نصائح مجانية للرعيان!
اضحوي الصعيب*
لا أقصد بالرعيان هنا أصحاب المواشي وانما السائرين على خطا الراعي النميري الذي اعترض طريقاً لم يخرج منه فجلب على قومه عار الدهر عندما حشر نفسه بين الفرزدق وجرير.
لا مثيل لمساجلات الفرزدق وجرير في العصر الاموي الا وسائل التواصل الاجتماعي يتابعها العرب في كل امصارهم وينتظرون جديدها كل يوم. فأغرت تلك اللعبة المسماة بالنقائص كثيراً من الشعراء بدخولها طلباً للشهرة كما هو شأن البلوغرز في وقتنا. وكان ممن دخلوها شاعر البلاط الاموي الاخطل الذي تراجع مبكراً لأن جريراً هجاه في دينه، إذ انه نصراني، وكان عليه حسب السياق ان يرد الهجاء بمثله ويهجو الاسلام، فانسحب مؤثراً السلامة.
ثم جاء دور الراعي النميري الذي دخل الحلبة منحازاً للفرزدق، فقال فيه جرير قصيدةً عُرفت بـ الدامغة أسكتته الى الابد وقضت على شأن قبيلته. منها البيت المشهور:
فغضّ الطرف انك من نميرٍ
فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعجز هذا البيت يتضمن تورية من اجمل ما عرفته البلاغة العربية.
الان يعترضني كثير من الرعيان منتقدين ما اكتب، يحدوهم العدد الكبير من متابعيّ ليعرضوا امامه (قدراتهم) الفذة في الجدل السياسي. لكن نصيبهم دائماً كنصيب الراعي النميري، فتراهم يمسحون تعليقاتهم ويهربون. وبعضهم يحظرني مع اني لم اذهب اليه وانما جاء هو بقدميه. وبعضهم يحقد ويتجنب السلام اذا تصادفنا في فاتحة او عرس.
أعرف ان فريقاً منهم يتكلم بقناعة، فهو يكره المقاومة ويتمنى لها الخسران، ويعبر عن ذلك صراحةً او مراوغة.. وهذا ليس الفريق الذي أسدي له النصيحة. نصيحتي لمن يأتي طلباً للشهرة كما أتى الراعي النميري الى حتفه. أقول له: طالما ان الغاية هي الظهور فبالامكان تحقيقها بالاتجاه الآخر، أي بمنازلة المتصهينين في الفضاء الالكتروني، فتكون قد ربحت الموقف حتى لو خسرت الجولة النقاشية، وربما تربحهما كليهما لأن الحق دائماً يلهم الناطقين به الحجة المفحمة. اما النقاش ضد المقاومة فينزع منك الموقف الاخلاقي قبل كل شيء ثم قد تخسر النقاش ايضاً فتكون كالراعي النميري الذي يقول بعد هزيمته النكراء امام جرير: « خرجنا من البصرة فما وردنا ماء من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه حتى أتينا حاضر بنى نمير فخرج النساء والصبيان يقولون: قبحكم الله وقبح ما جئتمونا به.» ويقال انه مات كمداً.
الراعي الثالث شخص يجلس كل يوم بين القطيع ويسمع سخريتهم وتهكمهم بالمقاومة وتعظيمهم لاسرائيل وحتمية انتصارها، فيشعر انه الاقدر منطقاً في التعبير عن آرائهم، ويذهب الى صفحة مقاومة يجادلها ليري مَن حوله انه الفارس الذي لا يُشق له غبار. يستمد مجده من تفوقه على الدهماء في ابراز افكارهم لينال المشيخة عليهم، فبئسه من قائد وبئسهم من مقودين.
( اضحوي _ 1820 )
2024-08-13
