مسلسل ” الاختيار”: تكريم لشهداء الحرب ضد الإرهاب!
بقلم د. بدر السماوي، باحث في التاريخ المعاصر، تونس.
مثل المسلسل الرمضاني المصري “الاختيار” حدثا ثقافيا وسياسيا بالغ الأهمية لمساهمته في فضح الإرهاب التكفيري الذي استشرى في الوطن العربي في السنوات الأخيرة. ويتناول المسلسل سيرة أحمد منسي قائد كتيبة 103 صاعقة في الجيش المصري الذي سقط شهيدا سنة 2017 ليروي بدمه تراب سيناء العربي في إطار حرب تطهيرها من التكفيريين. ويعرّف في المقابل بهشام عشماوي أحد الإرهابيين التكفيريين الذي استقال من الجيش المصري ليلتحق بالعصابات الإجرامية ويقتل زملاءه السابقين ويخون بلده.
لماذا سيناء؟
يبدأ المسلسل بعرض فترة حكم مرسي المدمرة حيث عمل الإخوان المسلمون على إشاعة الطائفية والفتنة والفوضى لتحقيق مخططاتهم مما أدى إلى فلتان أمني سمح بتمركز الإرهابيين المسلحين في سيناء لإنهاك الجيش لأنه “غير مضمون”. ويكمن التركيز على سيناء في أنها تعزل باقي مصر على فلسطين فقد سبق أن احتلها الصهاينة عام 1967 ثم حررها لكن الجيش المصري حررها بفضل حرب الاستنزاف التي خاضها بالتعاون مع أهالي سيناء وتوجها بنصر أكتوبر 1973. وفي فترة لاحقة عمل الأعداء عبر اتفاقيات كامب دافيد على جعل سيناء منطقة منزوعة السلاح. واستؤنفت المؤامرة سنة 2011 بعد صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة فكانت أوامر أوباما / كلينتون أن تصبح سيناء أو جزء منها وطنا بديلا للفلسطينيين. وسعيا إلى تنفيذ هذه الخطة دعا مرسي الجيش المصري في خطبة “ستاد القاهرة” للتوجه لسوريا لمحاربة الجيش العربي السوري ودعم الإرهابيين فكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير ليقدم المسلسل في لقطات تمثيلية وأخرى وثائقية استفتاء الشعب المصري في الشوارع في 30 جوان 2013 الذي طالب بإنقاذ البلاد وإنهاء حكم الإخوان الذين دعوا إثر ذلك إلى تحريك أجهزتهم السرية لاستنزاف الدولة وأجهزتها من جيش وأمن لإسقاطها.
وقد صوّر المسلسل بكل أمانة جرائم المجموعات التكفيرية في سيناء ضد دوريات الجيش والأمن ومن أبرزها مجزرة رمضان 2014 التي قتل فيها التكفيريون جنود الجيش أثناء تناول وجبة الإفطار ومجزرة مركز”الفرافرة” وغيرها من العمليات والتفجيرات والقنص التي كانت تقدم بإخراج رائع به كل تقنيات تصوير المعارك ومزجها بصور حقيقية لمواقع هجمات الإرهابيين وللشهداء. وبين المسلسل أيضا كيف كان التكفيريون يحرّفون الدين وينتقون بعض الكلمات ليكـفّـروا بها المجتمع وليستبيحوا دماء الأبرياء. وفي الأثناء يتم من حين لآخر التعريف بالضابط أحمد منسي الإنسان الذي يحب جنوده ويسهر على فهم مشاكلهم وتقديم العون لهم ويحثهم على فهم ما يجري في الخارج لفهم ما يدور في الداخل. كما قدّم للمشاهد الضابط أحمد المنسي الابن البار لوالديه والمكرم لهما والمحبّ لزوجته والحريص على تربية أبنائه على حب الوطن.
