مشكلة الهدر المالي العام في العراق بعد عام 2003: الأسباب والمعالجات!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
منذ التغيير السياسي في العراق عام 2003، واجهت البلاد جملة من التحديات البنيوية في إدارة المال العام، كان أبرزها ظاهرة الهدر المالي العام، التي تسببت في استنزاف موارد الدولة وتعطيل خطط التنمية. وعلى الرغم من الوفرة المالية التي شهدها العراق في بعض السنوات نتيجة ارتفاع أسعار النفط، فإن غياب الإدارة الرشيدة لهذه الموارد أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
أولًا: الأسباب الجذرية للهدر المالي العام
1. ضعف الحوكمة وانعدام الشفافية
بعد عام 2003، ورث العراق نظامًا إداريًا هشًا، تفاقم ضعفه نتيجة انهيار مؤسسات الدولة وغياب الرقابة الفعلية. فقد عجزت أجهزة الرقابة، كديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، عن فرض معايير الشفافية والمساءلة، وغالبًا ما خضعت لتجاذبات سياسية حدّت من استقلاليتها.
مثال: تقرير صادر عن لجنة النزاهة في البرلمان عام 2012 قدّر حجم الهدر في عقود الكهرباء فقط بأكثر من 27 مليار دولار، دون نتائج قضائية حاسمة.
2. الفساد المؤسسي وتسييس العقود
باتت العقود الحكومية تُمنح وفقًا للمحاصصة السياسية، ما جعل الوزارات مواقع للغنيمة الحزبية أكثر من كونها مؤسسات خدمية. وقد أدى ذلك إلى إبرام عقود بمبالغ طائلة دون جدوى تذكر.
مثال: عقد “أجهزة كشف المتفجرات” المعروف إعلاميًا بـ”ADE 651”، الذي كلّف العراق ملايين الدولارات، وتبين لاحقًا أن الأجهزة لا تعمل أصلًا، وقد أُدين المورد البريطاني لاحقًا بالاحتيال.
3. الاعتماد شبه الكلي على النفط
مثلت الإيرادات النفطية أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، ما خلق نمطًا من الإنفاق الريعي المرتبط بالمزاج السياسي لا بالأولويات التنموية. فكانت الموازنات تُبنى على التوزيع لا الإنتاج، وغابت عنها الحسابات المستقبلية لأي انخفاض محتمل في الأسعار.
مثال: في موازنة عام 2013، بلغ الإنفاق التشغيلي أكثر من 75% من إجمالي الإنفاق، بينما تراجعت المخصصات الاستثمارية الحيوية، رغم تحقيق فائض نفطي وقتها.
4. تفشي ظاهرة الوظائف الوهمية (الفضائيين)
وهي ظاهرة تتمثل بتسجيل موظفين يتقاضون رواتب دون مزاولة أي عمل، أو توزيع رواتب على أشخاص لصالح جهات حزبية.
مثال: كشف رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في 2014 وجود أكثر من 50 ألف جندي “فضائي” في وزارة الدفاع فقط.
5. غياب التخطيط والتنفيذ السليم للمشاريع
كانت معظم المشاريع الحكومية تُدار بلا دراسات جدوى حقيقية، وغالبًا ما تُترك غير مكتملة بسبب سوء الإدارة أو نقص التمويل الناتج عن الفساد.
مثال: مشروع مجاري الناصرية الذي بدأ عام 2006 بتمويل يناهز 280 مليون دولار، وما زال حتى عام 2024 يعاني من تأجيلات وتجاوزات مالية جسيمة.
ثانيًا: استراتيجيات المعالجة والإصلاح
1. إصلاح المنظومة الرقابية
يجب تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية، وتوفير أدوات تقنية حديثة للرقابة والمتابعة، إضافة إلى منحها صلاحيات قضائية.
مثال تطبيقي: اعتماد نظام “الموازنة المفتوحة” (Open Budget) الذي يتيح للجمهور تتبع الإنفاق الحكومي عبر منصات إلكترونية.
2. التحول إلى موازنة الأداء والبرامج
على العراق أن يتخلى عن موازنة البنود التقليدية لصالح موازنة تقوم على تقييم الأداء وتحقيق النتائج.
التوصية: تشكيل وحدة وطنية لتحديث الموازنة العامة بدعم من خبرات دولية وبرامج البنك الدولي.
3. مكافحة الفساد بوسائل قانونية وتقنية متقدمة
تشمل هذه الوسائل: تتبع حركة الأموال، تفعيل قانون “من أين لك هذا؟”، وتطبيق العقوبات الرادعة.
مقترح: إصدار تقارير فصلية ملزمة من هيئة النزاهة عن مصير الأموال المستردة والملاحقات القضائية.
4. إعادة النظر في هيكلية الوظيفة العامة
يتطلب ذلك تقليص الترهل الإداري، وإعادة توزيع الموظفين، وإحالة غير المنتجين إلى التقاعد أو إعادة التأهيل.
إجراء ممكن: إطلاق منصة إلكترونية موحدة لإدارة الموارد البشرية الحكومية.
5. تنشيط الاقتصاد الحقيقي وتقليل الاعتماد على النفط
وذلك عبر تطوير الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الحديثة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة.
6. الاستفادة من التجارب الدولية
يمكن للعراق الاسترشاد بتجارب دول مثل ماليزيا ورواندا وجورجيا، التي نجحت في تقليص الهدر وتحقيق الشفافية رغم الإمكانيات المحدودة.
الخاتمة
لقد تحوّل الهدر المالي العام في العراق من مجرد خلل إداري إلى سلوك ممنهج يهدد كيان الدولة نفسها. والمعالجة لا يمكن أن تكون تجميلية أو انتقائية، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومجتمعًا مدنيًا واعيًا، وإعلامًا حرًا، ومؤسسات دولة تحترم القانون. لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً من حاضرهم ومستقبلهم نتيجة غياب العدالة المالية، وحان الوقت لتصحيح المسار بعمق وجدية
2025-05-25
