مفهوم العدالة بين السماء والارض!
ابو زيزوم
من الاحاديث التي يحب الانسان سماعها احاديث العفو والمغفرة التي يسديها رب العالمين الى عباده يوم الحساب. وكلما وسّع المتحدث مدى العفو كلما انفرجت صدور مستمعيه اكثر. حتى ان بعض المتحدثين لا يختم كلامه الا وقد شملت المغفرة كل من شهد بالشهادتين فيدخلون الجنة جميعاً، عندها يعم الانبساط قلوب المستمعين جميعاً فلا ترى بينهم عابساً او مكفهراً.
لا نناقش موضوع العقاب والثواب لأنه من اختصاص الخالق يعمل ما يشاء، وانما نناقش الاثر النفسي لمثل هذه الاحاديث على البشر. فلو قيل ان السلطات قررت العفو عن جميع المطلوبين والافراج عن جميع السجناء ماذا سيكون رد فعل الجمهور! الأكيد ان بعض الناس سيغضبون ويحزنون لأن مجرمين أجرموا بحقهم لن ينالوا جزاء أفعالهم وسيصبحون احراراً. وبعض الناس لا يعبأون كثيراً بقرار العفو لأنهم (لا طالب ولا مطلوب). بينما يفرح المطلوبون وذووهم ويحتفلون. فلماذا لا يحصل مثل هذا التباين في المشاعر لدى جمهور المستمعين لخطيب الجمعة وهو يحدثهم عن لا محدودية العفو الإلهي عن المسلمين؟ أليس بين هذا الجمهور أشخاص ظُلموا ودعوا الله ان ينتقم من ظالميهم؟ لماذا يفرحون بغفران كل المظالم ودخول المجرمين معهم في الجنة؟.
الذين يحزنهم العفو عن المجرمين في الدنيا لماذا يفرحهم العفو عن ذات المجرمين في الآخرة؟. للإجابة على هذا السؤال الوجيه نأخذ عينة من البشر تفرح جميعها بالعفو عن السجناء، تلك هي السجناء أنفسهم. ففي السجن يتمنى الجميع صدور عفو شامل. لا يدخل احد منهم في التفاصيل والفرز ويود ان يخرج هو ويبقى زميله، الكل يحلم بمكرمة تفتح الابواب بصرف النظر عن أحجام وبشاعة الجرائم والمظالم. هذه الحالة الشعورية هي التي تتلبس جمهور المستمعين للخطيب الديني وهو يبشرهم برحمة الله يوم القيامة. انهم لا ينطلقون من حب للعدالة وانما ينطلقون من ذنوبهم ومن خشية الحساب. كلٌ منهم عاكف على التفكير بأخطائه مثل متآمر خائف من افتضاح المؤامرة والقبض عليه.
المطمئن على وضعه يرجو تحقق العدالة وان ينال كل شخص جزاءه. ولأن جميع الناس يعتبرون أنفسهم مذنبين بقدر او آخر تراهم يتوقون للعفو العام حتى لو شمل معهم عتاة المجرمين. على قول أبي نؤاس لحظة اختلائه بقلقه:
يا رب ان عظمتْ ذنوبي كثرةً
فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ
ان كان لا يرجوك الا محسنٌ
فبمن يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ
( ابو زيزوم _ 1369 )
2022-12-30