يعتبر موراليس الرئيس البوليفي اسرائيل دولة إرهابية وموراليس دائماً على حق، بالضد من السيد محمود عباس الرئيس الفلسطيني الذي يصف حزب الله بالمنظمة الإرهابية، إنسجاماً مع بيان آل سعود ذي الصلة بهذه المسألة. يا ليت أبو مازن يبرر موقفه بالمقارنة بين الخدمات التي قدمها آل سعود دعماً لنضال الفلسطينيين ضد المستعمرين الإسرائيليين من أجل حق العودة من جهة، وبين انخراط حزب في مقاومة الأخيرين من جهة ثانية، ليس بمعيار المكرمات السعودية ولكن بمعيار عداوة الإسرائيليين لآل سعود مقابل عداوتهم لحزب الله !
العراق صار خراباً، سوريا خراب، ولبنان على صفيح ساخن . تجد آل سعود، ومعهم مشيخات الخليج حاضرين في جميع ورش التهديم . يدعون تارة أحقية الدفاع عن العروبة ضد الفرس، ويدعون تارة أخرى أحقية رعاية «المسلمين» وتطهير المجتمعات «الإسلامية» من المرتدين والمارقين والمشركين . فتلاشت العروبة ولم يبق من «الإسلام إلا اسمه»!
هذه توطئة أضعها تمهيداً لمقاربة الأوضاع في لبنان بصراحة إنطلاقا من ملاحظة مفادها أنه تبلورت في هذه البلاد في الواقع ثلاثة تيارات سياسية، أو عصبية . مهما يكن فأنا لا أنظر إلى الأمور من زاوية المعتقدات الدينية، بناء على قناعة بأن السياسة، والقبلية والعشائرية، اتخذت في لبنان من الديانات لباساً للظهور في مناسبات استعراض القوة إرهابا للخصم.
ينبني عليه، أنه عندما أقول حزب الله أو الشيعة السياسية، فمن البديهي أن هذين المصطلحين لا يشملان جميع أتباع المذهب الشيعي في لبنان . فما أقصده هي حركات سياسية، غالبية أعضائها وأنصارها من المسلمين الشيعة . ينطبق هذا الفصل بين الدين والسياسة أيضاً، بخصوص مصطلحي تيار المستقبل أو السنية السياسية . إذ لا أعني بهما جميع أتباع المذاهب السنية، وإن ما أعنيه هو أن أكثرية المنضوين إليهما هم من المسلمين السنة.
والدلائل على ما تقدم نجدها في كون «شيعة السفارة» و«شيعة الإمارة» بالإضافة أيضاً إلى رجال دين من الشيعة، يعملون بحماسة كبيرة في خدمة ما يسمى السنية السياسة . وهناك في المقابل رجال دين سنة، وجماهير شعبية سياسية ما تزال على قناعتها بأن الأمانة للعروبة لا تتلائم مع السير خلف آل سعود، وبأن قضية العروبيين الأولى هي قضية الفلسطينيين، وبالتالي فهم معارضون للسنية السياسية على أساس أن المعيار هو الموقف حيال المستعمر الإسرائيلي، بين الذين يتصدون لمقاومته في جانب وبين التطبيعيين والمتعاونين معه في جانب أخر.
أصل الآن إلى تحديد مواقع وأدوار كل من التيارات السياسية، أو بالأحرى الكتل العصبية، التي أشرت إليها أعلاه، فأقول انه لم يبق في الواقع على الساحة الوطنية إلا التيارات المسيحية. بكلام أكثر وضوحاً وصراحة إن من يمثل السياسة الوطنية اللبنانية، بحسب رأيي هما تيار الجنرال ميشال عون (التيار الوطني الحر)، وحزب القوات ومعهما شرائح من الجماهير الشعبية على اختلاف معتقداتها، تعي أن الوطن هو حاجة ضرورية لها، هذا طبعاً بصرف النظر عن السياسة التي يتبعها كل من هذين الفريقين اللبنانيين.
اما التياران الآخران، تحديداً حزب الله وتيار المستقبل، فالرأي عندي، انهما بالمفهوم الوطني غادرا لبنان وافترقا . يكمن الإختلاف الجوهري بينهما في الأسباب التي دعتهما إلى الخروج من الوطن من جهة وفي الإتجاه الذي أخذه كل منهما.
