من المعنى إلى القدرة: مأزق الحامل الفلسطيني بعد الانكشاف!
قراءة في الجزء الثامن من سلسلة الدكتورة غانية ملحيس
بقلم: خالد صالح عطية
لا يأتي الجزء الثامن من سلسلة الدكتورة غانية ملحيس بوصفه إضافة لاحقة على هامش ما كُتب، ولا كاستجابة سجالية عابرة للنقاش الذي أثاره الجزآن السادس والسابع، بل كتحوّل محسوب في مسار السلسلة نفسها. فهو لا يغادر سؤال الفكر، ولا يتخلى عن حذره النقدي، لكنه ينقل مركز الثقل من حماية المعنى إلى مساءلة شروط تجسّده. بهذا المعنى، لا يجيب الجزء الثامن عن سؤال “ما العمل؟”، بقدر ما يعيد صياغته فلسطينيًا: ليس كبحث عن وصفة، بل كسؤال عن القدرة، وعن الحامل، وعن الشروط التي تجعل المعنى قابلًا لأن يصبح فعلًا دون أن يفقد استقلاله أو يتحول إلى إدارة جديدة.
أقرأ الجزء الثامن من السلسلة بوصفه استجابة فكرية جادّة لمأزق فلسطيني بقدر ما هو مأزق نظري. فالسؤال الذي خلّفه الجزء السابع – ماذا نفعل بما عرفناه، وكيف نحمي المعنى من أن يُدار؟ – ليس سؤالًا تجريديًا في السياق الفلسطيني، بل سؤالًا صيغ على مدى عقود من التجربة، والهزائم المؤجلة، والقدرة المتآكلة على الفعل السياسي المستقل.
ما يميّز هذا الجزء أنه لا يتعامل مع الفكر بوصفه مخرجًا أخلاقيًا من المأزق، ولا مع الحقل الفكري كتعويض عن غياب السياسة، بل يعيد ربط السؤال بالخبرة الفلسطينية نفسها: خبرة شعب لم يُهزم فقط بالقوة، بل بإفراغ السياسة من معناها، وتحويل التمثيل إلى إدارة، والتنظيم إلى وظيفة، والمشروع الوطني إلى ملف قابل للتدوير.
حين يشدّد النص على خطورة تحميل الفكر ما لا يحتمله، فإنه يستدعي – ضمنيًا – التجربة الفلسطينية بكل ثقلها. فهذه التجربة قدّمت مثالًا صارخًا على ما يحدث حين يُطلب من المعنى أن يقود، ومن الخطاب أن يعوّض غياب القدرة، ومن التنظيم أن يتحول إلى غاية بحد ذاته. ما آلت إليه منظمة التحرير، وما تلاها من نظام فصائلي، ليس انحرافًا عارضًا، بل نتيجة تاريخية لتحوّل الحامل السياسي من أداة تحرر إلى بنية إدارة خاضعة لشروط النظام الدولي.
في هذا السياق، يصبح الانتقال الذي يقترحه الجزء الثامن – من الحقل الفكري إلى الحامل الاجتماعي والسياسي – انتقالًا محفوفًا بالمخاطر، لكنه ضروري. فالفلسطينيون لا يعانون من فائض نقد، بل من انقطاع بين الوعي المتراكم والقدرة على ترجمته إلى فعل جماعي مستقل. غير أن أهمية النص تكمن في أنه لا يتعامل مع “الحامل” كقرار تنظيمي، ولا كمبادرة فوقية، ولا كإعادة إنتاج لصيغة مألوفة، بل كمسار تاريخي يتشكّل حين تفقد البنى القائمة قدرتها على التمثيل، ويبدأ المجتمع نفسه بالبحث عن أشكال جديدة لحمل معناه.
هنا تتقاطع القراءة مع تجربتنا المباشرة: الحوامل السياسية الفلسطينية لم تنهَر فجأة، بل تآكلت حين توقفت عن مساءلة ذاتها، وحين أصبح الحفاظ على البنية أهم من الحفاظ على المعنى، وحين جرى إخضاع السياسة لمنطق “الواقعي الممكن” كما يعرّفه الخارج. لذلك، فإن تحذير النص من أن كل حامل يحمل في داخله بذرة فشله ليس تحذيرًا نظريًا، بل قراءة دقيقة لتاريخنا القريب.
الأهمية الإضافية للجزء الثامن أنه يرفض القطيعة بين الفكر والحامل، كما يرفض ذوبان أحدهما في الآخر. فالفكر، في السياق الفلسطيني، ليس ترفًا ولا هامشًا ثقافيًا، بل أحد آخر خطوط الدفاع ضد التحوّل الكامل إلى إدارة بلا سياسة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للفكر أن يبقى في موقع الحراسة إلى الأبد، فيما الأرض تُبتلع، والمجتمع يُستنزف، والقدرة تتآكل. هذا التوتر – لا حله – هو ما يمنح النص قوته.
من هنا، لا أقرأ هذا الجزء بوصفه إجابة على سؤال “ما العمل؟”، بل بوصفه إعادة صياغة للسؤال الفلسطيني نفسه: كيف نبني قدرة دون أن نعيد إنتاج منطق الاحتواء؟ كيف ننتج حاملًا دون أن يتحول إلى سلطة جديدة؟ وكيف نحافظ على المعنى حيًا داخل الفعل، لا خارجه ولا فوقه؟
بهذا المعنى، لا ينقلنا الجزء الثامن من المأزق إلى الحل، بل من مأزق الكشف إلى مأزق القدرة. وهو انتقال لا يَعِدُ بالخلاص، لكنه يرفض الوهم، ويعيد السياسة إلى موقعها الحقيقي: فعلًا هشًا، محفوفًا بالمخاطر، لكنه الوحيد القادر على كسر زمن الإدارة الطويل الذي فُرض على الفلسطينيين باسم الواقعية، والتدرّج، وانتظار اللحظة المناسبة.
السلسلة، في هذه المرحلة، لا تطلب من الفلسطيني أن يختار بين الفكر والتنظيم، ولا بين النقد والفعل، بل أن يتحمّل التوتر بينهما بوصفه شرطًا لأي إمكانية تحرر. فالمعنى الذي لا يجد جسده الاجتماعي يتحول إلى خطاب، والقدرة التي تفقد يقظتها النقدية تتحول إلى إدارة. وبين هذين الخطرين، فقط، يتحدد أفق السياسة الفلسطينية الممكنة اليوم.
في المحصلة، لا يضعنا هذا المسار الفكري أمام خيار مريح بين الفكر والفعل، ولا يمنحنا وهم الانتقال السلس من النقد إلى القدرة. ما يكشفه، بوضوح متزايد، هو أن المأزق الفلسطيني لم يعد مأزق وعي أو تشخيص، بل مأزق شروط: شروط تجسيد المعنى دون مصادرته، وبناء القدرة دون تحويلها إلى إدارة جديدة. فالسياسة، في حالتنا، لا تُستعاد بقرار، ولا تُختصر في إطار، بل تُختبر يوميًا في قدرتنا على إبقاء المعنى حيًا داخل الفعل، والفعل مفتوحًا على المساءلة. وبين خطر خطاب بلا جسد، وجسد بلا نقد، يتحدد اليوم أفق الممكن الفلسطيني: أفق هشّ، محفوف بالمخاطر، لكنه الوحيد الذي لا يعيدنا إلى نقطة الصفر، ولا يسلمنا طوعًا لمنطق الانتظار الطويل. هنا، بالضبط، لا تنتهي الأسئلة، بل تبدأ المسؤولية .
2026-02-20