موسكو تصعد عسكرياً وتتصلب تفاوضياً
محادثات أبوظبي تثمر تبادلاً للأسرى
سعيد محمد*
أثمرت جولة المفاوضات الأحدث في أبوظبي عن تبادل للأسرى واستئناف نظام الاتصال العسكري الأمريكي-الروسي المباشر، بينما ظلت ملفات الأرض والضمانات الأمنية عالقة وسط تصعيد عسكري روسي على الجبهة وضد شبكات الطاقة في المدن الأوكرانية
اختتمت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، يوم الخميس الماضي، جولة ثانية من المفاوضات الثلاثية المباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، والتي استمرت يومين. وقد أفضت المباحثات إلى نتائج ملموسة على الصعيدين الإنساني والعسكري، تمثلت في إتمام صفقة لتبادل مئات الأسرى، والاتفاق على استعادة قنوات الاتصال العسكري الرفيعة بين واشنطن وموسكو، في حين بقيت الملفات السياسية، وعلى رأسها مستقبل إقليم دونباس، خاضعة لنقاشات مستفيضة ومواقف متباينة، تزامناً مع تصعيد ميداني واسع النطاق يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
وشهدت طاولة المفاوضات في الإمارات حضوراً دبلوماسياً وأمنياً رفيع المستوى، حيث ترأس الوفد الأوكراني رستم عمروف، وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي، إلى جانب كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئيس زيلينسكي، بينما ضم الوفد الروسي قيادات رفيعة من الاستخبارات العسكرية، وحضر عن الجانب الأمريكي المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
وتمخضت هذه الجولة عن اتفاق الطرفين، الروسي والأوكراني، على تبادل 314 أسير حرب، في أول عملية من نوعها منذ خمسة أشهر. وباشر الطرفان تنفيذ الاتفاق فوراً، حيث أظهرت مقاطع مصورة استقبال العائلات الأوكرانية لذويهم العائدين في منطقة تشيرنيهيف، ما يعكس استمرار الفاعلية الدبلوماسية في معالجة الملفات الإنسانية رغم ضراوة المعارك.
وفي تطور ملفت يعزز آليات خفض التصعيد، أعلنت القيادة الجيش الأمريكي في أوروبا (EUCOM) عن اتفاق الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى. وأكد البيان الأمريكي أن هذه القناة ستوفر اتصالاً عسكرياً ثابتاً بالتزامن مع استمرار العمل نحو تسوية لسلام دائم. ويأتي هذا الإجراء ليعيد الحرارة لخطوط الاتصال التي توقفت عام 2021، مما يتيح للجنرال كريستوفر كافولي (القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا) التواصل المباشر مع رئيس الأركان العامة الروسي فاليري جيراسيموف، لضمان أمن العمليات وتجنب الاحتكاكات غير المقصودة، خاصة بعد حوادث اختراق طائرات مسيرة لأجواء دول الناتو مؤخراً.
المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وصف المباحثات بأنها كانت “مفصلة ومثمرة”، مشيراً إلى أن تبادل الأسرى يثبت قدرة الانخراط الدبلوماسي المستمر على تحقيق نتائج ملموسة. واتفق الأطراف على استمرار الحوار عبر مجموعات عمل فنية، مع توقعات بعقد جولة قادمة في مدينة ميامي الأمريكية منتصف فبراير الجاري.
لكن على الرغم من التقدم في الملفات الفنية، تظل المسألة المتعلقة بالسيادة على الأراضي والترتيبات الأمنية المستقبلية محوراً للخلاف. وتتمسك موسكو بمطالبها الرامية للسيطرة الكاملة على إقليم دونباس الشرقي، وتطالب باعتراف دولي بهذا الوضع، بالإضافة إلى رفضها القاطع لأي ضمانات أمنية تتيح وجوداً عسكرياً غربياً على الأراضي الأوكرانية أو انضمام كييف لحلف الناتو.
وعبّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في تصريحات تزامنت مع المفاوضات، عن إصرار بلاده على تحقيق أهدافها، واصفاً الضمانات الأمنية التي تناقشها واشنطن مع كييف بأنها تتطلب حلولاً جذرية لملف التسوية النهائية. وأبدى استعداد روسيا للتعايش مع أوكرانيا “محايدة وصديقة”، مع استمرار السيطرة الروسية على المناطق المستهدفة.
في المقابل، تواصل كييف، مدعومة بخطة السلام الأمريكية المكونة من 20 نقطة، طرح صيغ بديلة تتضمن إنشاء مناطق اقتصادية حرة ومنزوعة السلاح في دونباس، وتطالب بضمانات أمنية أمريكية قوية لردع أي هجوم مستقبلي. وقد أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن موقف بلاده ثابت بخصوص دونباس، لكنه أشار إلى ضرورة التحلي بالواقعية والمرونة لإنهاء الحرب، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية.
