معادلة الحرب…!
سعادة مصطفى أرشيد*
ما حدث صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 كان بمثابة خرق في جدار أو فتح طاقة على الجحيم ما لبثت أن توسّعت وتحوّلت إلى حرب، ولعل الثابت الأول أو النتيجة التي تحققت والتي لا يمكن تجاوزها وبغضّ النظر عن نتائج الحرب النهائيّة أو في مفرداتهم: اليوم الثاني لما بعد الحرب أن (إسرائيل) القوية والمنيعة قد ثبتت هشاشتها وعنكبوتيتها وأنها لم تعد (إسرائيل) التي عرفناها سابقاً وأرعبتنا.
قد تكون المقاومة قد فوجئت كما فوجئ العدو بنجاح العمليّة في ذلك اليوم والتي كانت لها أهدافها المحدودة، ولكن المفاجأة الأكبر كانت في مقدار قدرة المقاومة على الصمود والثبات لـ 600 يوم مضت ولا زالت متواصلة، وكان من الطبيعي أن تتطوّر الأهداف لدى المقاومة ولدى العدو على حد سواء.
كانت المقاومة ولا تزال تدرك تمام الإدراك أن هذه المعركة المهمة هي محطة في حرب طويلة، وأنها ليست معركة إنهاء المشروع الصهيونيّ وتحرير فلسطين، وأرادت منها توجيه ضربة أدهشت العالم وأدهشتنا بنجاحها أثبتت أن هذا الوحش الضاري من الممكن نزع بعض أنيابه. وكما سبق القول منذ عام 2000 أن «إسرائيل» أوهى من بيت العنكبوت وهو أمر ثبتت مصداقيته، وأن أوهامنا عن قوّتها ومنعتها غير صحيحة وإنْ كان ينكرها بعض من لا يريد رؤية الحقائق من أصحاب الأنفس المهزومة بغير قتال.
أرادت المقاومة من المعركة أيضاً أن تفك الحصار المضروب على غزة، وأن يتمّ الاعتراف بالمقاومة وبمشروعيتها كمقاومة وحكمها، وأن تجري تبادلاً للأسرى وتبيّض سجون الاحتلال من الآلاف الذين يعتقلهم بتهمة المقاومة، أرادت الدفاع عن القدس ومقدّساتها خاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة اللذين يتعرّضان لمخاطر التهويد والتدريس والهدم، وأراد الدفاع عن الضفة الغربيّة المهدّدة بغول الاستيطان الذي أصبحت أسنانه أكثر حدّة وشراهة في التهام مزيد من الأرض في ظلّ هذه الحكومة الأكثر تطرّفاً والرهينة لكل من وزير الأمن الداخلي بن غفير ووزير المالية سموتريتش المشرف على سياسات الاحتلال بالضفة الغربيّة الهادفة إلى تهجير سكانها.
استفاق (الإسرائيلي) من الضربة وأدرك خطورتها البالغة وكان هناك إجماع (إسرائيلي) على ضرورة مواصلة الحرب باعتبارها حرباً وجودية أو أنها حرب الاستقلال الثانية، وقرّر الهجوم البرّي على غزة، وحدّد مجموعة من الأهداف كانت تتمدّد وتتقلص حسب مجريات المعركة، فقال إنه يريد تحطيم رأس المقاومة وأن يوجه لها ضربة ردعيّة وبما لا يجعلها تشكل خطراً على مستوطنات غلاف غزة في المستقبل وأنه يسعى لصناعة جهات محلية في غزة تقوم بإدارة غزة بالتنسيق معه وتحرير الذين احتجزتهم المقاومة دون قيد أو شرط وبالقوة فقط.
ولكن هذه الأهداف (الإسرائيلية) تطورت باتجاه طرد الفلسطينيين من شمال غزة وإعادة استيطانه ثم تمددت مرة أخرى للقول إن هدف هذه الحرب هو إعادة تشكيل الشرق الأوسط أما مع عودة دونالد ترامب لسدة الرئاسة في الولايات المتحدة وإعلانه عن رؤيته الأولى التي اكتشف فيها أن (إسرائيل) دولة صغيرة ويجب أن تكون أكبر، ثم عن رؤيته لغزة وجمال سواحلها التي تصلح لأن تكون مشروعاً استثمارياً عقارياً سياحياً على غرار جنوب فرنسا، ولكن من دون أهل غزة الذين عليهم أن يغادروها إلى منافٍ ومهاجر جديدة. هذه الرؤى جاءت على قياس الحكومة (الإسرائيليّة) وناسبت برنامجها، وقد فهم أنها تمثل تصريحاً أميركياً مباشراً بتوسيع الحرب ووضع أهل غزة أمام خيارات: الموت جوعاً أو الموت قتلاً أو الموت عطشاً أو الرحيل، ونفذت هذه الرؤية الأسلحة الفتاكة ذات المنشأ الأميركي والأوروبي.
(الإسرائيليّ) اليوم يتخبّط وتعلو الأصوات من أهالي الأسرى تطالب باسترداد أبنائهم ولو بالمفاوضات بعد أن فشلت الحكومة وجيشها ومخابراتها بالعثور عليهم واستردادهم، ويرى المعارض (الإسرائيلي) أن نتنياهو يريد هذه الحرب لأغراضه الخاصة أما العقل الاستراتيجيّ فيرى أن هذا الهولوكوست الذي يشاهده العالم ليس مسؤوليّة (إسرائيل) واليهود وإنما يريد اقتصار المسؤوليّة عنه بشخص رئيس الحكومة ويعبر عن خشيته من الغرق في مستنقع غزة الذي استنزفهم طيلة 600 يوم من الحرب ويستنزفهم أكثر، فالخروج الآن من غزة سيكون مسألة صعبة.
أين أطراف الحرب اليوم وما هي أهدافهم؟
يريد (الإسرائيلي) كهدف أعلى طرد أهل غزة إلى مصر ومنها إلى أماكن أبعد إذا استطاع، ومجريات الأمور على الأرض تقول إن من بقي في غزة أكثر بكثير ممن غادرها وإن من صمد على أهوال الحرب حتى الآن قادر على الصمود إلى نهايتها و(الإسرائيليّ) الذي يدرك دون أن يعلن تهافت هذا الهدف سيضطر في مرحلة أخرى أن يقبل بحد أدنى وهو هزيمة المقاومة هزيمة منكرة تنعكس لا على الشعب الفلسطيني فقط وإنما على الأمة جمعاء وروح المقاومة والتصدي.
المقاومة تريد أن تصمد وأن تحافظ على بقائها وعلى روح الرفض التي ما زالت تتمسك به وهي تقول لا وتثبت أن مهما تناقصت قوتها ونفدت ذخائرها إلا أنها موجودة ولعل أكبر دليل على وجودها هو أن الأميركي يفاوضها، فلو كانت من الضعف كما يحاول (الإسرائيلي) الناطق بالعبريّة أو بالعربيّة أن يقول فلا كان المبعوث الأميركي ويتكوف ليقضي كل هذا الوقت في الدوحة للحوار معها.
معادلة الحرب اليوم أن (إسرائيل) إن لم تحقق الحدّ الأدنى من أهدافها بالقضاء على المقاومة وهزيمتها هزيمة منكرة فهي بهذه الحالة خاسرة، والعكس صحيح فالمقاومة يكفيها اليوم أن تحافظ على بقائها لتكون منتصرة، مَن صمد على مدى أيام الحرب الماضية لم يبقَ له إلا القليل، فما الشجاعة إلا صبر ساعة.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-06-04
