مفهوم الشرف لدى من لا شرف لهم!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في الأزمنة الملتبسة، تنقلب المعايير، وتختلط المفاهيم، حتى ليغدو الشرف – بوصفه قيمة عليا ومفهوماً نبيلاً – أداةً في أيدي من لا خلاق لهم، ورايةً يرفعها المتسلقون والسفاحون والمتاجِرون بدماء الأبرياء وأوجاع الناس.
في القاموس الإنساني السليم، الشرف يرتبط بالصدق، والأمانة، والوفاء، والدفاع عن الحق، والنزاهة في القول والفعل. هو ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوكٌ يُعاش، وضميرٌ لا يغفو، وكرامةٌ لا تُشترى ولا تُباع.
لكن ماذا يحدث حين يحتكر الحديث عن الشرف أناسٌ انحدروا في مدارج الانتهازية والنفاق؟ حين يتصدر المشهد من صادروا حقوق الآخرين، وسفكوا دماء الأبرياء، وكمموا أفواه الأحرار، ثم وقفوا على المنابر يتحدثون عن “الشرف الوطني”، و”الكرامة القومية”، و”العفة الأخلاقية”، وهم أبعد الناس عنها؟
أمثال هؤلاء يجعلون من الشرف غطاءً لجرائمهم، ومساحيقَ لتجميل قبائحهم، وكأنهم يسعون لا لتمجيد الشرف، بل لقتله. يتحدثون عن “الشرف العسكري” وهم يزجون بجنودهم في معارك عبثية من أجل السلطة لا من أجل الوطن. يتحدثون عن “شرف العائلة” وهم يغضون الطرف عن جرائم الشرف التي تنتهك إنسانية المرأة. يتحدثون عن “شرف الأمة” وهم يطعنونها كل يوم بالخيانة، والتبعية، وتزوير التاريخ.
لقد أصبح الشرف لدى من لا شرف لهم أداة قمع، وسيفًا من خشب، ورايةً بلا مضمون. فهم يرفعونه حين يشاؤون، ويدوسونه حين تتعارض مصالحهم معه. وهنا تكمن المفارقة المريرة: حين تتحول القيم إلى شعارات جوفاء، تصبح خطورتها أشد من انعدامها، لأنها توهم الناس بوجود ما هو مفقود، وتُضلل العقول باسم الفضيلة.
أما المجتمعات التي ترزح تحت نير هؤلاء، فهي مهددة لا بفقدان الشرف فحسب، بل بفقدان القدرة على تمييز الشرف الحقيقي من الزائف، والنبيل من الدعيّ. فتصبح الثقافة العامة مأزومة، والذائقة الأخلاقية مشوشة، والتاريخ عُرضة للتزييف على يد من يتوشحون الشرف زيفًا.
إن مهمة المثقف، والمفكر، وكل صاحب ضمير، أن يكشف هذا الزيف، وأن يُعيد الاعتبار إلى القيم المغتصبة. لا بصوت عالٍ فحسب، بل بالفعل والسلوك والموقف. فالشرف الحقيقي لا يحتاج إلى دعاية، لأنه يسطع من تلقاء ذاته، ويثبت وجوده في لحظات المحنة، لا في مواسم التظاهر.
وختامًا، نقول:
لا يخدعنكم من يتحدث عن الشرف بلسان الكذب والدم. فالشرف لا يقيم في أفواههم، بل في ضمائر الأحرار الذين لا يبيعونه مقابل سلطة، ولا يساومون عليه في سوق المصالح.
⸻
2025-07-31