من الرقة إلى إدلب.. دمشق لن تفوّت فرصة سحق أعدائها
ميشيل كلاغاصي
هو الحلم العثماني الأزلي في الأرض السورية، الذي لطالما خفقت له قلوب ومطامع الشعب التركي ومن تعاقب على حكمه، الذين يجدون فيه تعويضًا عن حلمٍ بائدٍ تحطمت فيه أحلامهم على طاولة التشريح الدولية، بعدما ضخّت في عروق السلطنة سمًا زعافًا ووعودًا كاذبة، فأطاحت وتقاسمت مُلكًا عصمليًا مسروقًا وأراضٍ مغتصبة بالأساس، ولا يختلف السفاح أردوغان عمن سبقوه في شبقه الإستعماري، والذي لم يكن ليفوت فرصة ليغزو سوريا، ويسرق ما يسرق، ويقضم ما يقضم من أراضيها، فقد وجد في الإرهاب وعدًا وإمكانية، فلم يتوان عن تزعم الجبهة الأكبر للحرب الكونية على سوريا بحكم الحدود الطويلة بين البلدين.
فمن بوابة محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي التركي، سعى أردوغان لتشكيل منطقة عازلة، تمتد من مدينة جرابلس الحدودية، لتصل إلى ما بعد مدينة عفرين غربًا وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، لكنه فوجئ برفض أمريكي وصل حد الإطاحة بحكمه عبر الإنقلاب العسكري في 15/7/2016، كشفت واشنطن من بعده دعمها واعتمادها الصريح على بعض الفصائل الكردية في شرق وشمال شرق البلاد، وأبعدته عن المشاركة في تحرير الرقة، وعن مناطق قواعدها العسكرية وحيث تسيطر “وحدات الحماية الكردية”، وما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية”، وظلّ قابعًا ومترقبًا في مدينة الباب، واتجه غربًا، بعدما أخرج الجيش العربي السوري مدينة حلب من اللعبة الدولية بعد تحريرها بالكامل، فكانت مدينة إدلب قبلته ومسرح عدوانه الجديد، بالإعتماد على قواته النظامية وما تبقى من “الجيش الحر”، وفصائل “درع الفرات” و”جبهة النصرة” بتسمياتها المختلفة (هيئة تحرير الشام).. واستطاع بما يملكه من موروث عصملي بعيد كل البعد عن المصداقية وبمواهبه في الخداع، أن يُثبت من جديد وقاحة وقدرة عصملية كبيرة في الإنقلاب على التفاهمات والإتفاقات الثنائية وحتى الأممية، واستغل موقعه في الجهود الدولية خصوصًا ما يتعلق بإعتبار تركيا إحدى الدول الضامنة لإتفاق أستانا ومناطق خفض التوتر في مدينة إدلب وما حولها، وما يترتب عليه في تطبيق فرز “النصرة” عن باقي الفصائل، والبدء دون مواربة بقتالها وإخراجها من هناك، تنفيذًا للقرارات الدولية والتي أقرتها تنظيمًا إرهابيًا كتنظيم “داعش”.. لكنه، كشف نواياه الخبيئة واستغلّ العملية العسكرية لوضع يده على كامل المناطق المحاذية الحدود السورية، بتعاونٍ وتنسيقٍ كامل مع “جبهة النصرة”، بدا جليًا بطريقة اللقاءات العسكرية وبمسرحية “سلّم واستلم”.
وعلى الفور، سارعت الحكومة السورية بمطالبة القوات التركية – بالخروج ومغادرة الأراضي السورية، والذي اعتبرته إحتلالًا مباشرًا، وأبعد ما يكون تطبيقًا لبنود التسوية وفقًا لتفاهمات أستانا، وأنه ذاهبٌ لأبعد من ذلك، تحت ذريعة منع إقامة “كيان كردي إرهابي” على حدوده الجنوبية، في مسعىً جدي ليضمن من خلاله مقعدًا تفاوضيًا متقدمًا في التسوية الكبرى، أو بالإحتفاظ بالأرض وإلى الأبد.
ولحين نضوج الحل السياسي بشكل حقيقي، أسس أردوغان نقاطًا عسكرية أشبه ما تكون بالقواعد الدائمة، وحاول التمويه على نواياه الإستعمارية، بإبرامه إتفاقًا مع ما تسمى “الحكومة السورية المؤقتة”، والمجالس المدنية المحلية، وفصائل “الجيش الحر”، تم الإتفاق فيه على توزيع واردات المعابر الحدودية بالتساوي فيما بينهم، وبالإتفاق على تشكيل جيش من الفصائل الإرهابية يتكون في المرحلة الأولى من ثلاثة فيالق وتسلحيها، يكون قابلًا للتطوير خلال شهر، تحت مسمى “الجيش النظامي”!، وسط إهتمام بالغ بتسريع عمليات التتريك وتكريس مظاهر السيطرة التركية، ليفرض منطقة عازلة بحكم الواقع.
