمر فيه اليهود في الانتفاضات ضد الرومان في بلاد فلسطين ومصر، كان المسيحييون ينشرون دينهم ويتكاثرون عدديا ولم يجدوا أي غضاضة في الانخراط في الدولة، إلا أن تنصر أفراد الدولة في القمة بما في ذلك الملكة هيلانة وابنها القيصر قسطنطين الذي جعل من الأمبراطورية الرومانية مسيحية الديانة بشكل رسمي.
قامت الكنيسة لاحقا بترسيخ فكرة ثنائية الإلة والعالم من خلال هيكلة الكنيسة نفسها في تشكيل هيكلية خاصة للكنيسة تتألف من مجموعتين وفقا لهذين البعدين:
1- الإكليروس – كلمة يونانية تعني الكهنوت – وهم القساوسة والرتب الكنسية الكهنوتية ( من بطريريك وأسقف وقس و شماس ) وهم الطائفة المختصة في تنظيم العلاقة بين الرب و الناس فيما يسمى بأسرار الكنيسة السبعة.
2- المجلس الملي – والذي يسمى بالمجلس العلماني أو الزمني – وهم طائفة من رجال العامة الذين ليس لهم رتبة دينية ولكنهم يقومون بخدمة الكنيسة في الأمور الزمنية ( الغير دينية ) ، أي فيما يختص بأمور الكنيسة الغير دينية.
لذا ما حدث بعد ذلك من نزع هيمنة الكنيسة، كان على وجه الدقة هو نقل السلطات من طبقة الإكليروس إلى الرجال الزمانيين أو المجلس العلماني كما يسموه ، ومن هنا أتت كلمة العلمانية أو الزمانية Secularism من رحم الثقافة المسيحية، أما العلمانية العملية أو القانونية، أي تلك التي تستصدر القوانين وتسن الأحكام لتنظيم شؤون الناس بعيدا عن الشريعة الربانية، فهي أيضا لم تكن حديثة أو نتاج الحضارة الغربية المعاصرة، بل تعود بدورها أيضا إلى يسوع الناصري الذي أبطل العمل بحدود الشريعة الموسوية في كذا موضع من العهد الجديد – الأناجيل – مثل حادثة الزانية وأيضا في محاوراته مع الفريسيين والصدوقيين، وبذلك أصبح استحداث التشريعات وسن القوانين هو بيد أتباع يسوع الناصري أو الكنيسة التي أعطاها يسوع سلطان الحل والربط – الكنيسة تعني الجماعة في اليونانية Ecclesia والمقصود بها جماعة المؤمنين – وبالتالي تم إلغاء العهد القديم وشريعة موسى بشكل عملي وأصبحت محل تعبد وترتيل فقط.
أما الحريات الفردية – بمفهومها الغربي – إحدى منتجات باقة العلمانية وتحديدا الفكر الليبرالي، فهي أيضا ذات جذور مسيحية خالصة، فمفهوم الحرية ورد في الكتاب المقدس في العهد الجديد في رسائل بولس -شاؤل الطرسوسي – إلى أهل رومية حينما قال نصا : بأن الخليقة ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله، وهذا النص هو أحد النصوص المؤسسة في تحرير يسوع لأنصاره وأتباعه من الشريعة الموسوية، و على ضوء هذا النص أصبحت المسيحية بلا قوانين أو شريعة إلهية تنظم حيوات الناس وتعاملاتهم وشؤونهم، وأصبح المسيحي حرا من ربقة أي قانون سوى قانون الحب والفداء التي ترشده للصواب عن طريق عمل الروح القدس.
أحد أبرز المواقف التي أظهرت هذه الطبيعة المسيحية المتحررة من الشرائع هو موقف العلامة ترتليانوس Tertullian أحد مشاهير المسيحية في شمال أفريقيا في القرن الثاني للميلاد/ 160 م – الذي رأى وجوب الالتزام بالحد الأدنى من القوانين الإلهية السابقة مثل قضية الحجاب وغطاء رأس المرأة بالإضافة إلى بعض القواعد الأخرى، وكانت مواقفه تلك سببا في محاربة مجمع الكنائس له وعدم الاعتراف به بل ومقاطعته والامتناع عن منحه لقب ” القديس ” والاكتفاء بلقب ” العلامة ” للإشارة إليه رغم أن أعماله وكتاباته في تفنيد الفرق الدينية التي كانت ضد المسيحية كثيرة و محل تمجيد المسيحيين، و حادثة ترتليانوس هذه كرست بعد ذلك مبدأ التحرر المسيحي من الشرائع بشكل عملي، إذ أن الفلسفة المحورية التي تدور حولها المسيحية هي حرية الفرد بشكل كامل والاعتماد على نقاء القلب والعلاقة القوية بينه وبين ربه دون الحاجة إلى قوانين وشرائع عقابية، وما أشبه هذه الفلسفة بفلسفة الليبرتارية Libertarianism التي تنادي بإلغاء القوانين والقيود وممارسة الحرية السلبية Negative Freedom حيث لا قوانين ولا قيود !
