ملحمة إكتوبر وإسترداد الارض ..والكرامة: هوامش علي دفتر الحرب !
بقلم: د. رفعت سيد أحمد
نحتفل هذه الأيام بالذكرى الـ 50 لحرب أكتوبر المجيدة ، ويأتى الاحتفال هذا العام بطعم ومذاق سياسى مختلف ، حيث يأتى بدون (إخوان ودواعش ) ، كأحد أبرز (سُراق الفرح) ، فرح الانتصار ، مسقطين آلاف الشهداء والضحايا والجرحى ، ويأتى فى أجواء روح جديدة أطلقتها علينا ثورة30 يونيو 2013 ؛ والتى تتقاسم مع حرب أكتوبر معانى وقيم مشتركة لعل أبرزها قيم (الكرامة) و(العزة) و(التحرر) و(العدل) ، تلك القيم التى تعمد رجال الاستبداد والاحتلال والاخونة إفقادها لمصر طيلة الخمسين عاماً الأخيرة ، لقد كانت (حرب أكتوبر 1973) وثورة 30 يونيو 2013) هما الروح التى عادت إلى جسد مصر حاملة معها هذه القيم ، التى نرجو لها الاستقرار والثبات .
بهذه المناسبة دعونا نتذكر ، ونذكر الأجيال الجديدة من شباب مصر بأبرز النتائج الإيجابية التى أفرزتها حرب أكتوبر المجيدة ، حتى نحافظ عليها وندخرها للحظة مواجهة محتملة مع اعداء الخارج والداخل
******
إن الدراسات الوثائق الدولية التي صدرت بعد الحرب أكدت أن أبرز نتائج حرب أكتوبر على المستوى الداخلى المصري تمثلت فى عمق التخطيط العلمى والعملى للحرب مع المحتل الصهيونى وأنه كان على مستوى ممتاز ودقيق ، فقد استطاعت القوات المصرية فى الأيام الأولى للمعركة أن تحقق هدفاً استراتيجياً لا يختلف عليه أحد وهو كسر النظرية الأمنية الإسرائيلية كما حقق الجيش المصرى إلى جانب الانتصار الاستراتيجى انتصاراً آخر على مستوى العمل العسكرى المباشر متمثلاً فى عملية العبور التى اكتسحت مانعاً مائياً ضخماً (خط بارليف) فى ساعات ثم دخلت لعدة أيام فى معارك بالمدرعات والطيران وأمنت لنفسها عدة رؤوس كبارى داخل سيناء وألحقت بالعدو خسائر وصلت إلى ربع طائراته وثلث دباباته تقريباً فى أسبوع واحد من القتال، وداخلياً أيضاً على مستوى الجندى المصرى فجرت الحرب والظروف التى نشبت فيها طاقة إنسانية لم يكن أحد يحسب لها حساب أو يخطر بباله أنها موجودة على هذه الدرجة من الاقتدار والبطولة ، عند الجندى والضابط المصرى ، وزادت الحرب من تماسك الجبهة الداخلية ورفضها للتدخل الأجنبى والمساهمة فى دفع عملية الاقتصاد خطوات للأمام وإحساس الناس بالوحدة والتضامن بعد طول صبر على الاحتلال ومجىء النصر .
******** *
أما على المستوى العربى – وعلى الجبهة الإقتصاديه تحديدا –فلقد إتخذت الدول العربيه المنتجه للبترول قرار بتخفيض إنتاجها من البترول ثم أعلنت تطبيق الحظر الكامل على صادراتها إلى الولايات المتحده ، وبذلك تأكد دور البترول كسلاح فعال لتحقيق الأهداف السياسيه العربيه فقد ارتبط أمام العالم بإعادة إسرائيل إلى حدود ماقبل 5 يونيو 1967م ، وقد أثر الحظر البترولي تأثيراً فعالاً على دول أوروبا الغربيه واليابان ، مما جعلها تضغط بقوه على الولايات المتحده للإستجابه إلى الحق العربي *هذا وقدأعاد نصر أكتوبر للشارع العربى والمصرى ثقته فى ذاته بعد أن كانت تجتاحه حالة من الإحباط الشديد إثر هزيمة 1967 والتى رافقها العديد من المظاهر الاجتماعية السلبية فى الوطن العربى ، ومن النتائج أيضاً أن المواقف العربية خلال الحرب أظهرت وعداً بعصر عربى جديد تتحد فيه كلمتهم ضد العدو الصهيونى وفى الحرب استخدمت كل أسلحة الحرب من اقتصادية (النفط –الذي أشرنا اليها ) إلى السياسية والثقافية :الأدب والموسيقى والشعر .. والدراما وإن كان نصيبها من هذة الحرب المجيدة ؛ضئيل ومتواضع وفي حاجة الي دفع في إتجاه المزيد من الافلام والاعمال الدرامية والوثائقية المؤثرة في الجماهير العربية في هذا الزمن الذي يتفاعل مع وسائل الاعلام الالكتروانية والدرامية بأكثر من تفاعله مع الكلمة المكتوبة ..وبطولات وتضحيات الجيشين السوري والمصري عديدة ونبيلة و تستحقان !
