موقف ماركس من الدين ” القسم الرابع “
علي رهيف الربيعي
على أن هناك تجربة أخرى لم يكن من الممكن أن يعرفها ماركس ، لنها تنتمي إلى تراث حضاري لم يعرفه معرفة كافية ، فضلا عن أن معالمها لم تتحدد إلا في عصر لاحق لذلك الذي عاش فيه ماركس .
تلك هي تجربة الدين كقوة تحررية ، يستمد المجتمع منها طاقة روحية تعينه على التصدي لطغيان الاستعمار الاجنبي .
وهذه التجربة لم تظهر ملامحها إلا في بلاد العالم الثالث ، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وإن كان تأثيرها لم يتضح بجلاء إلا في القرن العشرين .
ولقد تنبه الغرب ذاته إلى الدور الذي قام به الدين في بلاد العالم الثالث من أجل حشد الطاقات الروحية لابنائه في مواجة القوة المادية التي واجههم بها الاستعمار الغربي . وظهر الدين في ثوب جديد ، ودور جديد ، في كثير من الحركات التحررية في امريكا اللاتينية . وانشق كثير من رجال الدين عن الكنيسة التقليدية وانضموا إلى صفوف الثوار دون أن يتخلوا عن وظيفتهم الاصلية كرجال دين ( وهذا أهم ما في الأمر ) .
كما كان لبعض الرهبان البوذيين دور ملحوض في مساندة الثورة التحررية في فيتنام ومكافحة طغيان العصابة الحاكمة العميلة قبل الوصول إلى النصر النهائي .
على أن أروع نماذج اتخاذ الدين قوة تحررية ضد الاستعمار قد تمثل في عالمنا العربي . فقد تنبه المستشرق الفرنسي ” جاك بيرك ” ، الذي عاش فترة طويلة من حياته في شمال افريقيا ، إلى الدور الكبير الذي لعبه الدين الاسلامي في الثورة الجزائرية .
وفي حركة مقاومة الاستعمار الفرنسي في شمال افريقيا عامة ، وجعل من هذه الظاهرة موضوعا رئيسيا لعدد غير قليل من كتبه . وكانت الحقيقة التي توصل اليها هي أن الدين في هذه المنطقة من العالم لم يكن على الاطلاق عاملا مخدرا للشعوب ، بل كان على العكس من ذلك سلاحا عظيم الفعالية ، نبه الشعوب إلى حقوقها . وساعدها على حفظ اصالتها وصون تراثها في وجه استعمار يملك قدرة هائلة على التغلغل والتسلط ، لا في الميدان السياسي والاقتصادي فحسب ، بل في الميدان الفكري والحضاري أيضا .
فتمسك شعوب تونس والمغرب والجزائر بقيمها الدينية في عصر الاستعمار الفرنسي لم يكن على الاطلاق من قبيل ” الدروشة ” أو التخدير ، بل كان هو القوة التي أعانتها على التصدي لمحاولات القضاء على هويتها وأصالتها . وهكذا أفلحت هذه الشعوب في مقاومة جهود فرنسا من أجل تغريبها وأنا استخدم كلمة ” التغريب ” هنا بمعنيين متكاملين : معنى الاغتراب عن الذات وتراثها وأصالتها من جهة ، ومعنى اصطباغ بالصبغة الغربية من جهة أخرى بفضل تشبثها بطوق النجاة الأخير الذي بقي لها . وهو القيم الدينية .
على أن هذا النموذج لا يقتصر على شمال أفريقيا ، أو على الأمثلة التي أشار اليها جاك بيرك فحسب . ففي مصر كانت كثير من الثورات الشعبية ضد الاستعمار تتخذ طابعا دينيا ، وذلك منذ وقفة الشيخ عمر مكرم الوطنية الرائعة ضد طغيان الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر . حتى الدور البطولي الذي قام به رجال الدين المسلمين والمسيحيين في ثورة ١٩١٩ ، وفيما بين هذين الموقفين كان لرجال الدين دور يذكر في ثورة عرابي . بل انني ، وإن لم أكن مؤرخا ، اتصور أن حلقة الذكر المشهورة التي قيل أن عرابي قد أقامها عشية موقعة التل الكبير ( وهي الموقعة التي كان يعرف انها حاسمة في تقرير مصير البلاد ازاء الاحتلال البريطاني ) كانت لها، إذ كانت قد حدثت بالفعل ، دلالة رمزية بالغة .
فتفسيرها الظاهري هو أنها كانت دليل التخلف في وجه قوى استعمارية تستند إلى أحدث أساليب التكنولوجيا المعرفية في ذلك الحين .
