كلمات..
ليس إلى من لم يعد يهمهم الأمر..
شذوذ جديد في ديبلوماسيتنا.
.. من التطبيع فصاعدا ليس أمامنا سوى الخسائر .. هذه أولاها .. والقادم أفظع !
بقلم د. أحمد ويحمان.
أصبحنا أضحوكة العالم ..
توقفنا في كلمات الأسبوع الماضي عند الشذوذ في ديبلوماسيتنا وعددنا، على سبيل المثال لا الحصر، جملة من مظاهر هذا الشذوذ عن القاعدة في الديبلوماسية المغربية وأشرنا، مرة أخرى، إلى ما استشرفناه في مقالات ودراسات سابقة حول ما ستنتهي إليه هذه الدبلوماسية من مآزق وما ستتسبب فيه من مشاكل وأزمات لا قبل لبلدنا بها في الحاضر وفيما يستقبل من الأيام .. هذا فضلا عن الإضرار بمصالح الوطن وبسمعته وكذا عن الإحراجات التي تضعنا فيها حتى أصبحنا أضحوكة العالم ومسخرة في كل المحافل .
ومما يؤكد صحة كل ما ذهبنا إليه وكل ما عرضناه عن شذوذ ديبلوماسيتنا ما جاء في حديث رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، مساء أمس الخميس خلال لقاء له مع صحفيي هسبريس في برنامج “الطريق إلى انتخابات 2021 “، حيث أكد بأن ما قاله عمر هلال، السفير المغربي الدائم لدى الأمم المتحدة، حول تقرير المصير في منطقة القبايل الجزائرية، “ليس موقفا سياسيا للدولة المغربية” .
إنه شذوذ آخر عن القاعدة في الديبلوماسية بكل أنحاء العالم .. فالقاعدة هنا تقول بأن كل مندوب دائم لبلد ما في المنتظم الأممي هو الناطق باسم بلده والمعبر عن مواقفه والمدافع عن مصالحه .. هذه هي القاعدة . وتشاء “النظرية” الهلالية، في ” المدرسة ” البوريطية إلا أن تجعل من المغرب الشاذ عن القاعدة العامة .
فعين المسخرة هي أن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني _ المفترض، دستوريا، أنه رئيس وزير الخارجية المفترض، دستوريا ووفق القانون الإداري، أنه رئيس عمر هلال مندوب المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة _ يتبرأ مما قاله مندوب المغرب في المنتظم الأممي ويقول بالحرف بأنه “ليس موقفا سياسيا للدولة المغربية” .
ما قاله عمر هلال، مندوب المغرب في الأمم المتحدة، “ليس موقفا سياسيا للدولة المغربية” ؟! وإذن فهو موقف سياسي لدولة أخرى غير المغرب . فما هي هذه الدولة التي يتحدث عمر هلال باسمها ؟ وإذا كان عمر هلال لا يعبر عن المواقف السياسية للدولة المغربية فعن أية مواقف سياسية لأية دولة يعبر، سعادته،عن مواقفها ؟ وعن مصالح أي دولة يعبر سيادته ؟
هذا هو وجه آخر للشذوذ في ديبلوماسيتنا . ووجه المسخرة هو أنه يأتي، هذه المرة، ليس من معارض او على لسان محلل من المحللين، وإنما من رئيس الحكومة نفسه !
هذا فيما يخص وجه المسخرة التي تضحك علينا العالمين، أما تداعيات هكذا “ديبلوماسية “، فإن يد المغاربة على قلوبهم لاسيما فيما يتعلق بقضيتهم الوطنية المتعلقة بصحرائهم التي تقامر بها هذه الديبلوماسية التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها رعناء وغبية وعلى الطريق السيار لإضاعة كل تضحيات الشعب المغربي وتراكمات مكتسباته في تحرير وتنمية أقاليمه الجنوبية .
