من أوراق كتابي (المنسيون) .6!
أبو علاء منصور.
المستحيل!!
قالت الأسيرة المحررة منى قعدان: تربيتُ في عائلة من أربع بنات وثلاثة صبية، توفي الوالد وأكبرنا محمود بعمر أحد عشر عاماً، أما أصغرنا فكان جنيناً في بطن أمي. قبل وفاته كان والدي يشتغل عاملاً ولم يترك لنا ما نعتاش منه غير الأرض. بتشجيع الوالدة بدأنا نعمل في الأرض، فانغرست فينا مبكراً بذرة مقاومة صعوبات الحياة. كنا نصلي الفجر وننطلق إلى الحقل، نزرع ونحصد، ونعود للبيت ثم نذهب إلى المدرسة. حين اندلعت الانتفاضة الأولى كنتُ في السادسة عشر من عمري فانخرطتُ في نشاطاتها الشعبية، وأصيب شقيقي محمود\20 عاماً واعتقل. كانت هذه شرارة أشعلت فيّ نار المقاومة. تكرر اعتقال شقيقيّ محمود وطارق مراراً ومع كل اعتقال كنتُ أزداد نضجاً. في العام 1998 اعتقلتني أجهزة أمن السلطة الفلسطينية على خلفية اعتقالها ناشط الجهاد الإسلامي إياد الحردان في روضة الأطفال التي أديرها. ثارت ضجة في القرية فأفرج عني في اليوم التالي، بعد أقل من شهرين اعتقلتني قوات الاحتلال على ذات القضية. حققوا معي لمدة سبعة وثلاثين يوماً وأفرج عني. في هذه الفترة كان إخوتي الثلاثة معتقلين، محمود وطارق ومعاوية. يوم الرابع من شهر أيار عام 2000 فجّر الأمن الإسرائيلي كابينة التلفون المعلقة على باب المقاطعة في جنين فاستشهد إياد الحردان، لقد اعتاد وهو معتقل لدى السلطة أن يتصل منها بوالدته ليطمئنها على وضعه. في تلك الآونة كانت السلطة تحتجز المطلوبين ليلاً وتسمح لهم بالذهاب إلى أعمالهم وجامعاتهم في النهار. هذا ما أطلق عليه الإسرائيليون سياسة الباب الدوار، ونعتوا السلطة بعدم الجدية في ملاحقة المطلوبين واعتقالهم.
عن علاقتها بإبراهيم اغبارية قالت منى: اشتهر إبراهيم ومجموعته بالعملية الجريئة التي اقتحموا فيها معسكر جلعاد شمال فلسطين فقتلوا بالبلطات ثلاثة جنود وأصابوا عشرة. أثناء عملي في ملف المحامين كممثلة للجهاد الإسلامي كنتُ أتصل مع إبراهيم ممثل سجن شطة. كنتُ معروفة باسم أم النور. ذات يوم سألني إبراهيم: هل تعرفين فتاة اسمها منى قعدان؟ قلت: لماذا؟ قال: سمعت عنها وأريد الارتباط بها. أضافت منى: بدل أن أصارحه بأنني المعنية قلت: سأجلب لك خبراً عنها. حرّك كلام إبراهيم مشاعري بقوة. إنه والله لشيء عظيم أن يفكر بطل مثله بالارتباط بي. أبلغتُ والدتي فقالت: (ربما تندمين مستقبلاً، قد لا يخرج من السجن). لكن ما العمل وقد تغلغل حبه عميقاً في قلبي؟ لم يعد إبراهيم مجرد بطل، أصبح حبيبي. وزادني تعلقاً به أنه من أهالي 48 الذين تحوم لهم في مخيلة جهل البعض صور حول تعاملهم مع الإسرائيليين. اختلطت مشاعر حبي للقضية بحبي لإبراهم فأضحى الحب والقضية بل كل حياتي. تقدم ابن خالي لخطبتي فرفضت. شجّعني طارق على الارتباط بإبراهيم أما شقيقي محمود فقال:(إن ندمتِ تتحملين المسؤولية). أنساني إبراهيم كل شيء وعوضني كل نقص، وكان لدي أمل بأنه سيفرج عنه ذات يوم فنعيش في كنف حبنا تحت سقف واحد. نسيتُ حياتي ومؤبداته الثلاثة. كل هذا وهو لا يعلم بما يصطرع في داخلي وفي أسرتنا.
