من هو الفلسطيني ؟ وما هي الهوية الفلسطينية ؟ وما هي أزمته الوطنيه؟
عماد قطنيه
مشكلتنا أن لا وضوح لدينا في فهم الوطنية , وليس تعريفها . فربما عالجها الميثاق الوطني الفلسطيني من زاوية الجنسية من حيث المولد والتكاثر من الأولاد والأحفاد الذين ولدوا لأبوين فلسطينيين … الخ من النص , وليس من زاوية الهوية .
لكن هذا التعريف قاصر و مجزوء ومرتبط بوثائق وأوراق . لأن الفلسطيني هوية قبل الجنسية . بمعنى التكوين الفكري و الإنتماء والقضية والهدف , الذي يُترجم بعلاقة عضوية محكومة بحقوق و واجبات عملية تؤكد هذا الأمر .
هناك جنسية , وهناك تصنيفات تحت سقفها تتراوح بين منتمي ومحايد ومعادي . فالفلسطينيون عموما شعب كما بقية شعوب العالم , منقسمين الى طبقات وفئات وشرائح مختلفة المصالح و التفكير و الوعي والهدف , وبالتالي مختلفة الإنتماءات .
بمعنى أن الشعب الفلسطيني ليس انتماءً واحداً , ولا بهدف واحد أو برنامج واحد ولا حتى طموح واحد . فلدينا عديد البرامج والأهداف , رغم كل الحديث عن شرعية واحدة وإطار جامع واحد , طالما أن هذه الشرعية لا شرعية توافقية بين جميع المكونات التمثيلية , ولا انتخابية عبر صناديق الإقتراع .
صحيح أن لنا قضية تحررية وطنية واحدة مع مُحتل مشترك واحد , عانينا منها بتفاوت حسب الوضع الطبقي وحجم الخسارة الفردية أو الطبقية , لكن ليس بالإمكان نسيان أن هناك معانيات لأسباب طبقية داخلية تجعل منا مضطَهدين لبعضنا و منقسمين ايضا , و يتقاطع هذا البعض مع مصالح الإحتلال في مجالات مختلفة تبدو بداية على شكل مصالح وعلاقات و روابط اقتصادية واجتماعيه , لكنها في الحقيقة تنطوي على تقاطعات سياسية تجد ترجماتها في برامج الأحزاب والقوى السياسية المختلفة , وأيضا في آليات سلوكها .
وهناك استثناء دون التقليل منه , و لا نستطيع تعميمه فيما يتعلق بالعمالة والإرتباط بمؤسسات الكيان الأمنية بصورة فردية عدا عن التنسيق الأمني الرسمي الذي يدعم مقولة تعدد الهويات والولاءات اللاوطنية , رغم ان الكل يحمل لقب فلسطيني .
وبالتالي لا غرابة في تعدد الألوان السياسية الفلسطينية وبرامجها وأهدافها ونهجها ومعالجاتها المرتبطة عضويا بزاوية الرؤية الطبقية . وبالتالي فإن الحديث عن الوطنية والإنتماء ليس حالة منسجمة أو متجانسة ولا حالة مطلقة من الوحدة .
في العموميات تضيع الكثير من الحقائق , ويتراجع الوضوح لصالح الضبابية التي يتم تجنيدها في التضليل لتمرير مشاريع لا تمت بصلة للمصالح الوطنية بشكلها العام وحدودها الدنيا . وفي حالنا الفلسطيني نتكلم عن ثوابت أقرتها منظمة التحرير بوصفها جبهة وطنية , تتمثل في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس كصياغة عامة حمّالة الأوجه . وهذا دليل على خلافات تم الإلتفاف عليها بصياغات تمنح الأطراف فرصة الترجمة الخاصة بكل منها . وهذا أيضا يَشي بكون الوحدة على المستوى السياسي كانت مجرد قشور وحذاقة صياغات توظيفية , تؤجل الصراعات ولا تحسمها .
إن معيار الوحدة الحقيقية يتجلى في دقة الصياغة للبرامج أولا , ودقة النظام الداخلي الذي يصوغ العلاقات ثانيا , وفي الإلتزام الأمين بكل هذه الصياغات ثالثا . وبما أن المنظمة والسلطة من بعدها أو قبلها كانت مجرد إطار يتم فية إدارة لعبة التوازنات ونصب الأفخاخ للسيطرة على القرار , بعيدا عن الهدف المشترك , إذن من المنطقي أن تأتي الأحداث على صورة أوسلو وما هو أسوأ من أوسلو .
المسؤول عن الحالة السياسية , وعن الإنكفاء الشعبي والنفور من القيادة السياسية وتراجع القضية الوطنية , هو نتاج اغتراب القيادة عن الشعب من حيث الموقع والمعاناة والمصالح والطبقية . ولا داعي للإشارة الى من يتحمل العبء الوطني وتضحياته , ومن يجني الثمار , و من يستحوذ القرار وكيف . وعدم التجانس الطبقي ما بين القمة والقاع هو من أوجد التعارض ومن ثم التناقض ما بينهما .
قد يستكثر البعض مقولة التناقض في هذا العرض , ولكن الحقيقة المُرّة هي أن الخلافات والتعارضات بدأت تتصاعد حدتها لدرجة شطب المؤسسات و تعطيل القانون والقضاء و إلغاء المرجعيات و تحقير السياسة وهدم القيم وفكفكة الثوابت وصولا الى القمع والإعتقال والتصفية والإشتباك المسلح أحيانا . وهذا يعني أستعصاء الحوار والحل الديمقراطي , وبالتالي نحن في حالة تناقض .
وبعد هذا الإيجاز والتوضيح يمكن القول بأن الهوية الفلسطيني هي هوية المرحلة التحررية الوطنية بمتطلباتها واستحقاقاتها التي لا تحتمل العبث أو التنازل أو الإنحراف عن سياقها الأساس . والقيادة الحقيقية الهوية هي من تعزز هذا وليس من تُجيّره على مقاسها ومصالحها , فمحددات الهوية هي درجة الإلتزام و الإنصهار في جوهر القضية وأصولها وثوابتها التاريخية , وفي العمل على ترجمتها وتقديم أهدافها على أي خيارات آخرى , وهذا يستحيل الوصول اليه دون انتماء لطبقات وفئات الشعب التي حملت القضية على أكتافها , بتضحيات جسام بالجهد والمال والنفس والحرية .
وفي الإجابة على تساؤل القطاعات العريضة من شعبنا حول هوية وهوى ودور وأهلية القيادة كعنصر خدمة أو إعاقة للمشروع الوطني أو عنصر أمل أو احباط , فإننا لن نجد أبلغ من حال واقعنا اليومي جوابا شافيا . إن القيادة بتكوينها وفكرها ونهجها هي جوهر أزمتنا الوطنية التي تُشوّه قضيتنا بوجودها وأدائها , حيث أن الشكل الذي تمثله لا ينسجم مع المحتوى , والمظهر لا صلة له بالجوهر , مما يجعلها معيقا أساسيا يحول بيننا وبين التقدم والإنجاز .
2023-04-19