وعلى المقلب الأمريكي، انهمكت الإدارة الأمريكية بعد فشل الإستفتاء الإنفصالي في شمال العراق، إلى تسريع عملية تحرير مدينة الرقة بالإعتماد على قفزات مشبوهة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، وسط عمليات القصف الأمريكي الجنوني، والتي أسفرت عن تسوية 95% من مدينة الرقة بالأرض، من خلال عمل همجي لم يعرف التاريخ مثيلًا له، وأزهقت عبره حياة عددٍ غير معروف حتى اللحظة من المدنيين، وسط إختفاء مثير للإستغراب لعناصر تنظيم “داعش” الإرهابي وخصوصًا لقادته من الجنسيات الأجنبية، وسارعت بالتوازي مع اللحظات الأخيرة وقبيل القضاء النهائي على التنظيم في سوريا والعراق، للإعلان عن تسليم المدينة لإداراتٍ محلية، ولإستعدادها لإعادة إعمار المدينة المدمرة، وسارعت للبدء بعمليات رفع الأنقاض، في محاولة لإخفاء جريمة العصر المتوحشة، ونوعية القذائف التي استخدمتها، وللإعتراف الوقح بمقتل بعض المدنيين عن طريق الخطأ! وسط إعلان الرئيس ترامب عن الإنتقال إلى “مرحلة جديدة”؟، وتأكيد وزير خارجيته بأنّ بقاء القوات الأمريكية في سورية سيكون طويل الأمد، فيما أكدت فرنسا على عدم إنسحابها من الأراضي السورية بداعي مخاطر عودة ظهور التنظيم ذاته أو غيره من التنظيمات الإرهابية، بما يطرح إشارة الإستفهام عمّا يُحضر وراء الكواليس.
إنّ استهداف واشنطن لمناطق الشمال والشمال الشرقي في سوريا يعود إلى غناها بالنفط وبالثروات المعدنية والمائية والحيوانية والزراعية، ناهيك عن الموقع الجغرافي الذي يتيح لها إمكانية الإحتفاظ بملفات التقسيم من جهة، وبإمكانية الضغط على الدولتين العراقية والإيرانية عبر دعمها المباشر للقوات الكردية الإنفصالية على الأرض بداعي التحالف معها، وبما يؤثر ويضغط على الحكومة العراقية لقبول التقارب السعودي، لإستمالة العراق نحو الصف “العربي” حاليًا والناتو “العربي” لاحقًا لاستهداف إيران، ولمنع تواصل خط المقاومة من طهران إلى دمشق عبر العراق، ولاعتراض طريق خط النفط من طهران إلى العراق وسوريا والبحر الأبيض المتوسط.
لا شك أن هذا العدوان يسلك تصاعديًا وفق خط العدوان المباشر- الخطير على السيادة السورية.. لكن، نحذر من الإنجرار وراء الأفعال المعادية دون متابعة مقاومة وردود الأفعال للدولة السورية وحلفائها، فقد مرت خلال السنوات السبع الماضية بلحظات أكثر واشد خطورة، وتمكنت الدولة السورية بفضل حكمة وشجاعة الرئيس بشار الأسد من إدارة المعركة بكفاءة عالية حظيت بإعجاب وتقدير زعماء العالم أصدقاء وأعداء على حدٍ سواء، مكنتها من إلحاق الهزيمة بالمشروع الأمريكي الأساسي، وحافظت على بقائها وتوازنها، وانطلقت بحسمها لتنال مبتغاها في تحرير غالبية ما استحوذ عليه الإرهابيون سابقًا، واستطاعت كسر شوكة جيش الإرهاب الدولي، وتكاد تطوي صفحة تنظيم “داعش” الإرهابي في سورية وإلى الأبد، وها هي تستعيد مدينة دير الزور والميادين، وتنطلق نحو تحرير البوكمال، كما استطاعت إخراج السعودية وقطر ومن لف لفهم من الحرب بصورة شبه كاملة، وكبدتهم عشرات الهزائم، كذلك ألحقت بالعدو الإسرائيلي وأذرعه الصدع والصداع، فرضت قواعد ومعادلات جديدة للإشتباك والردع، ما جعل قادة العدو الإسرائيلي لا يكفون عن الصراخ، وحوّلت مضاجعهم إلى مسارح لكوابيس قادمة، ففي ميزان الحروب وبحسب الإستراتيجيين والخبراء العسكريين، لا يختلف إثنان على نصر سوريا، و بإعتراف وزير الحرب الصهيوني وغيره.
ولا زالت سوريا تمتلك من الأسرار والقدرات العسكرية ما يمنحها قدرة الإحتفاظ بالمبادرة في حسم الكثير من معارك الجبهات، فوطنٌ يقوده الرئيس بشار الأسد، وبعزيمة وهمة وشجاعة الجيش العربي السوري، وكافة القوات الرديفة، وبالتحالف الممهور بالدم والوفاء مع المقاومة اللبنانية، وقائدها التاريخي سماحة السيد حسن نصرالله، وبالتحالف المقاوم الذي تخطى حدود سايكس- بيكو ليستقدم مئات ألوف المقاومين للدفاع عن سوريا، وبالتحالف الإستثنائي الذي تخطى كافة العلاقات الإستراتيجية التقليدية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالمشاركة الفعلية للحليف الروسي والزعيم الإستثنائي الذي تربع على عرش قيادة العالم، وبالعلاقات التاريخية المميزة مع الدولة الصينية العظيمة، ومع دول وسكان العالم الحر وصولًا إلى أمريكا اللاتينية، بالتأكيد سينتصر.. فقد أثبت محور المقاومة حضورًا قويًا واثقًا متماسكًا، ومنظومة واحدة لن تعرف التراجع، ولا ترى عن الإنتصار بديلًا.
لا يخشَ أحدكم على سوريا التي لم تبح بعد بكل أسرارها، ولا زال خزانها الشعبي مليئًا بمن يلبون النداء، فلن يخذل السوريون – كونًا – راهن على صلابة مركزه، وعلى طُهر صخوره الدمشقية، التي اصطفاها الله تعالى لتكون عمود النور الذي يربط السماء بالأرض.
2017-10-27