موقف الصين من احداث طوفان الاقصى!

رنا علوان
لم تكن الدبلوماسية الصينية بعيدةً عما يحدث في قطاع غزة ، فلقد استضافت مؤخرًا وفدًا من دول عربية وإسلامية لمناقشة الوضع في القطاع ، في محاولة للتأثير على دول غربية بغية التحرك بإتجاه السعي لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية والسماح بدخول المساعدات الإنسانية
وقد حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي في كلمته الافتتاحية من “كارثةٍ إنسانية تتكشف في غزة”، وشدّد على أنّ ما يحدث يؤثر على كل البلدان في جميع أنحاء العالم ، وحث المجتمع الدولي على التحرك بشكلٍ عاجلٍ واتخاذ إجراءات فعالة لمنع تفاقم ما وصفه بالمأساة
وقد سبق ، أن دعت الصين في أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى عقد مؤتمرٍ دوليٍ عاجلٍ لحل القضية الفلسطينية ، مؤكدةّ على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، وهنا يتجلى لنا مساعي الصين لمحاولة لعب دور الوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
من المؤكد أنّ الصين لديها مصالح مع كلا الطرفيّن ، إذ تُعد ثاني أكبر شريك تجاري للعدو الإسرائيلي ، وتربطه علاقة اقتصادية مهمة معه ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى تعتبر الصين احدى الدول التي ساهمت بشكل رئيسي في دعم القضية الفلسطينية منذ بروزها ، فلقد مدت منظمة التحرير الفلسطينية في الماضي وتحديدًا في ستينيات القرن الماضي بالسلاح ، حيث رأت الصين في الشرق الأوسط ميدانًا مهمًا لشن معركتها ضد الإمبريالية ، بإعتبار أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو نتيجة صراع إمبريالي مع قوى استعمارية ، وبالتالي لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية بالنسبة للصين آنذاك مجرد حركة تحرر تستحق الدعم ، بل كانت حليفًا في صراع أيديولوجي يقاوم الاستعمار والإمبريالية
بعد نكسة حزيران عام 1967 ، ظهرت فكرة الكفاح المسلح كوسيلة للتحرير ، من خلال حشد الشعب والاعتماد على الذات ، وهي ركيزة أساسية في العقيدة الماوية
وفي تلك الأثناء بدأت القيادة الصينية بتصدير السلاح مجانًا إلى منظمة التحرير ، وحسب تقديرات إسرائيلية، أرسلت الصين معدات عسكرية إلى حركة فتح خلال ثلاثة أعوام (1967- 1970) بقيمة تتجاوز ثلاثين مليون دولار ، شملت: بنادق وقنابل يدوية وألغام أرضية ، بالإضافة إلى مدافع ورشاشات سوفيتية مستعملة
ناهيك عن التدريب العسكري لكوادر المنظمة في أكاديمية عسكرية بمدينة نانجينغ ، وفضلاً عن الأفكار الأيديولوجية أيضًا
لكن مع بداية السبعينيات بدأت الصين بتخفيض إمداداتها من الأسلحة ، بسبب الاضطرابات التي خلفتها الثورة الثقافية ، بالإضافة إلى رغبتها في تعزيز علاقاتها مع المجتمع الدولي بعد انضمامها للأمم المتحدة عام 1971 ، وكذلك تضاؤل الطابع النضالي لمنظمة التحرير بعد أحداث أيلول الأسود ، ومحاولة العدو كسر فكرة المقاومة
بعدها اصبحت الصين في مطلع الثمانينيات أكثر براغماتية ، فطورت علاقاتها مع العدو الإسرائيلي بما ينسجم مع سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ ، لكنها ابقت على موقفها الدبلوماسي الداعم للقضية الفلسطينية بشكل علني ، مؤكدةً ان العلاقة بينها وبين العدو الإسرائيلي التي تنامت في عدة مجالات ،[ أبرزها الجانب التكنولوجي ، والعسكري] ، لن يؤثر على دعمها السابق للقضية الفلسطينية
وكانت الصين قد رحبت بالهدنة التي حصلت خلال مجريات الاحداث بين حماس والعدو الإسرائيلي ، والتي تم إبرامها بوساطة قطرية مصرية أمريكية ، وقضت بتبادل إطلاق سراح رهائن لدى حماس ، ومعتقلين في السجون الإسرائيلية ، كما أكدت وزارة الخارجية الصينية ، أنّ بكين ترحب بالهدنة وتأمل في أن تساعد في تخفيف الأزمة الإنسانية
تدرك الصين تمامًا أنّ ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة الأمريكية ، فهي تعي جيدًا أنّ واشنطن هي اللاعب الرئيسي ، تحديدًا بالنسبة للعدو الإسرائيلي ، إذ إنها الوحيدة القادرة على الضغط عليه ، فكيف بعد ان تبين للجميع رضاها المُطلق ودعمها الكلي فيما يحصل اليوم ، رغم مراوغتها امام الرأي العام ، ” لغايات ” في نفس يعقوب وليس غاية واحدة