فإذا كانت الأطروحة الإنفصالية في الصحراء قد عرفت الفشل الذريع، على مدى كل هذه العقود، في المحافل العربية والإسلامية على الخصوص، الرسمية والشعبية منها على السواء، فإن ربطها بالعدو الصهيوني، عدو الأمة الإسلامية و الأمة العربية وعدو كل الشعوب والأحرار في العالم، كان أكبر إجرام في حق هذه القضية التي أولى الأولويات بالنسبة للمغاربة .
وتعد البهرجة التي يتابعها المغاربة بالأقاليم الصحراوية فيما يسمى احتفالات ومهرجانات ترفع فيها الإعلام الصهيونية، وبإشراف من السلطات الإقليمية هناك، من أخطر ما تواجهه قضيتنا الوطنية من أخطار يتحملها الجانب الرسمي والذي سيتولد عنها انقسام شعبي قد ينفرط بسببها الإجماع الوطني الذي شكل دوما الصخرة الأمتن التي تتكسر عليها كل المؤامرات .
إن التطبيع مع العدو الصهيوني، فضلا عن المنطلق المبدئي، سيجعلنا نخسر مواقعنا في المحافل العربية والدولية للدفاع عن وحدتنا الترابية وسيجعلنا نخسر كل أصدقائنا، وهذه أكبر هدية يتم تقديمها لمشروع الانفصال وراعييه يتحمل مسؤوليتها التاريخية الثقيلة المطبعون .
اتذكر في هذا السياق “معركة” في تونس العاصمة، قبل سنوات، ونحن نؤسس المرصد المغاربي لمناهضة التطبيع .. دامت المعركة يومين من النقاش بشأن أن يصبح المرصد خماسيا ممثلا للأقطار المغاربية الخمس كما كان يطرح ويدافع كاتب هذه السطور كممثل للمغرب في ذاك الجمع العام التأسيسي، أم سداسيا بتمثيل ممثل ما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية” كما طرح وكان يدافع عن ذلك باستماتة الجنرال السيد عزيز مجاهد ممثل الجمهورية الجزائرية .
استمر النقاش طويلا بيننا كممثلين للأقطار و أطول ثناييا مع ممثلي الأقطار أطول لعلنا نجد صيغة مرضية لا ترضي المغرب ولا تغضب الجزائر .. فما كان ممكنا إقناع السيد عزيز مجاهد بأية صيغة من الصيغ .. لكن المغرب تمكن من حسم الأمر بحشر الجميع في زاوية الضمير .
كان المغرب، كلما احتد النقاش ووصل مستوى يمكن أن تنفلت فيه الأمور نحو الخطأ، يصرخ : أيها الإخوة أجيبوني عن السؤال :
كلنا هنا نقول بأننا نناضل من أجل الوحدة والتعاون والتكامل البيني في أقطارنا.. وأنها عروبيين نناضل من أجل تحرير فلسطين وتخليص أقصانا ومسرى رسولنا من أيدي الصهاينة .. فهل يمكن أن نكون وحدويون وندعم الانفصال في آن واحد ؟!
كانت هذه هي اللازمة التي ماكان ممكنا لأحد في تونس أن يتجاوزها حينها .. فما كان من الجنرال السيد عزيز مجاهد الذي تحاورنا معه كل ذلك الوقت، بكل احترام ودون أي تشنج او مشاحنة، إلا أن أخذ معطفه واستأذن وغادر الجمع العام أمام اقتناع التونسيين والليبيين والموريتانيين بالطرح المغربي . ثم جاء اقتراح المغرب القائد الجزائري؛ المجاهد عمي لخضر بورݣعة رحمة الله عليه رئيساً شرفيا للمررصد المغاربي تتويجا لهذا الطرح الوحدوي الوطني التاريخي الذي ينبذ الانفصال والتفتيت والأجندة الصهيونية والاستعمارية في منطقتنا .
أوردنا هذا المثل لنطرح على المسؤولين سؤالا حول أي جواب سنقدم، من التطبيع فصاعدا، لمخاطبينا على الصعيد المغاربي ولشركائنا على المستوى العربي، في المؤتمر القومي العربي او في المؤتمر القومي الإسلامي او في مؤتمر الأحزاب العربية أو في الإطارات الدولية الأخرى ؟ .