ولكن تفسيرها الاعمق هو أنها كانت محاولة لاستخراج القيم الدينية من أعماق الوجدلن الشعبي ، كيما يستمد منها الشعب طاقة يدافع بها عن هويته الاصيلة ضد خطر دخيل . فهنا ، في ساعة الخطر ، كان الدين صيحة تتجمع بها القوى الشعبية تحت لواء واحد ضد العدو الذي يهدد كل القيم والمقدسات . وما كان اشبهه في ذلك ، وهو قياس مع الفارق طبعا ، بجوزيف ستالين حين لجأ في خطبته المشهورة غداة الغزو النازي لبلاده إلى استخدام لفظ ” روسيا ” بدلا من لفظ ” الاتحاد السوفيتي ” لكي يربط حاضر الشعب بماضيه ، ويدعوه إلى الذود عن مقدساته .
إن الدين في هذه الحالات جميعا انما هو عودة إلى الاعماق السحيقة في ساعة الخطر ، ودعوة إلى انبعاث أعمق ما في الذات الاجتماعية لمواجهة عدو غريب غاصب .
على أن القيم الدينية . في العالم الثالث . لا تستخدم دائما على هذا النحو المؤدي إلى التقدم . فنحن نعرف جميعا تلك الحالات التي استخدم فيها الدين قوة تحارب التحرير وتتحالف مع الغاصب والمستعمر والمستغل . وتضفي على أطماعهم هالة من القدسية . وكأنها تحقيق لارادة الله في الارض . وحسبنا أن نذكر بعض الأمثلة من التاريخ القريب : فباسم الدين أسقطوا مصدق وعاد احتكار البترول مسيطرا على ايران ، وباسم الدين انقلبوا على نظام سوكارنو الذي كان مخلصا في أيمانه ، وارتبكت في أندونيسيا مذبحة من أفظع مذابح التاريخ ، قتل فيها كل من كان له اتجاه تحرري وطني على أساس أنه ” شيوعي ” ، وباسم الدين حورب نظام سلفادور اللندي الوطني حتى سقط رائده الشيخ في ميدان الشرف ومات ميتة الابطال ، وحلت محله دكتاتورية بلغ جبروتها وارهابها حدا جعل اولئك الذين أقاموها يخجلون من انتسابها اليهم ، ويتبرأون منها ظاهريا حتى لا يفضحوا أمام العالم المتحضر ، وباسم الدين بالأمس القريب قتل مجيب الرحمن وأفراد أسرته البعيدون والقريبون بطريقة فيها من الجبن والخسة ما يثير الاشمئزاز ، دون تمييز بين رجال ونساء وأطفال .
وخلاصة القول ان الصورة المتعلقة بالدور الاجتماعي الذي يستخدم فيه الدين في العالم الثالث ، شديدة التعقيد . فهناك مؤمنون مخلصون لا يستمدون من الدين الا مبادئ تساعد على التقدم والتحرر ، وهناك ايضا مؤمنون ، بعضهم على الاقل مخلصون يستخدمون الدين وسيلة للقهر والرجوع إلى الوراء . وفي استطاعة كل من الفريقين أن يأتي بالمبرارات التي يؤيد بها موقفه ، والتي هي في نظره مقنعة كل الاقناع .
ولكن ما يهمنا في الموضوع ليس المقارنة بين هذين الموقفين ، بل هو اثبات التعقد الشديد للصورة ، وايضاح أن مشكلة دور الدين في المجتمع قد اتخذت في عصرنا ، وفي مجتمعات العالم الثالث ، طابعا لا يمكن أن يكون قد خطر ببال ماركس .
ففي عصره ، وفي الحضاره التي ينتمي اليها . كانت المسألة بسيطة كل البساطة ، واضحة كل الوضوح : إذ أن كل تقدم علمي وفكري في أوربا الحديثة لم يتحقق إلا بعد صراع عنيف ضد سلطة الكنيسة ، أعني ضد المؤسسة الرسمية التي تنصب نفسها حامية للدين .
والسؤال الحاسم ، الذي تتلاقى عنده كل خيوط هذا المقال ، هو : هل كان ماركس سيعالج دور الدين بتلك الطريقة المبسطة ، لو كانت قد أتيحت له فرصة معايشة هذا الوضع البالغ التعقيد للدين في مجتمعات العالم الثالث المعاصر ؟
إنني أفضل أن أترك للقارئ التفكير في اجابة عن هذا السؤال .
وحسبي أن أكون قد أوضحت له أن قضية ماركس المشهورة ” الدين أفيون الشعوب “. كان مرتبطا بعصر معين وثقافة معينة ، وان ماركس لو كان قد عايش تلك التجربة الشديدة التعقيد التي عاشتها مجتمعات العام العالم الثالث في عصرنا الحاضر ، لكان من الجائز أن يعدل أحكامه البسيطة المباشرة بحيث يعمل حسابا للدور التحرري الذي قام به الدين في بعض هذه المجتمعات .
انتهى
2019/01/22