********** *
أما على المستوى الإسرائيلى فقد انكسرت نظرية الأمن الإسرائيلى على المستوى الاستراتيجى والتى تقوم على عدة مرتكزات أبرزها التفوق الكيفى أمام الكم العربى ، ولقد أحدث انكسار هذه النظرية صدمة عسكرية وسياسية لم يسبق لها مثيل فى التاريخ القصير لدولة إسرائيل وقد أدى ذلك بدورة إلى تفكك تركيبة القيادة السياسية والعسكرية فى إسرائيل ، وتمزق العلاقات فيما بينها وبدأت مرحلة تبادل الاتهامات وتصفية الحسابات .
وعلى مستوى الرأى العام الإسرائيلى أدى انكسار النظرية الإسرائيلية إلى سقوط أساطير إسرائيلية كثيرة على رأسها الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر والذى كان أمل إسرائيل وموضع اعتزازها الأول وأيضاً سقطت صورة المخابرات الإسرائيلية التى كانت غائبة عن مسرح الأحداث بالمعلومات والكشف والتحليل كما سقطت شخصيات إسرائيلية كانت مثل أصنام لدى الرأى العام الإسرائيلى ومنها جولدا مائير وموشى ديان .
**********
* وعلي المستوي الدولي أصيب حلف الأطلنطي بعد حرب أكتوبر بشرخٍ كبير نظراً لغضب الأعضاء من موقف الولايات المتحده المتسلط تجاهها وكانت صدمه كبيره لهذه الدول عندما طلبت منها الولايات المتحده أن تقدم إلى طائراتها تسهيلات الهبوط والتزود بالوقود في مطاراتها وقواعدها الجويه وتمكينها من إقامة الجسر الجوي الطويل لنقل الإمدادات والأسلحه والذخائر من القواعد الجويه الأمريكيه إلى إسرائيل ، وقد اعتذرت بعض هذه الدول من عدم إمكاناتها تقديم هذه التسهيلات ، ورفضت بعض الدول الأخرى رفضاً باتاً صريحاً حرصاً على عدم إثارة العرب ضدها ، وخشية رفض إمدادها بالبترول من جهه ولإيمان معظمها بعدالة قضية العرب من جهة أخرى ، ولم تتمكن الطائرات الأمريكيه إلا من إستخدام مطار واحد فقط في جزر الأزور في المحيط الأطلنطي التابعه للبرتغال ، وفي المقابل غضبت الإداره الأمريكيه من موقف حلفائها الأوربيين ، واعتبرت موقفهم المعارض من هبوط طائرات الجسر الجوي الأمريكي في مطاراتهم بمثابة جحود ونكران للجميل باعتبار أن مظلتها النوويه في أوروبا الغربيه وقتئذ هي التي تحمي هذه الدول من الخطر النووي السوفيتي ****************
*وعلى المستوى الأفريقي قامت اثنتان وعشرون دولة بقطع علاقاتها الدبلوماسيه مع إسرائيل ، فضلاً عن ثماني دول أخرى كان قد سبق لها قطع علاقاتها معها في أعقاب حرب يونيو 1967م ، وكانت هذه الخطوه بمثابة نجاح كبير للسياسه المصريه إزاء القاره الأفريقيه ، وكانت تمثل في الواقع إضافه جديده لتحقيق عزلة إسرائيل سياسياً ودعماً ولا شك فيه للسياسه العربية ولكن للاسف لم تستمر تلك المقاطعة في زماننا هذا لان العرب تخلوا عن تلك الورقة المهمة في صراعهم مع إسرائيل
************
*خلاصة القول في الذكري ال50 لحرب إكتوبر المجيدة ..أنها كانت حربا ليس فحسب لاسترداد الارض المحتلة ..بل حربا لاسترداد الكرامة التي أهدرتها هزيمة 1967 والتي كانت مؤامرة دولية وإقليمية أكثر من كونها وهنا أو تخاذلا أصاب الجيش ..لان ذات الجيش ..عندما سنحت له الفرصة وأطلقت طاقات أبنا ئه؛ قدم نموذجا فذا في الحرب وفي عبور أخطر وأصعب مانع مائي في التاريخ وقتها وهو( حائط بارليف )..إن حرب أكتوبر ستظل( أية )في دفتر المقاومة والنصر للعسكرية المصرية الشامخ والناصع ..(أية )للعزة والكرامة والقدرة علي الانجاز وتدى الصعاب !
2023-10-06