من الحروب إلى الخراب: صدام والأحزاب الدينية، وجها الكارثة في العراق!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في تاريخ الشعوب لحظات مفصلية تغيّر مسارها لعقود وربما لقرون، ولعلّ العراق قد عاش في العقود الخمسة الأخيرة سلسلة من تلك اللحظات، ولكنها – للأسف – كانت أشبه بمحطات نحو الهاوية.
صدام حسين: حرب الداخل والخارج
حين تولى صدام حسين الحكم رسميًا في عام 1979، كان العراق يمتلك احتياطيًا من الكفاءات العلمية، واقتصادًا ناميًا بدخل نفطي تجاوز آنذاك 26 مليار دولار سنويًا. لكن الرجل اختار طريق الحروب، لا التنمية. فاندفع في مغامرة عسكرية ضد إيران عام 1980، زُجّ فيها أكثر من مليون عراقي بين جندي ومقاتل احتياط، قُتل منهم مئات الآلاف، وضاعت مئات المليارات من ثروات البلاد على صراع استنزافي بلا نتائج حاسمة.
ثم جاءت كارثة غزو الكويت عام 1990، والتي مثلت ذروة العزلة والانهيار. فُرض الحصار الشامل، وانهارت العملة العراقية، وانتشر الجوع والمرض، وتفككت مؤسسات الدولة في الخفاء، رغم استعراضات القوة الشكلية. كنتُ آنذاك ممن تابعوا من المنافي كيف انكمش التعليم والبحث العلمي إلى هامشٍ مظلم، وكيف تحوّلت الجامعات إلى أجهزة دعاية لا إنتاج علمي.
الاحتلال الأمريكي و”وهم التحرير”
دخلت القوات الأمريكية بغداد في أبريل 2003، وسقط نظام صدام. وكان كثيرون – ومنهم مَن عاش في المنافي مثلي – يأملون بولادة عراق جديد، مدني، تعددي، حر. لكن النتيجة كانت مغايرة. فقد ساهمت سلطات الاحتلال في تسليم الدولة إلى أحزاب دينية ذات امتدادات إقليمية، أغلبها لم تكن تملك مشروعًا وطنيًا بل كانت تحمل أجندات طائفية أو قومية ضيقة.
تم حلّ الجيش، وفُككت مؤسسات الدولة، وأُطلقت يد المحاصصة، فتم توزيع الوزارات بين الأحزاب والمكونات كأنها غنائم. بدأ الفساد يتغلغل في كل مكان، وتحوّلت الوظائف إلى وسائل شراء الولاء، لا ميدانًا لخدمة الشعب. وبلغت مديونية العراق أكثر من 120 مليار دولار، رغم موازنات انفجارية سنوية، تجاوزت أحيانًا 100 مليار دولار.
شواهد الخراب: أرقام ومواقف
• التعليم: خرجت معظم الجامعات العراقية من التصنيفات العالمية بعد 2003، وتحول التعليم العالي إلى بيئة طاردة للبحث العلمي، بسبب المحسوبية وتسييس التعيينات.
• الفساد: وفق مؤشر الشفافية الدولية، يحتل العراق منذ سنوات مراتب متقدمة في الفساد، وكان في المرتبة 157 من أصل 180 دولة عام 2023.
• الأمن: ظهرت جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، وبلغ عدد الميليشيات المعلنة وغير المعلنة أكثر من 60 فصيلًا، بعضها يتلقى دعمًا مباشرًا من دول الجوار.
• الهجرة: تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 5 ملايين عراقي هاجروا أو نزحوا داخليًا منذ 2003، هربًا من العنف أو الفقر أو فقدان الأمل.
كنت هناك… وشهدت
كواحد من الذين عايشوا العراق قبل الحروب، وذقنا مرارة الاغتراب والمنفى، وراقبنا عن كثب تحوّلات الوطن، أقولها بحسرة: لقد كان الحلم العراقي ضحية بين مطرقة الطغيان وسندان الطائفية. الأول أجهض روح العراق، والثاني مزّق جسده.
إن إعادة بناء العراق لا تبدأ من مشروع إعمار، بل من مصالحة مع الذات، من مشروع وطني لا يقوم على الطائفة ولا العشيرة، بل على الهوية العراقية الجامعة. وهذا لن يتحقق في ظل سطوة السلاح، ولا عبر منابر الخطاب الديني المتعصب، بل عبر نهوض وطني حقيقي، تقوده العقول النزيهة، لا الوجوه المستهلكة.
2025-06-06
