من قصص الغربة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في عام 1988، كنت أعمل أستاذًا في الجامعات الليبية، أحمل معي أثقال الغربة الأولى، وأحاول أن أجد في التدريس والبحث الأكاديمي معنى يتجاوز حدود المنفى الجغرافي. في تلك السنة، أُعلن عن تأسيس جامعة حديثة في مدينة طرابلس حملت اسم الجامعة المفتوحة، وكانت الجامعة في طور التكوين، بحاجة ماسة إلى أساتذة وباحثين قادرين على الجمع بين التدريس والتأليف وبناء الأقسام العلمية من الصفر.
حينها، حثّني صديق عزيز، كان يشغل منصب رئيس جامعة، على الالتحاق بهذه التجربة الجديدة، مع وعد بتعديل درجتي العلمية بما ينسجم مع خبرتي الأكاديمية ومساري البحثي. لم يكن القرار سهلًا، لكنه بدا ـ بعد تقييم ومراجعة ـ فرصة أبحث عنها: فرصة يكون فيها البحث مرافقًا للتدريس، لا هامشًا له.
وافقت، وانتقلت إلى طرابلس، حيث استقبلني رئيس الجامعة، المرحوم الدكتور عامر غميض، استقبالًا كريمًا يليق برجل أكاديمي نادر. تم تنصيبي بدرجة علمية أعلى، وتكليفي بمنصب منسّق عميد كلية الاقتصاد والعلوم المالية. غير أن البداية، كما هي حال البدايات في المنافي، لم تكن مفروشة بالطمأنينة.
برزت أولى المشكلات في الانتقال من مدينة غريان إلى طرابلس الغرب: السكن، والاستقرار، ونقل بناتي إلى مدارس جديدة، وإعادة ترتيب حياة عائلية أرهقها الترحال. وبعد معاناة ليست بالقصيرة، تم تجاوز هذه الإشكاليات، وباشرت عملي رسميًا.
كانت المهام ثقيلة ومتداخلة: إدارة الكلية، التدريس، والمساهمة في سد النقص الحاد في المقررات الدراسية، ولا سيما في قسم المحاسبة. وكان من المطلوب ـ عمليًا ـ أن نكتب كتبنا بأيدينا، لا أن نبحث عنها في رفوف مكتبات لم تكن متاحة. فكان خياري الأول أن أبدأ بكتاب في التحليل المالي، وهو حقل أراه أساسًا لفهم الاقتصاد الحقيقي، لا أرقامه المجردة.
هكذا وُلد كتابي الأول في ليبيا بعنوان «مذكرات التحليل المالي»، وأهديته ـ عائدًا إلى النبع الطيب، كطيبة الأرض ـ إلى والدتي، بوصفها الجذر الأول لكل ما أنجزت. وقد لقي هذا “الوليد” قبولًا واسعًا وإقرارًا أكاديميًا وانتشارًا ملحوظًا، حتى قامت الجامعة المفتوحة بطباعته على نفقتها الخاصة.
كانت تلك الفترة تجربة كنت أبحث عنها: البحث فيها توأم التدريس، والمكتب الجامعي يتحول إلى مساحة حياة. كنت أقضي معظم ساعات النهار داخل مكتبي، أكتب وأدرّس وأناقش، لا طلبًا للضوء، بل لأن العمل الصادق يفرض حضوره. غير أن هذا الجهد، شاء أم أبى، سلّط الضوء عليّ، وقرّبني من المجلس العلمي، حيث تم ضمي إليه نتيجة طبيعية للعمل، لا أكثر.
لكن، وكما حدث لي في كلية المحاسبة في محطات سابقة، عادت مناكفات الزملاء لتطل برأسها. المؤلم في الأمر أن بعض من مارسوا الإيذاء كانوا ممن سعيتُ بنفسي إلى مساعدتهم في الحصول على العمل والاستقرار. تحوّل الحسد إلى تقارير، وتحولت الزمالة إلى دسّ، وكُتبت بحقي تقارير مليئة بالأكاذيب رُفعت إلى رئيس الجامعة.
غير أن الرجل، رحمه الله، كان أكبر من تلك الصغائر؛ كان يمزّق تلك التقارير دون أن يطلعني عليها، مكتفيًا بحكمه على العمل لا على الوشايات. ومع ذلك، بدأ يظهر صراع خفي بين أبناء الوطن الواحد، اتهامات بلا مبررات، وحساسيات مشحونة بخلفيات الحرب والدكتاتورية، وارتباط بعضهم ـ للأسف ـ بالنظام العراقي آنذاك، بكل ما يحمله ذلك من إرث ثقيل.
أمام هذا المناخ المسموم، وأمام حقيقة أن مناكفات المنفى لا تنتهي، وجدتني مضطرًا إلى اتخاذ قرار جديد: الاستقالة، والرحيل مرة أخرى. شددت الرحال مجددًا إلى موسكو، حاملاً معي تجربة إضافية تؤكد أن الغربة ليست مكانًا فحسب، بل حالة تتكرر حتى بين أبناء اللغة والوجع الواحد.
هكذا تمضي أسفار المنفى: نغادر لا لأننا فشلنا، بل لأننا نرفض أن نُهزم أخلاقيًا. نغادر ونحن نوقن أن ما نكتبه ونعلّمه ونزرعه في العقول سيبقى، حتى وإن تغيّرت الجغرافيا، وحتى وإن طال السفر.
2026-01-18