مساهمة في النقاش ( القسم الثالث )
علي رهيف الربيعي
كتاب: ” الماركسية والاسلام “
مصطفى محمود
هل سمعت عن تحليل ماركس لفكرة ” التشيؤ ” ؟ في هذا التحليل يقول ماركس ان الانسان قد أصبح ، في النظام الرأسمالي ، ” شيئا ” يباع ويشتري ، ويعلو ثمنه وينخفض في سوق العرض والطلب ، وانعكس ذلك حتى على الانفعالات والعواطف البشرية .. فأصبحت بدورها أشبه بالسلع التي تعرض في السوق ، واصبحت مبتذلة .. يغلفها الجشع وتتحكم فيها الأغراض والمنافع . لقد استغرق تحليل هذه الظاهرة جزءا كبيرا من كتاب ماركس ، فهلا تعتقد أنه كان من واجبك أن تقرأ شيئا من ذلك قبل أن تنشر بين الناس كتابا عن الماركسبة ؟ وإذا كنت قد قرأت .. فكيف أبحت لنفسك أن تردد الاحكام المبتذلة عن دعوة الماركسية إلى اشباع البطون وملء الجيوب ، في الوقت الذي امتلأت فيه كتابات ماركس بالدعوة إلى استرداد انسانية الانسان ، وتخليصه من تحكم عوامل السوق التي تمتهن كرامته وتحول بينه وبين تحقيق ذاته ؟
إن التفسيرات السوقية الشائعة مبنية على فهم سطحي لتعبيرات مثل ” المادية الجدلية ” و ” المادية التاريخية ” و ” التفسير الاقتصادي للتاريخ ” . ولكن هذا التفسير الاقتصادي للتاريخ له حدوده التي لا يعرفها اصحاب هذه التفسيرات . فالتاريخ ، عند ماركس ، ظل حتى اليوم تاريخا ” طبقيا ” ، وفي مثل هذا التاريخ لا بد أن تكون العوامل الاقتصادية والمادية هي المتحكمة في البشر . ولكن عندما يتجاوز الانسان المرحلة الطبقية ، ويبدأ التاريخ ” الحقيقي ” الذي يتم فيه القضاء على كل مظاهر استغلال الانسان للانسان ، فعندئذ لا يعود هناك مجال لتفسير الظواهر الانسانية تفسيرا ماديا ، لأن الانسان سيكون قد تغلب على سيطرة العوامل المادية وأصبح هدفه هو الارتقاء بملكاته وقدراته الانسانية ، وفي عهد كهذا لن يعود للتاريخ المادي أي معنى .
وبعبارة أخرى ، فان المرحلة التي تحلم بها الماركسية ، وتكافح بكل قوة من أجل تحقيقها ، هي مرحلة لن يسري عليها التفسير المادي للتاريخ . أما في المرحلة الماضية والحاضرة .. التي يشيع فيها استغلال الانسان للانسان .. فان العوامل المادية ستظل هي التي تتحكم في سلوك البشر ، وفي فلسفاتهم وآدابهم وفنونهم ، أي ستظل الروح مكبلة بقيود المادة .
هذا الكلام معناه أن التفسير المادي يسري على مرحلة ” سقوط ” الانسانية ، إذا جاز لي أن استخدم هذا التعبير الديني ، أما في مرحلة ” النجاة والخلاص ” فلن يعود لهذا التفسير معنى لأن الأساس الذي يرتكز عليه . وهو التقسيم الطبقي للبشر ، لن يعود له وجود .
قد يكون هذا الرأي الماركسي مسرفا في الخيال ، وقد يكون فيه كثير من الخطأ ، أو من التنبؤات التي لم تتحقق .. هذا كله ممكن ، وأنا أول من يعترف بأن الماركسية لست منزهة عن الخطأ ، وبأن من نظروا إلى تعاليمها كما لو كانت منزلة أساءوا إليها أبلغ الاساءة ، كما أني أول من يعترف بأن كثيرا من تطبيقات الماركسية قد تضمنت قدرا غير قليل من التشويه . ولكن هذا كله شيئ ، وتشويه الحقيقة العلمية للمذهب شيئ آخر . ومن المستحيل على من قرأ ، ورجع إلى المصادر الأصلية ، أن ينقاد إلى مثل هذه التفسيرات المبتذلة .
إن واجب الكاتب الأمين نحو قرائه الذين يولونه ثقتهم ، ويتخذون منه مرجعا في الأمور التي لا يمكن أن يطلعوا عليها بانفسهم ، هو أن يصدقهم القول ويتحمل عنهم عبء البحث والتنقيب ، ولا يستغل حاجتهم إلى المعرفة من أجل فرض آراء ناقصة أو مشوهة ، أو من أجل المسارعة إلى كتابة أي شيئ يخطر على البال ، اعتمادا على أن المطابع في الانتظار ، والقارئ مضمون .
هذا واجبك يا دكتور مصطفى محمود بوصفك كاتبا ، وبوصفك مثقفا ، وبوصفك مسلما : أن تصدق قراءك الكلمة . وتنقلها إليهم امينة من مصادرها الحقيقية ، وبعد ذاك فلتنقد الماركسية كما تشاء ، ما دمت قد اطلعت عليها بالقدر الذي يكفيك لكي تعبر عن آرائها تعبيرا صادقا .
انتهى
2019/02/13