من يملك صياغة اليوم التالي؟ بين القوة والشرعية!
بقلم : خالد صالح عطية
لم تعد الحرب تُقاس بعدد الضحايا، بل بمن يكتب الحكاية بعدها. فحين تسكت المدافع، تبدأ معركة المعنى؛ من يحتكر اللغة يحتكر المستقبل، ومن يُملي رواية “اليوم التالي” يرسم حدود الشرعية الجديدة. في غزة، لم تتوقف الإبادة بقرارٍ دولي، بل بانكشافٍ أخلاقيٍّ أصاب النظام العالمي في صميمه. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: من انتصر؟ بل: من يملك الحق في تعريف ما يعنيه الانتصار؟ في لحظةٍ تتنازع فيها القوة والضمير على صياغة الغد، تبدو فلسطين — مرة أخرى — الميدان الذي تُختبر فيه شرعية العالم ذاته.
توقّف القتال لا يعني أن الحرب انتهت، بل أن شكلها تبدّل. فالمعارك الكبرى تبدأ عادة بعد الصمت، حين ينتقل الصراع من الجغرافيا إلى الوعي، ومن الميدان إلى الطاولة. “اليوم التالي” ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مساحة لإعادة تعريف السلطة والذاكرة والمستقبل. وهو، في جوهره، سؤال السيادة: من يُعيد بناء المعنى بعد انهيار اللغة التي شرّعت القتل؟
في قمة شرم الشيخ، المقرّر عقدها غدًا بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من القادة العرب والغربيين، يتجلى هذا الصراع بأوضح صوره. غياب التمثيل الفلسطيني ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة بنيوية إلى محاولة إنتاج حلٍّ بلا صاحب؛ إدارة فلسطينية دون إرادة فلسطينية. فالمجتمع الدولي، الذي يزعم رغبته في وقف الدمار، يسعى في العمق إلى إعادة هندسة المشهد بحيث تظلّ إسرائيل مركز الفعل، وتتحول غزة إلى منطقة مراقبة إنسانية بإشرافٍ إقليمي ودولي.
الولايات المتحدة تبدو مصمّمة على استثمار لحظة ما بعد الحرب لترميم صورتها المتآكلة، وتثبيت هيمنتها عبر ما تسميه “إعادة الإعمار الآمن”. لكن هذا المشروع في جوهره ليس سوى عودة لصفقة القرن في ثوب إنساني: هدنة طويلة الأمد، اقتصاد مقابل هدوء، وإلغاءٌ ضمني لفكرة الدولة الفلسطينية. تمتلك واشنطن أدوات القوة، لكنها فقدت الشرعية الأخلاقية، إذ لا يمكن لمن منح الغطاء السياسي للإبادة أن يتحدث عن إعادة بناء السلام.
أما إسرائيل، التي تغيّبت رسميًا عن القمة، فهي الحاضر الأكبر في الغياب. تسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى واقعٍ سياسي دائم، عبر تفكيك البنية المقاومة في غزة ومنع أي صيغة تمثيلية وطنية مستقلة. لكنها تواجه مأزقًا مزدوجًا: عزلة دولية متنامية، وتصدّعًا داخليًا في البنية السياسية والأخلاقية التي طالما وفّرت لها الحصانة. فالحرب الأخيرة نزعت عن المشروع الصهيوني آخر أقنعته الأخلاقية، وفضحت طبيعته الإبادية أمام العالم.
إقليمياً، تتوزع المواقف بين وساطةٍ حذرة وحساباتٍ مصلحية دقيقة. مصر تحاول تثبيت موقعها كوسيط لا غنى عنه، لكنها تتحرك ضمن هامش ضيق تحدده معادلة الأمن القومي وضغوط واشنطن. والدول العربية الأخرى تتأرجح بين خطاب التضامن والواقعية السياسية، في مشهدٍ يعكس هشاشة النظام العربي الذي فقد منذ زمن قدرته على إنتاج مشروعٍ جماعي.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في الرأي العام العالمي. فخارج القاعات المغلقة، تولد شرعية جديدة في شوارع لندن وباريس ونيويورك وسيدني، حيث الملايين تهتف باسم فلسطين وتدين الإبادة. لم يعد التضامن مجرّد عاطفة، بل بنية وعي جديدة تُعيد تعريف العدالة والإنسانية. إن هذا الوعي الشعبي العالمي لا يملك قرار الحرب والسلام، لكنه يملك القدرة على تقويض الرواية المهيمنة، وعلى إعادة بناء المعنى الأخلاقي للنظام الدولي.
هنا يتقاطع الفلسطيني مع العالم في مستوى رمزي غير مسبوق: فالقضية لم تعد شأنًا وطنيًا فقط، بل صارت مرآةً ينعكس فيها فشل النظام الدولي بأسره. غزة لم تُهزم؛ لأنها، وهي تُقصف، نجحت في نزع الأقنعة عن المنظومة التي كانت تدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية. في لحظةٍ نادرة، تماهى الجرح الفلسطيني مع الضمير العالمي، وانكشفت الحدود الفاصلة بين القوة والشرعية، بين القانون والإبادة، بين الخطاب والواقع.
الصراع على “اليوم التالي” إذن ليس صراع خرائط أو اتفاقيات، بل صراع بنيوي بين من يملك أدوات الفعل ومن يملك الحق في السرد. الولايات المتحدة وإسرائيل تمسكان بالقوة، لكن الشرعية تسكن في مكانٍ آخر: في الفلسطيني الذي لا يزال ينهض من الركام، وفي الملايين التي ترفع صوته من وراء البحار. إن أي تسوية تُصاغ دون هذا الوعي ستكون مؤقتة، لأن العدالة المؤجلة هي شكل آخر من أشكال العنف.
من يملك صياغة اليوم التالي؟ ربما لا أحد يملكها بالكامل. لكن المؤكد أن العالم الذي خرج من تحت أنقاض غزة لم يعد كما كان. فالهيمنة فقدت لغتها القديمة، والخرافة فقدت قدرتها على الإقناع، والفلسطيني، رغم الجراح، بات الرقم الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة العالم الجديدة.
“اليوم التالي” ليس توقيعًا على ورقة، بل حقل اختبار لشرعية العالم الحديث: هل يستطيع أن يعيد تعريف نفسه خارج منطق القوة؟ أم سيبقى أسيرًا للتاريخ الذي شرّع القتل باسم النظام؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد ليس فقط مستقبل فلسطين، بل مصير الضمير الإنساني ذاته.
١٢-١٠-٢٠٢٥