ابتهج وجه منى كأنها تعيش تلك الحالة الآن حين قالت: عرّفتُ إبراهيم أنني منى فارتبك: لماذا أخفيتِ ذلك؟ قلت: كان هناك أموراً لا بد من فعلها. أبلغني إبراهيم أنه كان متزوجاً وأن زوجته تركته فور صدور الحكم عليه، وأنه لم يكن لديه أولاد. أثر ذلك سلباً في نفسي أكثر من كونه مؤبداً، فكل أنثى ترفض أن تشاركها أخرى في رجلها حتى لو في الأحلام. انتشرت قضيتي فراحت الألسن تلوكني: (كيف ترتبط بشخص محكوم مؤبد ومن 48؟). كأنني ارتكبتُ جريمة وأن أهالي 48 ليسوا بشراً وليسوا منا. زادني هذا تمسكاً بموقفي وإصراراً عليه. لم يحترم الناس مشاعري! وليس مطلوباً أن توضح موقفك لكل منتقد وتفصح له عن أحاسيسك.
أضافت بألم: واجهتني مشكلة أن الصليب الأحمر لا يتعاطى مع أسرى 48، ما يعني أن إبراهيم لا يستطيع استخراج وكالة لعقد قراننا لتمكيني من زيارته. بقيت حياتنا متأرجحة حتى العام 2002. كنت أعاني قلقاً شديداً، خوفي من المجتمع من جهة، وعدم وجود وثيقة تربطني بإبراهيم من جهة ثانية. تولد في داخلي صراع: ربما يرتبط بامرأة غيري؟ ربما يغير موقفه؟ لا أستطيع وصف مشاعري حين جاء أهله إلى بيتنا وقرأنا الفاتحة. نجحتُ في زيارته على هوية شقيقته! لطالما حلمتُ بأن أرى وجه إبراهيم. لكني انقهرتُ حين خاطبني قائلاً: يا أختي. لماذا لم يقل حبيبتي؟ أنا أعرف السبب لكننا بشر بأحاسيس ومشاعر. انتعشتُ حين جاء صوته عبر الهاتف في اليوم التالي: كان لقاؤنا لحظة يصعب وصف روعتها يا حبيبتي. أضافت منى: زرته مرتين بعد ذلك، لكن الأمور تعقدت بعد انتفاضة الأقصى فأصبحت الزيارات صعبة للغاية. ومع تعاظم الاعتقالات والاغتيالات بدا أن إبراهيم دخل في حالة صراع وتناقض ذاتي. يريدني أن أعمل لكنه لا يريدني أن أعتقل أو أستشهد أو أن أعمل مع رجال! بدا أنه لا يخشى عليّ فقط إنما يغار كذلك! أدخلني الأمر في حالة تناقض. كنت حرة قبل ارتباطي به، وفي ذات الوقت أحبه ولا أريد أن أغضبه. التزمتُ طلبه فقصرتُ نشاطي على العمل في الجمعية النسوية. عام 2004 اعتقلتُ وشقيقي طارق. أردتُ أن أثبت لإبراهيم أنني أستطيع الصمود. حكمتُ ثمانية عشر شهراً ونقلتُ إلى سجن الرملة. انقطعتُ عن إبراهيم وعن زيارة أهلي الممنوعين أمنياً من الزيارة. وحين استلمتُ أول رسالة منه بعد ثلاثة أشهر كأنما أفرج عني. بثت فيّ الرسالة طاقة جعلت حياتي مختلفة. لم أعد أحس بقسوة السجن! ولأن أهل إبراهيم من سكان أم الفحم\48 فقد سمح لوالده ووالدته بزيارتي. لقد أصبح لي عائلة أشم فيها رائحة حُبي. يا لروعة الشعور الذي يجتاحني ووالدته تصور لي تقاطيع وجهه وهو يتحدث عني! امرأة تدرك بعمق مشاعر الأنثى وتفاصيل متطلباتها العاطفية. كأنما ولدتُ من جديد! كنتُ أحلق عالياً فأتخيله يحتضنني بقبلة حارة! وما أن تنتهي الزيارة حتى أبدأ بعدّ الساعات لأسمع الجديد في الزيارة التالية. لم أعد أنظر لعلاقتنا باعتبارها تضحية مني! كنتُ أشعر أنني أحمي حبي. في أول اتصال تلفوني بعد الإفراج عني قال لي: لا أريد أن تعودي إلى السجن. لكنني اعتقلتُ مجدداً عام 2007. يوم