أما الفردانية Individualism وهي أيضا واحدة من باقة الفكر العلماني فترتكز على فكرة الإعلاء من قيمة الفرد فوق قيمة الجماعة والتي نرى أوضح تجلياتها في الفكرين الليبرالي والليبرتارية ، فهي أيضا كانت نتيجة حتمية لممارسات الكنيسة طوال عصور الظلام ، خصوصا تلك الممارسات التي اعتمدتها الكنيسة في رسم الخريطة الاجتماعية للعامة، فلجوء الكنيسة الغربية إلى تحريم تعدد الزوجات و تحريم زواج الأقارب مع بداية عصور الظلام ، كانت سببا لجوء الأفراد إلى الزواج من خارج نطاق العائلة بل وأحيانا من خارج القرية ، وهو ما أدى شيوع انسلاخ الأفراد بشكل مستمر وحثيث من المجتمعات ، مؤسسة بذلك ظاهرة تشظي العائلة الكبيرة Big Family وضعف العلاقات الاجتماعية في أوروبا مقارنة ببقية سكان قارات العالم ، و ظاهرة ضعف العلاقات الاجتماعية أو الفردانية بمعنى آخر تحدث عنها البروفيسور الكندي جوزيف هنريش Joe Henrich أستاذ البيولوجيا التطورية للإنسان في جامعة هارفرد في كتابه “ أغرب الناس في العالم The weirdest people in the World“.لذا حينما دخلت أوروبا في عصر النهضة وعصر العقل والأنوار كانت ظاهرة الفردانية قد تأصلت في الحياة الأوروبية منذ قرون، فأتت القيم العلمانية والليبرالية بعد ذلك لتبني على هذا الأساس الذي هو بالأصل ذو خلفية مسيحية كنسية خالصة، و مازالت تلك التقاليد القديمة في الزواج راسخة في العقلية الأوروبية ، فنحن ما زلنا إلى اليوم نسمع السؤال التقليدي الذي يطرحه القسيس أو القاضي ( في الزواج المدني ) : هل هناك من يعترض على هذا الزواج ؟ والقصد منه هل هناك من عائق قانوني كالقرابة مثلا قد يعيق إتمام هذا الزواج.أخيرا ، المنتج الأهم في العلمانية الليبرالية – تلك الأيديولوجيا الشاملة لكل مناحي السياسة والاجتماع والاقتصاد – هو الرأسمالية ، ومن خلال كتاب ماكس فيبر Max weber في “الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism ” سنجد أن بدايات الرأسمالية هي في الأساس نتاج الكنيسة البروتستانتية الحديثة العهد والتي اختلفت عن الكنيسة الكاثوليكية التقليدية في إقبالها على الحياة ومباهجها و المخاطرة – بمعنى جرب حظك – و العمل الحر و بالتالي أصبح هناك سوق ينظم العلاقة بين هولاء الطامحين ولم يكن للدولة يد على ذلك السوق – السوق بمعنى شبكة العلاقات بين التجار والزبائن وليس المعنى المكاني – مكونة بذلك النواة الأولى للرأسمالية التي أسس لها بشكل علمي لاحقا كل من آدم سميث وديفيد ريكاردو.أخيرا ، العلمانية بمعناها الحقيقي والعملي – كما يمارسه الغرب – هو فصل رجال الدين عن الدولة وليس فصل الدين عن الدولة ، والأفكار التي كانت في زمن الهيمنة الكنسية لم تذهب إلى القبر مع أمعاء آخر قسيس – كما كان شعار الثورة الفرنسية – بل استمرت في الحياة ولكن بأسماء و أشكال و وجوه أخرى.وإذا كانت هذه الأفكار كذلك ، فهل باعتبارنا كشعوب مفلسة حضاريا مؤهلون لاكتساب هذه الأفكار وتطبيقها على أرضنا أم يجب علينا أن نضع مقولة غوستاف لوبون Gustave Le Bon نصب أعيننا دائما” أن الأنظمة التي تنفع أمة قد تضر أخرى “
– مختص في شؤون القرن الأفريقي
2024-01-09