من نافل القول أن تدخل المستعمرين الإسرائيليين في الشأن اللبناني، والذي بلغ ذروته بالغزو والإحتلال والقمع سنة 1982 كان حدثاً مفصلياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة. لا سيما أن الوطن لبنان بدا أنه لم يكن موجوداً، كان وهما . لم نلحظ أية مواجهة وطنية لبنانية جدية للقوات الغازية . بل بالضد من ذلك كان الإنطباع الغالب أنه يوجد إستعداد لمعاونة العدو ولعقد تسوية معه . أعتقد أن هذا الوضع وَلَدَ حزب الله، كتعبير عن اجتماع مصالح الذين يتضررون من تمدد المستعمرين الإسرائيليين في لبنان . أي سكان المناطق التي احتلها الإسرائيليون، وسوريا وإيران. لا غرابة في اعتقادي ازاء هذه المعطيات، وبوجه خاص أمام تخلي الدولة شبه التام عن دورها في الدفاع عن رعاياها وفي المحافظة على التراب الوطني، أن تربط المقاومة ضد المستعمرين الإسرائيليين، علاقة وثيقة بالسوريين والإيرانيين، الذين أمدوها بالخبرات وبالعتاد، إلى حد الإمتزاج والإتحاد. تجسد ذلك بالتضحيات التي قدمها السوريون والإيرانيون واللبنانيون معاً في معارك مشتركة ضد المحتلين. هكذا صار وطن حزب الله من لبنان إلى إيران مروراً بسوريا.
من البديهي أن إئتلاف حزب الله وسوريا وإيران في حلف، لا يلائم مصالح المستعمرين الإسرائيليين، ولا ترضى عنه الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية المتعاونة معها . من المرجح أن هذه الأطراف راحت تعمل على تفكيك هذا الحلف بعد أن خرج الإسرائيليون من لبنان دون أن يحققوا شيئاً على الصعيد الرسمي اللبناني كما كانوا يرغبون . نهضت الحملات الدعائية المغرضة في لبنان تحت عدة عناوين : طعن في حقيقة التحرير، السلاح غير الشرعي، السيادة الوطنية، الحكم السوري، توظيف أخطاء حزب الله او بالأحرى الجرائم المتهم بارتكابها هذا الأخير ضد شخصيات قيادية في الحركة الوطنية اللبنانية، توظيف الأخطاء والإغتيالات والفساد المنسوبة إلى أجهزة المخابرات السورية في لبنان.
كأن التحرير لم يكن، لم يكافأ الذين قاتلوا العدو الذي احتل وانتهك حرمات المنازل، واختطف الأبناء واحتجزهم في معسكر أنصار وعتليت وباقي السجون الإسرائيلية. ولم يعاقب المتعاونون والمتقاعسون عن تأدية واجبهم الوطني، ولم يظهروا حرصاً على السيادة الوطنية إلا بمناسبة «عودة العسكر» بعد أن دحروا المحتلين.
غني عن القول أن ذلك أدى إلى احتقان الأجواء . فجأة قدحت شرارات إشعال فتيل تفجير برميل البارود. توالت الإغتيالات. وتصدر أنصار آل سعود الهجوم على سوريا وحزب الله، واعترف السفير الأميركي السابق في بيروت بأن ملايين الدولارات دفعت بقصد تشويه صورة حزب الله.
هكذا غادر تيار المستقبل الوطن لبنان، وحاول إيقاع أتباع المذاهب السنية في أوهام، كمثل أن الشيعة مرتدون وبالتالي هم أعداء، وأن أبواب مملكة آل سعود مشرعة لهم، وأن وطنهم صار من لبنان إلى السعودية.
خلاصة القول ان حزب الله غيّر لبنان بأن ضمه إلى حركة التحرر من الإمبريالية والإستعمار، على صعيد منطقة الشرق الأوسط، بالضد من تيار المستقبل الذي يحاول إخراج لبنان من الصراع ضد إسرائيل وإلحاقه بمعسكر التطبيع الذي يقوده آل سعود. تأسيساً عليه إن السؤال الذي لا مفر من الإجابة عليه هو هل من الممكن أن يعود اللبنانيون إلى لبنان من جديد، وأن يبنوا على أرضه وطنا لهم؟