موسى الصدر المُغيب والحاضر دائمًا في ذاكرة أهل الجنوب!
رنا علوان
في إحدى قرى الجنوب تستقبلنا السيد وفاء ( إم محمد ) ، التي تستهل حديثها السردي بمشهد ديناميكي ساحر ، مُفرغةً ما في جعبتها من ذكريات حول السيد المُغيّب
وبإبتسامةٍ تعلو وجهها تذكر لنا حادثة أهدتها رؤية الإمام رغم مرارة الحدث ، فقد إصطحبتها والدتها لحضور تأبين أحد الشهداء في بلدة كفرصير ، حيث كان الإمام حاضرًا لتقديم المواساة ، وكانت هي في سن العاشرة من العمر
وتردف السيدة إم محمد مخبرةً عن مدى تواضعه ، وجمال هيبته ، وكيف كان صاحب كاريزما منقطعة النظير ، يمشي دون اي مرافقة ويجلس على الارض كما تجلس الناس ، يشاركهم الحرمان عينه ، ويعطيهم الفتاوي الشرعية من كافة جوانبها بطريقة مُبسّطة وسلسة
وتذكر لنا قصة شهيرة عن الامام ، عندما شكى له أحد الأشخاص من الطائفة المسيحية الكريمة مقاطعة بعض الأشخاص له بحجة فتاوى خاطئة ، وبأنه لا يجوز الشراء من محله البقالة ، فاستاء الامام كثيراً ، وقام بشراء المُثلجات من محلّ المسيحي (أنتيبا) وبدأ بأكله على الطريق واضعًا كرسي امام محله ، كي تدرك الناس ( معنى ذلك ) أنه من الآن وصاعدًا ممنوع مقاطعة محلات المسيحيين ، لأنّه لا فرق بينها وبين محلات المسلمين ، وقد أدّى هذا التصرّف إلى إنهاء المقاطعة في اليوم التالي
لقد كان الإمام المُغيب عابرًا للطوائف بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، عمل على وأد الفتنة بكل ما أوتي من قوة ، فقد صلى في الكنيسة وألقى الخطاب فيها ، قائلاً الوصول الى الله لا يعتمد على المكان بل على النوايا الصافية
تكمل لنا السيدة وفاء كيف كان الإمام ، مُؤسساً للكثير من المشاريع والمؤسسات والانجازات على المستويين (الاسلامي والوطني)
فهو الذي أسس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى وجعل للطائفة الشيعية في لبنان مؤسسة رسمية تمثلهم وتنظم شؤونهم كبقية الطوائف الأخرى ، وهو الذي أسس حركة المحرومين ، وهو الذي عمل على تأسيس العديد من المشاريع التربوية والصحية والإجتماعية والدينية في لبنان ، وهو وصاحب رؤية سياسية واضحة ومشروع سياسي كامل
وذلك نظراً إلى حاجات الطائفة الشيعية وحاجات أهالي الجنوب بشكل خاص ، حيث كان يتمتع ، في الدرجة الأولى ، بروح الاهتمام بالعمل الاجتماعي والإنساني ، فأسّس لجاناً من خلال هذه الحاجات
وأسس لجنة لكل حاجة وأطلقها ، ساعدته في ذلك شقيقته السيدة رباب التي أصبحت عندها لاحقًا مؤسسات كبيرة ومتشعبة مهمة جدًا
لاقت هذه المؤسسات اهتمامًا وإقبالاً كبيرًا عليها من قبل الجنوبيين ، نظرًا إلى الحرمان والفقر المدقع اللذين كان الجنوب يعيش فيهما
إن الأعمال التي حققها الإمام الصدر مهمة جدًا ، فقد أسس للشيعة كيانًا ، ومؤسسات متعددة الأهداف حققت مطالب كثيرة للسكان ، خصوصاً الجنوبيين
وكانت مشاريعه الاجتماعية قدوةً للذين أتوا بعده ، فأنشؤوا مؤسسات على غرارها كمؤسسات العلاّمة آية الله السيد فضل الله ، ومؤسسات حركة أمل وحزب الله….
بدأت هذه المؤسسات العمل الاجتماعي في بداية الستينيات تحت راية «جمعية البر والإحسان» إلى أن تأسّست «مؤسسات الإمام الصدر» التي تضمن حقوق المواطن والمجتمع الجنوبي الذي كان يفتقر إلى أدنى مقوماتها ، ما جعل السيد موسى الصدر يُقبل على هذه المؤسسات بشغف ويحضنها ويدعمها بشدة ، وقد حظيت السيدة وفاء ( ام محمد ) بزيارتها عبر دعوة تلقتها من السيدة رباب الصدر
والأهم من كل ما تم ذكره أعلاه ، هو ان تقديم السيد الصدر على انه رجل دين ومؤسس حركة “المحرومين” والمدافع الاول عن مصالح الطائفة الشيعية من دون ابرازه [ كرجل سياسة اولًا ] ، هو انتقاص من مساهمته في السياسة اللبنانية منذ مطالبته بانشاء مجلس ينظم الطائفة الشيعية عام 1966 حتى تغييبه عام 1978
ففي تلك الآونة كان لبنان يشهد واحدة من حالات المخاض الاقسى على نظامه السياسي والاجتماعي منذ تأسيسه ، وكان استخدام المقاومة الفلسطينية للاراضي اللبنانية مُنطلقًا لعملياتها العسكرية ضد اسرائيل سببًا أوّل لهذا المخاض ، قبل اتفاق القاهرة وبعده ، وكان لهذا المخاض القاسي نتائجه على الداخل اللبناني ، ابتداءً باشتعال الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 ، على يد الميليشيات اللبنانية اليمينية ، مرورًا بالاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978
[[ ان الإمام الصدر عندما أسس لفكر ومنطق وخيار المقاومة لم يكن الجنوب محتلاً ، حتى مزارع شبعا لم تكن تحت الاحتلال ]]
وإنما تحدث عن المقاومة لتحرير فلسطين ولاستعادة القدس
وعندما دعا اللبنانين إلى حمل السلاح ودعا الدولة الى تسليح الجنوبيين لم يكن أي شبر من أرض لبنان تحت الاحتلال
وانما كان يدعو الدولة إلى تسليح الجنوبيين من أجل الدفاع عن أرضهم وعن بلدهم لأنه كان يدرك حجم الأطماع الإسرائيلية في لبنان
وتنهي السيدة وفاء سرديتها ، بقول السيد ( إذا دعتني الحاجة سأخلع عباءتي وأقاوم
وبضحكةٍ عفوية تخبرنا ( ردة مشهورة ) تقول
وقفت بصريفا ، من أمل صبية
بالزيت المغلي ، ترد الصهيونية
موسى الصدر ، صلى بالغندورية
عمامة فدائي ، وعباية طهارة
وخبطت قدمكن على الأرض هدارة
2023-06-03