مفهوم المقدس…!
علي رهيف الربيعي.
المقدس هو كل ما لا يمكن تلويثه أو تدنيسه ، ومن هنا يأتي معنى المقدس والرجيم الملعون . والمقدس بالقياس الى غير المقدس ( الدنس ) . وترتبط فكرة التقديس عند الشعوب البدائية بالطوطم ، أي تقديس حيوان معين رمز للقبيلة أو الجماعة الأولى .
والمقدس هو ما يثير في النفوس الخوف والرهبة والاحترام والخشوع الذي يبعدنا عنه ويرغبنا فيه في نفس الوقت وهو ينتج عن مجموعة من المشاعر المختلطة والمرتبطة من ” الاندهاش ، الرغبة ، والانجذاب والفضول ، والتحفظ والقلق والفزع والخوف مما يجعلنا نحبه ولا نجرؤ على تناوله في نفس الوقت ” (١).
والمقدس كمبدأ لا يسمح بالحديث عنه ولا يحق مناقشته ويكون عقبة أمام التفكير الانساني الحر الخلاق حيث تكون المقدسات محرمات لا ينبغي الاقتراب منها ذلك مثل الثالوث التقليدي لدى المواطن العربي المتمثل في تقديس : الله ، الحاكم ، المرأة أي تحريم الحديث في الدين والسياسة والجنس ، وهي الموضوعات الحساسة التي لا ينبغي الاقتراب منها وتشغل في نفس الوقت تفكير كل الأدمغة في الخفاء ، وهذا الموقف يحدد خاصية أساسية للمقدس هي تلك الازدواجية التي تظهر في المنع والرغبة .
والقداسة شملت أيضا المكان . ففي جميع الأديان هناك أماكن مقدسة وهي التي يعبد فيها الإله مثل : القدس ومكة والمدينة في اليهودية والمسيحية والاسلام . وكانت الآبار التي تنبثق منها كمية كبيرة من المياه تعتبر مقدسة مثل البئر التي انبثقت تحت أقدام سيدنا موسى ، ومثل زمزم وثمة أنهار مقدسة في جميع أجزائها كالنيل عند قدماء المصريين . كما كانت تستخدم المياه المقدسة للتعميد في المسيحية ، وعند اليونان كانت الأنهار الكبرى تعتبر آلهة كما كانت تقدم القرابين والأضاحي للأنهار ( عروس النيل ) .
وقد أكد دور كايم على أهمية مفهوم المقدس في تفسير الظوار الدينية : فهو المفهوم الأساسي لهذه الظواهر ، وقد أوضح دور كايم التعارض بين المقدس والدنس وهو تعارض بين عالمين غير متجانسين بشكل جذري ، وداخل المقدس نفسه هناك ثنائية تجعل الكلمة تنطبق على الطاهر والملعون يقول : ” أما بالنسبة للطابع الازدواجي لفكرة التقديس نفسها التي تنطبق إما على شيئ مقدس أو تطلق على شيئ لعدم طهارته ، فالحياة الدينية تدور حول هذين المحورين المتظادين ، والفرق بينهما هو الفرق بين الطاهر وغير الطاهر ، المقدس والدنس ، الإله والشيطان ولكن في نفس الوقت الذي يتناقض فيه هذان المظهران يوجد بينهما علاقة وثيقة . فالفكرتان لهما نفس العلاقة مع الأشخاص الدنيويين الذين يجب ان يمتنعوا عن أية علاقة مع الأشياء النجسة وكذلك المقدسة ، فكلاهما ممنوع تداوله لأن لهما بالفعل طابع التقديس ، وبالرغم من تناقض هذين الشكلين من التقديس يوجد في كثير من الأحيان نوع من عدم التحديد بينهما ” . ( دور كايم ” الأشكال البدائية للحياة البشرية ” ) .
المصادر :
(١) الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الانماء العربي ط ، الأولى ١٩٨٦ ، المجلد الاول ( الاصطلاحات والمفاهيم ) ص 774 .
(٢) اسماعيل ، قباري محمد ، علم الاجتماع والفلسفة ، ج 3 , الاخلاق والدين ، دار الطلبة العرب ، بيروت
2020/01/08