من سيفوز في الإنتخابات الرئاسية الروسية بوتين أم بايدن؟

د. نواف إبراهيم
تستعد روسيا لبدء إطلاق حملة الإنتخابات الرئاسية في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية المشاركة في هذه الإنتخابات على طريقتها.
تتجه الحياة السياسية في روسيا بشكل ديناميكي أكثر من مستقر رغم كل الصخب القائم في محيطها الجيوسياسي وفي العالم ككل، نحو الإنتقال إلى مرحلة الحملة الانتخابية لعام 2024. حيث انتهت عملية إنتخابات، المحافظين والبرلمانات المحلية في شهر سبتمبر / أيلول الماضي، وأظهرت نتائج هذه الإنتخابات مستوى عال من الدعم للحزب الرئاسي الحاكم “روسيا الموحدة”، فقد حصل الجزب على أغلبية المقاعد في المجالس التشريعية في جميع المناطق،وتأتي هذه الأإنتخابات قبيل إجراء الإنتخابات الرئاسية المزمعة رسمياً في شهر ديسمبر كانون أول القادم.
هذه الأيام بدأت روسيا بالإستعداد المنظم للإستحقاق الرئاسي لعام 2024، والذي سيحدد مسار تطور الدولة خلال السنوات الست القادمة. ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في ديسمبر المقبل، ستكون ختام الدورة الإنتخابية المحلية التي جرت مؤخراً بنجاح في اختيار ممثلي السلطات البلدية ورؤساء الأقاليم والنواب الاتحاديين. على مدى السنوات الخمس الماضية، أعطى المواطنون الروس على الدوام الأفضلية لحزب الرئيس، إذ حصل حزب “روسيا الموحدة” على أغلبية المقاعد في المجالس التشريعية في جميع مناطق الإتحاد الروسي، كما تم تمثيل هيئة الحاكمين بالكامل تقريبًا من قبل حزب “روسيا الموحدة”، ويستمر العمل في هذا الاتجاه على المستوى الفيدرالي بشكل عام . وخلال هذه الفترة، لاحظ المراقبون الدوليون المستوى العالي لتطور الإجراءات الانتخابية في روسيا ومدى امتثالها للمعايير الدولية.
لا شك أن الانتخابات الرئاسية في روسيا ستكون نقطة الفصل الأخيرة للتعبير عن الثقة في سلطات في البلاد وخاصة بعد العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، التي حاول الغرب الجماعي بقيادة واشنطن جعلها حربة في صدر روسيا كدولة وفي وجه الرئيس بوتين كزعيم لهذه الدولة إعتقاداً منهم أنهم يضربون بذلك عصفورين بحجر في التخلص أولاً من الرئيس بوتين بأي طريقة وثانياً تفتيت الإتحاد الروسي على غرار مافعلوه بالإتحاد السوفييتي السابق في تسعينيات القرن الماضي، لكن كما يقول المثل العربي لم يأتي حساب الحقل على حساب البيدر معهم. كل المؤشرات والإحصاءات وخاصة بعد نجاح الإنتخابات المحلية تؤكد على أن نسبة أصوات الناخبين لصالح رئيس الدولة والإقبال على عملية التصويت ستكون مرتفعة ومتطابقة مع مستوى الثقة بنظام الدولة بأكمله.
علينا هنا أن نلفت النظر إلى أنه خلال فترة المواجهة الشاملة بين روسيا والغرب، إلى أنه زادت بشكل ملحوظ عملية الإلتفاف حول الرئيس فلاديمير بوتين، ما يؤكد على صوابية الخيار الشعبي في السنوات السابقة، وعلى الرغم من محاولة التسيد عبر الزخم التصاعدي في زيادة حجم وعدد العقوبات المفروضة، وضغوط الحرب النفسية، والنضال من أجل الدول الشريكة، تمكنت روسيا من التعامل بنجاح مع هذه الاختبارات القاسية،اذ ان الانكماش الاقتصادي بلغ 2.1%، وهو أقل من المتوقع (ناقص 2.9%). وبحلول نهاية عام 2022، استقر الإنتاج في روسيا وانتعش في جميع المجالات تقريبًا التي عانت جميعها خلال هذه الفترة نتيجة فرض العقوبات، و هذا كان له منعكسات وآثار إيجابية على حياة المواطنين الروس.