وتزامنت المفاوضات مع تصعيد عسكري روسي غير مسبوق استهدف شبكة الطاقة الأوكرانية. ففي الساعات التي سبقت انطلاق محادثات أبوظبي، شنت القوات الروسية هجوماً واسعاً باستخدام 450 طائرة مسيرة و71 صاروخاً، مستهدفة محطات توليد الكهرباء والتدفئة في ست مقاطعات أوكرانية، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن ملايين السكان في ظل درجات حرارة شديدة الانخفاض.
وأعلن الرئيس زيلينسكي أن هذا القصف الروسي يعد الأعنف منذ عيد الميلاد عام 2024، معتبراً أن موسكو استغلت “الهدنة المؤقتة” التي أعلن عنها الرئيس ترامب سابقاً لتخزين الصواريخ وتوجيه ضربة قاسية في أبرد أيام السنة. وقد أدى هذا القصف إلى خروج وحدات في المحطات النووية عن الخدمة كإجراء احترازي، واضطرت كييف لطلب إمدادات كهربائية طارئة من بولندا ورومانيا وسلوفاكيا للحفاظ على استقرار الشبكة.
وفي سياق متصل، يشهد محور جنوب شرقي أوكرانيا، وتحديداً في منطقة زاباروجيا، ضغطاً عسكرياً روسياً متزايداً. وأفادت تقارير ميدانية بتقدم القوات الروسية نحو بلدة “هوليايبولي” الاستراتيجية، مستغلة نقص القوى البشرية والذخيرة لدى القوات الأوكرانية. وذكر قادة ميدانيون أوكرانيون أن الدفاعات في هذا المحور تواجه تحديات كبيرة بسبب اتساع الجبهة التي تمتد لنحو 700 ميل، مما يضطر القيادة لنقل فرق الطوارىء العسكرية من جبهة لأخرى لسد الثغرات. وتشير تحليلات خبراء إلى سيطرة روسيا على مساحات إضافية في زاباروجيا خلال الشهرين الماضيين، في محاولة لتعزيز أوراقها التفاوضية قبل أي تسوية سياسية محتملة.
وفي تطور تقني ذي أبعاد عسكرية، تحدثت الصحف عن استجابة شركة “سبيس إكس” (SpaceX) المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك لطلب الحكومة الأوكرانية، وقامت بتفعيل إجراءات تقنية تحصر عمل المحطات داخل أوكرانيا بالأجهزة المسجلة رسمياً ضمن “القائمة البيضاء” لدى وزارة الدفاع الأوكرانية.
وأفاد مدونون عسكريون روس بارزون بانقطاع خدمة الإنترنت الفضائي عن وحداتهم في الخطوط الأمامية، مما أثر على قدراتهم في التواصل وتوجيه الطائرات المسيرة. وأكد وزير التحول الرقمي الأوكراني، ميخايلو فيدوروف، نجاح هذه الإجراءات، مشيراً إلى فرض قيود إضافية تحدد سرعة الاتصال عند تحرك الأجهزة بسرعات تفوق 75 كيلومتراً في الساعة، وذلك لتعطيل استخدامها من قبل الجيش الروسي لتوجيه الصواريخ أو المسيرات بعيدة المدى. ويعد هذا الإجراء انتصاراً تكنولوجياً لكييف يعيد لها التفوق النسبي في مجال الاتصالات الآمنة على الجبهة.
مع دخول الحرب عامها الخامس، وتفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة انقطاع الخدمات الأساسية، تظهر استطلاعات الرأي تحولاً في المزاج الشعبي الأوكراني. فقد أشار أحدث استطلاع أجراه “معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع” إلى أن نسبة الأوكرانيين المستعدين لقبول تسويات إقليمية مقابل السلام الدائم والضمانات الأمنية قد ارتفعت لتصل إلى 40%، مقارنة بنسب أقل بكثير في بداية الحرب.
ويعكس هذا التحول تزايد القناعة لدى قطاع من الشارع الأوكراني بضرورة تقديم تضحيات “مؤلمة” لإنقاذ ما تبقى من البلاد وضمان مستقبل مستقر للأجيال القادمة، شريطة الحصول على حماية دولية صارمة تمنع تكرار الحرب.
وتبقى الأنظار متجهة صوب الجولات القادمة، حيث تسعى إدارة الرئيس ترامب للوصول إلى تسوية نهائية بحلول شهر يونيو المقبل، وفقاً لتصريحات نقلت عن زيلينسكي. ومن المنتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة حراكاً ديبلوماسياً مكثفاً لترجمة التفاهمات الأولية إلى نصوص مكتوبة، ومحاولة جسر الهوة العميقة بين المطالب الروسية والثوابت الأوكرانية، في سباق مع الزمن ومع قسوة الشتاء الذي يلقي بثقله على ساحات القتال والمدن الأوكرانية على حد سواء.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-02-09