إذن بطبيعة الحال ، نجد ان العلاقة بين الطفل المدلل والولايات المتحدة تفرض واقعًا يجعل الصين غير قادرة على الوساطة بين العدو الإسرائيلي والفلسطينيين بشكل منفرد
وبحسب البروفيسور كيري براون ، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة كينغز كوليدج لندن ، ومدير معهد لاو تشاينا: “لا أعتقد أنّ الصين تسعى لأن تكون الوسيط الوحيد ، لكن مما لا شك فيه أنّها ترى نفسها قادرة على أن تكون جزءًا من جهدٍ متعدد الأطراف ، فهي تريد الاستقرار في الشرق الأوسط عمومًا لحماية مصالحها الاقتصادية والموارد التي تحصل عليها من المنطقة”
وأضاف براون: “لقد تمكنت الصين من أن تبني علاقات صداقة مع جميع الشركاء الرئيسيين في الشرق الأوسط وذلك من خلال حقيقةٍ بسيطةٍ ، وهي أنها ليست الولايات المتحدة، وقد شهد الجميع تضاؤل لدور الذي تلعبه الولايات المتحدة بشكل تدريجي “
وقد جرى لقاء أخير مع جو بايدن وشي جينبينغ في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية ، وكان هناك رغبة مشتركة في إحلال السلام بالمنطقة ، والاتفاق على مسألة حل الدولتين “رغم التباين والاختلاف في مواقف الطرفين من الصراع”
ان الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة على إحتلال مركز الصدارة لأهم دولة اقتصادية في العالم ، يقع ضمنها حسابات عديدة فمنطقة الشرق الأوسط تحتل مكانة جيواستراتيجية شديدة الأهمية ، لكلا الطرفين ، وانطلاقًا من تلك المكانة جاء سعي بكين لتحقيق المصالحة بين إيران والمملكة العربية السعودية ، كما أنّ المنطقة شريك رئيسي للصين في مبادرتها الطموحة المعروفة بمبادرة الحزام والطريق ، والتي تعوّل عليها بكين كثير في إعادة صياغة مفاهيم العلاقات الدولية ، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الجيواستراتيجي أو حتى الأمني” ، وهذا ما ارادت الولايات المتحدة تخريبه امام الصين بإفشاء سيطرتها على المنطقة ، حيث عاثت فيها فسادًا ، وقد لمسنا كيف وضعت ثقلها في العراق كي تمنع تطوير ميناء فاو وازدهاره، فأميركا تدرك جيدًا رغبة الصين منذ سنوات بالحصول على مشاريع استثمارية كبيرة في العراق ، تشمل مجالات الطاقة وإعادة الإعمار وغيرها ناهيك عن ان العراق يشكل نقطة ربط رئيسية في طريق الحرير الجديد
كما تعتبر الصين الموانئ بمثابة “بوابة الإزدهار الاقتصادي” ، وكانت تسعى لتثبيت مكانة لها في ميناء حيفا وهذا ما افقد الاميركي عقله ، وحاول جاهدًا الضغط لإضعاف وصول الصين إلى التقنيات والبنية التحتية للعدو الإسرائيلي “الحساسة” لكن الحكومة التي كانت متمثلة برئاسة رئيس الوزراء نفتالي بينيت ووزير الخارجية يائير لابيد لم تُجرِ تغييرات مهمة انذاك ، اقله ليس بالسرعة أو المدى الذي يطلبه الأمريكيون
وما لبثت ان انفجرت هذه المشكلة ، خلال اجتماع بينيت في 27 أغسطس/آب من العام الماضي 2022 ، مع الرئيس جو بايدن وأثناء زيارة لابيد لواشنطن في منتصف أكتوبر من العام الماضي ، على الرغم من أن الموضوع لم يظهر في البيانات الصحفية ، وهذا ما دفع بالولايات المتحدة لدعم حكومة نتنياهو في الانتخابات الاخيرة
ويبدو أنّ بكين وفي إطار سعيها لتعزيز هذا النفوذ ستظل تسعى للعب أدوار الوسيط لإحلال الاستقرار بشكل خاص في الشرق الأوسط ، لما له من مكانة اقتصادية قوية ، كما ان الصين التي تستخلص العبر من الماضي ، تدرك انه ، في ظرف ما، استطاعت الصين بفضل موقفها ودعمها المطلق لمنظمة التحرير ، أن تكسب أصوات الدول العربية والإسلامية في معركتها لاسترداد مقعدها في الأمم المتحدة ، فضلاً عن نجاحها السابق ، في تصدير الماوية إلى دول الجوار والشرق الأوسط الذي شكل تحديًا قويًا للسوفيت في ذلك الوقت
اذن فضّلت الصين المزاوجة بين المصلحة الوطنية والموقف الدبلوماسي ، والذي لا يكشر بطبيعة الحال عن أنياب تحارب بالنيابة عن صاحب الحق والقضية ، ولكنها في المقابل ادانة وبنبرة مرتفعة ما يحدث من اجرام بحق اهل فلسطين وخصوصًا ان اميركا هي الداعم الاول لهذا العدوان ، وهي الوحيدة القادرة على انهائه لو ارادت ، لكنها لا تريد
ما يُميز الصين عن الولايات المتحدة هو ان الصين تسعى لنشر الازدهار الاقتصادي ، بينما الشيطان الاكبر لا يسعى الا لبسط هيمنته ، ومص دماء الشعوب
2023-12-17