بالمجمل علينا هنا أن نشير إلى أنه بالرغم صلابة الموقف الروسي وإستيعاب الدولة لكل هذه الضغوط التي قد لا تتحملها الدول التي فرضت العقوبات ذات نفسها إلا لأسابيع أو أشهر قليلة، إلا أننا نرى أن واشنطن سوف تستمر بممارسة الضغوط على عملية الإنتخابات الرئاسية الروسة القادمة وعلى الشعب الروسي بمختلف الطرق والأدوات والإساليب والتي نعرف منها أدوات ووسائل حرب المعلومات والهجمات الإلكترونية لأجل تخريب الأوضاع وتأليب المجتمع وتغيير الخطاب العام في الإتجاه الذي يخدم مصلحتهم في إيذاء روسيا. ورغم كل هذا، تدل وتثبت الوقائع أن الرأي العام الروسي متحفظ ومحافظ إلى أعلى درجة على موقفه وهذا يعني بالمباشر أنه مهما فعلت الولايات المتحدة ومن معها لقلب الخطاب العام للشعب وتوجهاته فهي لن تفلح ولن تستطيع تحقيق مرادها في ذلك. في الواقع تشير التقييمات الاجتماعية الأخيرة إلى أن ما يقرب من 70% من الروس يثقون في عملية الانتخابات ونتائجها، لا بل والأكثر من ذلك تثق غالبية الشعب الروسي بالرئيس الحالي فلاديمير بوتين.
وإذا ما قارنا قوة الموقف والموقع الروسي في الوقت الحالي مع ضعف الموقف والموقع الأمريكي فإننا سوف نرى غلبة الجانب الروسي إلى حد كبير والذي لم يكن يعتقد أحد أن تشغله روسيا بعد كل محاولات التدمير التي تمارس ضدها من قبل الولايات المتحدة والغرب الجماعي مجتمعين منذ زمن بعيد وبشكل غير معلن معظم الأحيان لتكون رهينة لهم ومشلولة أمامهم، وإشتدت وتيرة هذه الضغوط والعقوبات على روسيا وبشكل لا يمكن أن يصدق من أجل القضاء عليها بشكل نهائي تحديداً بعد بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، إذا قوة الموقع الروسي حاليا على الساحة العالمية والتحالفات التي إستطاع نسجها الرئيس بوتين إقليميا ودولياً كأساس لقاعدة بناء عالم جديد متعدد الأقطاب وبالتوازي مع صلابة وقوة موقف الرئيس بوتين كرئيس دولة أثبتت أنها عظمى نرى أن مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية كيف ما كان شكلها وكيف ماكانت أدواتها وأساليبها ستكون فاشلة وخاسرة بعملية حسابية بسيطة جداً أو حتى بدون أي عمليات حسابية تطيل السرد والتفاصيل وهو فقط بالنظر إلى حال الدولة والشعب في البلدين أيهما أفضل وقس على ذلك في كل مناح الحياة بدءا من الحالة الطبيعية والإستقرار الداخلي في البلاد ووحدة الشعب على كلمة واحدة وخلف قيادة واحدة وبالنظر إلى فوارق الناتج المحلي في البلدين وصولاً إلى طرق التعامل والثقة بهما من قبل الأحلاف والدول والتكتلات الدولية الصاعدة الأخرى.
لم يعد هناك ثقة بالولايات المتحدة ولا بدول الغرب من القسم الأعظم من دول وشعوب العالم التي ضاقت ذرعاً بكل سلوكياتهم التي لاتحترم لا الدول ولا سيادتها ولا مصالحها ولا حتى تقيم أي إعتبتار لها أمام مصالحها الضيقة طالما أن جميعها انتظرت قوة دولية ذات قيمة وقيم ومبادىء نظيفة تستطيع أن تضع حدا للهيمنة والغطرسة الأمريكية والغربية، ومن ستكون هذه القوة أصلاً غير روسيا التي حظت بثقة وإحترام الجميع لأنها قبل كل شيء تحترم نفسها وتحترم الآخرين كدول وشعوب، إذا بناء على ماتقدم من المؤكد أن تخسر الولايات المتحدة تحدي عرقلة الإنتخابات الرئاسية الروسية وسيضعف إلى مادون الصفرتأثيرها المعتاد على نتائجها، لابل إنه من شبه المؤكد أن واشنطن لن تستطع تحقيق النجاح المطلوب بما يكفي ماء الوجه في تحدي الإستحقاق الرئاسي داخلها في الدورة القادمة .
بطيعة الحال لمن قد يعتبر هذه التفاصيل مجرد سرد كلامي عليه أن يترك الأيام القادمة تحكم بيننا ونرى من سيفوز في الإنتخابات الروسية القادمة بوتين أم بايدين .
كاتب سياسي، إعلامي مختص بالشؤون الدولية
2023-10-18