الثاني من شهر تموز من ذلك العام كنت على وشك إنهاء حكمي الإداري وأخشى تمديده. نادت علي لينا الجربوني ممثلة المعتقل: (أبلغتني الإدارة أن لك محكمة غداً). عند الغروب نقلتني البوسطة إلى قسم الجنائيات الإسرائيليات في سجن الجلمة! لم يغمض لي جفن خشية أن يقتلنني! استيقظتُ صباحاً وجهزتُ نفسي! في البوسطة استغربتُ وقد بدأتُ أقرأ على الشارع لافتات بأسماء بلدات عربية في مناطق 48! أنزلوني أمام محكمة الناصرة. في قاعة المحكمة فوجئتُ بأهل إبراهيم فسألتهم: (لماذا أنتم هنا؟ ولماذا أنا هنا؟). كدتُ أطير فرحاً حين ردت والدته: (اليوم كتب كتابك على إبراهيم). لحظة يصعب وصفها حين وضعتُ يدي بيد إبراهيم وقال القاضي: هل توافقي على الزواج من إبراهيم؟ قلت: نعم. في تلك اللحظة الاستثنائية نسيتُ السجن وغياب الأهل وخوف الليلة الماضية. ما زلتُ أتلذذ بنظرة إبراهيم لعينيّ وهو يضع الخاتم في إصبعي ثم وهو يطعمني الكيك بيده المقيدة. الله كم حمل ذلك اليوم من فرح. بعد (الحفل) نقلوني وإبراهيم في ذات البوسطة منفصلين عن بعضنا. افترقنا في سجن الجلمة! أنزلوه من الأمام وأنا من الخلف! تطلعتُ لأن يُلقي عليّ آخر نظرة لكنه مضى دون أن يلتفت خلفه! ومع أنني أعرف السبب لكنني لم أتقبل الأمر. ماذا أقول للبنات! كيف أصف لهن فرحي؟ وصلتُ عند التاسعة مساء فناديتُ بأعلى صوتي: (لينا كتبتُ كتابي). قلت ذلك ولوحتُ بالدبلة فانفجرت الأسيرات بالزغاريد. أفرج عني بعد أسبوع! فرحة مزدوجة إفراج وكتب كتاب! قلتُ لإبراهيم حين اتصل بي: لماذا لم تلتفت خلفك حين افترقنا في البوسطة؟ رد: لم أستطع أن أنظر إليك والشرطية تقتادك وأنت مكلبشة! بهذا تجنبتُ ارتكاب جريمة. بعد ثمانية عشر عاماً من ارتباطنا أشعر أنني أزداد تعلقاً بإبراهيم. لو خرج من السجن وأراد اطفالاً فلدي استعداد لتقبل ارتباطه بامرأة أخرى. لن أطلب الإنفصال عنه ولن أكون سبباً في حرمانه من الأطفال.
أضافت منى: كنتُ مسؤولة عن الزهرات -الفتيات القاصرات- هؤلاء لهن غرفة خاصة إلاّ ياسمين الزرو التي تطلبت إصاباتها عناية خاصة، طلبنا من الإدارة أن تسمح لها بالسكن في غرفنا. حاولتُ أن أعوضهن بعض حرمانهن، كن ينادينني ماما. ستة عشر زهرة أيقظهن صباحاً وأجهز الحليب والإفطار وأحمِّم بعضهن. يرتبن أسرتهن ويرتدين ألبستهن استعداداً للدرس واستقبال المعلمة التي تأتي من الخارج. كان لخالدة جرار دور مهم في تدريسهن اللغة الإنجليزية، والمساهمة في حل مشكلات بعضهن مع ذويهن. كنتُ أدرسهن اللغة العربية والتربية الإسلامية وتدرسهن لينا الجربوني اللغة العبرية. بعد ذلك يخرجن للفورة ومن تحتاج لعيادة تصطحبها لينا، لم نكن نرسلهن وحدهن. وعند الظهيرة أجهز لهن الغداء. شهدت الأعوام 2012\2013 اعتقالات واسعة للقاصرات، ياسمين الزرو\17 عاماً مصابة في اليد والرجل والأمعاء، مرح البكري\16 عاماً مصابة بتسع رصاصات في يديها. لما باكير\15 عاماً مصابة في قدمها. نورهان عواد\14 عاماً مصابة، وكذلك استبرق نور. فتيات يافعات يحتجن لحنان ورعاية نفسية وأمنية.