في سياق ذات الخسائر نستحضر تصريح الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي الذي دخل في عدوات كثيرة بسبب موقفه المساند للوحدة الترابية المغربية والذي لم يتردد في وإدانتنا مباشرة بعد التوقيع على التطبيع مع العدو الصهيوني .
وفي نفس السياق أيضا يمكن استحضار طرد الفلاحين المغاربة من استغلالاتهم الفلاحية ( على الأراضي الجزائرية التي لم يزعجهم فيها أحد على مدى عقود ) بالعرجة فݣيݣ على إثر تصريح الإرهابي مائير بنشباط بأنه سيستصدر من حكومته بالكيان طابعا بريديا عبارة عن خريطة المغرب، لا تضم الصحراء الغربية وحسب وإنما الصحراء الشرقية أيضاً؛ وهو ما يفسره عن طريق ذبابه الإلكتروني، بأن القصد هو تيندوف وبشار ومغنية … الخ .
وفي نفس سياق الخسائر الأولية التعبير عن وضع حد لاتفاقية أنبوب غاز المغرب العربي الذي يضخ الغاز الجزائري عبر التراب المغربي إلى أوروبا؛ هذا الأنبوب، الذي، فضلا عن رمزيته الكبيرة في المسار الصحيح الذي يقضي بالتشبيك البيني بما يخدم مصالح البلدين، يضمن للمغرب إيرادات بمآت ملايين الدولارات ستصبح في خبر كان ابتداء من أكتوبر القادم باعتماد بديل الخط البحري الجزائر- ألمريا الإسبانية . وأخطر من كل هذا التحركات غير العادية للجيش الجزائري وبعض الاستنفارات في المناطق الحدودية ..
كما يمكن إدراج ما جرى في طنجة، ليس في ذاته رغم خطورته، وإنما اعتبارا لما يمكن أن يرمز إليه، على مستوى الأمن والاستقرار، في المستقبل، كردود أفعال على ما يعتبره المغاربة استفزازات صهيونية .. وبرعاية من السلطات !!!
كل هذا من جهة .. لكن الأخطر من كل ما سبق، هو هذا الخطاب الجديد بين الناس حول القضية التي اعتبروها دائما قضيتهم الأولى؛ الصحراء المغربية .. هل هذا مجرد ردود افعال انفعالية للناس .. ردود افعال انفعالية على غباء بعض الأوساط التي تروج – حد القرف – لأهمية التطبيع ولدور الصهاينة في تحرير الصحراء فتخلق هذه الردود .. أم أن هناك من وراء ترويج خطاب هذه الردود الجذرية إزاء هذا الخطاب المتصهين بين الناس حد التعبير عن الكفر ب ” أية صحراء” إذا كان أي فضل فيها للصهاينة .. من يكون وراء هذا الخطاب ؟ وماالقصد منه ؟
وخلاصة القول هي أننا في أحط مستويات ديبلوماسيتنا التي جعلتنا هزؤا بين الناس، نعترف برئيس كيان انفصالي ( لا يعترف به حتى الآن غير شخصين؛ نائب رئيس الكنيست الصهيوني السابق الإرهابي داني دانون و مندوب المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال )؛ هذا الرئيس المدعو فرحات مهني الذي لا يعترف بجمهورية الريف حتى الآن أحد غيره !!!
وإننا بتوقيعنا على التطبيع مع العدو الصهيوني، وإصرارنا في الذهاب بعلاقتنا معه ” إلى أبعد الحدود” بتعبير بوريطة يدخل البلاد في أتون مصيبة مركبة، داخليا وخارجيا، يمكن أن يكون لها اول ولا يظهر لها آخر .
آخر الكلام
.. ويبقى لنا، ونحن نقر أنه ليس لنا من الأمر شيء، إيماننا بالأمل على أن لله الأمر من قبل و من بعد .. حسبنا إياه و نعم الوكيل ..
2021-08-28