مظاهرات كردستان!
ابو زيزوم
خطأ تاريخي يقع فيه باستمرار مَن يعتبرون أنفسهم ممثلين للشعوب ، ذاك انهم يطالبونها بأكثر من طاقتها على البذل ، والنتيجة دائماً انهم يفقدون صفتهم التمثيلية ويوصمون بالطغيان رسمياً .
الشعوب ليست ملائكة وانما بشر يحتاجون الرغيف بقدر حاجتهم للكرامة والعزة . تتقدم المُثُل على الخبز عند التعرض لخطر خارجي فيهرع الناس الى سوح التضحية لا يطلبون ثمناً لدمائهم وجوعهم وعريهم . اما حين يزول الخطر فإنهم كبشر يريدون حقوقهم المشروعة في العيش الكريم .
لقد قاتل الاكراد طوال عقود دفاعاً عن مبدأ قومي . كانوا يقدمون الضحايا السخية على مذبح الحرية دون ان يطلبوا تعويضاً من أحد . فلما حازوا استقلالهم بعد عام 1991 ، واطمأنوا على هذا الاستقلال بعد عام 2003 ، وتدفقت عليهم انهار الذهب ، بات من حقهم ان يستفيدوا من تلك الانهار ويزرعوا على ضفافها خمائل الرفاه ، والا فإنهم سينتفضون مجدداً ضد غاصبي حقوقهم من أبناء جلدتهم المتسلطين .
المظاهرات التي تتجدد في كردستان منذ ست سنوات هي امتداد لنضالهم القومي خلال القرن الماضي وإن لأجل الرغيف هذه المرة وبوجه من يعتبرون انفسهم ممثلين تاريخيين للمكون .
المواطن الكردي يعرف حجم الاموال التي تتدفق على الاقليم من الداخل والخارج ، ويعرف مقدار الترف والاسراف الذي تتمتع به العائلات الحاكمة لمجرد انها حاكمة . وهو كشعب حي لا يرضى بالخنوع للحكام الفاسدين ، لذلك نراه ينتفض ويقابَل بالقمع . والقمع ليس حلاً للمشكلة .
منطق حكام الاقليم في مواجهة شعبهم الثائر اننا حررناكم من تسلط العرب عليكم والشيء الطبيعي ان تشكرونا وتقبلوا منا كل ما نفعل . هو ذاته منطق الساسة الشيعة بأننا حررناكم من الحكم السني وأصبح قادتكم منكم وبكم فما عليكم الا الطاعة والامتثال . وهو نفسه منطق صدام حسين ايام الحصار بأننا نواجه الامريكان ومن اجل ذلك عليكم تحمّل الجوع والفقر . والرد الطبيعي في كل هذه الحالات : عندما يتحمل ابناءك ايها الحاكم ما نتحمل من شظف العيش نقبل بهذه المعاناة وأكثر . ثم ان في هذا المنطق استخفافاً بدور الشعوب ومواقفها . فاستقلال كردستان لم ينتج عن عبقرية قادته وانما جاء بتضحيات هؤلاء البسطاء الذين يتظاهرون اليوم في السليمانية واربيل وايضاً كنتيجة لتطورات دولية لا يد للاكراد فيها ادت الى رفع شأنهم السياسي . والامر ذاته ينطبق على الحالات المماثلة ، فلا المعارضة الشيعية لها يد في اسقاط صدام حسين ولا الامريكان جاؤوا الى صدام حسين وانما ذهب هو اليهم ليقحم البلاد والعباد في أتون له اول وليس له آخر .
العائلات الكردية الحاكمة كانت في بدايتها قيادة ثورية لشعب ، لكن الادمان على السلطة ينزع العاطفة الثورية من اصحابها ويتحولون مع الوقت الى مجرد طغاة متسلطين وفاسدين . وشيئاً فشيئاً تتحول نفوسهم ويفقدون مبادئهم . المتخم لا يفهم احاسيس الجائعين . ربما كان في يوم من الايام جائعاً وضائعاً وصادقاً في مشاعره ، الا ان مزاولة السلطة لأجل غير مسمى تُفقد الحاكم تلك السجايا الانسانية ويصبح نسخة مكررة لـ ماري انطوانيت .
هذه المظاهرات في كردستان تأتي في الوقت الحرج ، فالاتحاد الوطني فقد شرعيته التاريخية بظهور احزاب تنافسه في عقر داره . اما الديمقراطي الكردستاني فإنه يشد شرعيته التاريخية بواسطة الأذرع الامنية ، وتلك تنذر بتدهور سريع عندما يبلغ الرفض الشعبي مداه .
( ابو زيزوم _ 1139 )
2021-11-28