عن مشاكل الزهرات قالت: في البداية تجد الأسيرة نفسها ضائعة وبحاجة للتفريغ، فتفضي بأسرارها وأسرار أسرتها لمن تلتقيها. نحن نوجههن بأن لا يتحدثن بشيء عدا ما قلنه في التحقيق. كنا نحتفل بأعياد ميلادهن، ونشاركهن الاحتفال بمناسبات ذويهن. في السنوت الأخيرة لجأت بعض الفتيات للسجن هرباً من مشاكل اجتماعية كإجبارهن على الزواج المبكر أو هرباً من قسوة الوالد. قبل العام 2011 لم نكن نواجه مثل هذه المشاكل. جاء إحداهن إفراجاً فطلبنا من المحامي تأجيله ريثما نعالج وضعها مع ذويها. رعاية الأسير والأسيرة ليست مطلوبة في السجن فقط بل بعد الإفراج كذلك.
عدنا للحديث عن إبراهيم فقالت: وأنا في السجن ربح إبراهيم قضية تسمح بزيارته لي. أبلغتُ بذلك قبل شهر من موعد الزيارة. وخلال الشهر كان كل يوم يمر عليّ كأنه دهر! أقيس الجلباب كل صباح! هل هذا مناسب؟ في الليلة التي سبقت يوم الزيارة جمعونا في سجن واحد! أسكنوه في الطابق العلوي وأنا في الطابق السفلي! لم يغفو لي جفن! كنتُ أشعر أنني أحس أنفاسه! أنني ألمس جسده! استيقظتُ مبكراً قبل أن يحين وقت الزيارة فلبست جلبابي وتهيأت! بقيتُ أطوي الغرفة ذهاباً وإياباً! لم أستطع الجلوس! كيف أقابله؟ هل سيكون اللقاء من خلف الزجاج وعبر الهاتف؟ هل سنكون وحدنا؟ هل أمسك يده؟ هل أقبله؟ هل سيُقبلني؟ سألتني الشرطية: كيف ستستقبلين زوجك؟ قلتُ: بعد أن ألتقيه أبلغك. مفاجأة رائعة وقد التقيته دون حاجز يفصل بيننا! عشتُ أجمل ساعة في حياتي، لكنها الأكثر سرعة بعد ستة عشر عام انتظار! مضت بسرعة ونسيتُ فيها كل ما دار بخاطري من كلام قبل اللقاء! بعد الإفراج عني سمح لي بزيارته لكنني أعدتُ من باب السجن وفي مرة ثانية أعادني حاجز عسكري على الطريق. محمد شقيق إبراهيم متزوج ولم ينجب أطفالاً. حاول الإنجاب بواسطة الزراعة لكن العملية فشلت. ربما أن معاناة الأسيرة خارج السجن أشد قساوة منها في السجن. من جهة تتقلص مساحة فرصها للزواج، ثم لا تُمنح وظيفة تليق بتضحياتها. وبالنسبة لي لم تمنحني أجهزة أمن السلطة الفلسطينية حسن سلوك لفتح جمعية، أضطررت أن أستخرج رخصة باسم صديقة.
سألتُ منى: ألا تشاركيني الرأي أن الزواج من خلف القضبان شيء من التطرف الرومانسي؟ يشبه البركان المتفجر في قلب أم الشهيد وهي تزغرد في جنازة فلذة كبدها! هذا غضب وليس فرح. ردت: نحن نعوم في بركة ألم وعلينا أن نعيش.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا
2020-05-25
تعليق واحد
الفلسطينيون يعيشون في محيطات ألم ومعانا وليس فقط بركة الم
معاناة كل فلسطيني معتقل له قصة صمود وثبات