أسود في مواجهة التكفيريين
كانت المواجهات في سيناء على أشدها وكان تعيين الضابط أحمد منسي للعمل فيها لتحريرها من الإرهابيين. وبدأ عمل رجال الصاعقة والاستخبارات وكل أذرع الجيش المصري لملاحقة الإرهابيين وتصفيتهم وتطهير مناطق بأكملها وأصبح اسم أحمد منسي ورجال الصاعقة في الكتيبة 103 كابوسا يقض مضجع الإرهابيين وموتا زؤاما يلاحقهم في كل مكان مما اضطر الكثير منهم ومن بينهم هشام عشماوي للهرب إلى الغرب المصري للتمركز على الحدود مع ليبيا في حين انضم عدد منهم لجماعات إرهابية مسيطرة على جزء من بنغازي ودرنة والبيضة وسرت داخل ليبيا حيث تنتشر إمارات التكفيريين وحيث استأثر عشماوي بفرقة ضالة منهم أسماها “المرابطون” أوجد لها فرعا داخل التراب المصري على الحدود مع ليبيا لتنفيذ عمليات إجرامية حاقدة ضد الجيش المصري صورها المسلسل ببراعة كما حدثت حسب رواية الشهود الذين عايشوها.
كان أحمد المنسي ورجاله يقدمون نماذج في التلاحم مع أهالي سيناء الذين نفضوا الخوف من التكفيريين مثلما نفضوه عند محاربة الاحتلال الصهيوني وكان رجال منسي يعطفون حتى على أمهات وأطفال بعض الإرهابيين أصيلي المنطقة لأنهم ضحايا لعماء الفكر التكفيري. ولما ذاع صيت الكمين ورجاله قررت قيادات الإرهابيين ومسيّروهم مهاجمة “الكمين” والقضاء على كل من فيه وأسر قائده أحمد منسي أو قتله.
معركة كمين البرث
كانت الحلقة 28 من المسلسل حلقة استثنائية بكل المقاييس إذ جسّدت هذه المعركة البطولية بتقنيات عالية وبوفاء منقطع النظير مستمد من شهادات الجرحى لتنجلي المعركة على سقوط 26 شهيدا يتقدمهم أحمد المنسي مقابل ما لا يقل عن 40 قتيل من الإرهابيين الذين عجزوا عن اقتحام الموقع رغم تفجيرهم لسيارة مفخخة فيه وقذائف الهون والأربي جي والقناصات والانتحاريين.
وإذ أججت الحلقة 28 مشاعر المشاهدين وخاصة عائلات الشهداء الذين عاشوا بأسى ولكن بفخر لحظات استشهاد أبنائهم فإن الحلقة 29 أخذت بثأر الشهداء بتوثيق دقيق لعمليات الجيش المصري الذي دك أوكارهم وسحق قياداتهم ونجح بالتنسيق مع الجيش الوطني الليبي في اقتناص المجرم هشام عشماوي وتسليمه إلى مصر ليتم محاكمته وتنفيذ حكم القصاص بإعدامه شنقا.
المسلسل وهستيريا مشغلي الإرهاب
كان لهذا المسلسل وقع كبير في توضيح حقيقة المعركة التي تخوضها عدّة أقطار عربية ضد المؤامرة التي يظهر في واجهتها التكفيريون ومشغلوهم الأمريكان والصهاينة وتتخفى وراءهم بعض الأنظمة مثل تركيا وقطر مثلما يحدث في العراق وسوريا وليبيا وغيرها. كما كان الإقبال عليه والإشادة به من قبل الملايين بمثابة الاستفتاء الشعبي ضد الإرهاب والتكفير وتدمير الأوطان وتفكيك الجيوش من طرف مجرمين لا دين لهم ولا قلوب لهم إلا القتل والتنكيل والخراب وتنفيذ الأجندات الأجنبية. وفي المقابل أصابت الصهاينة الهستيريا من المسلسل الذي أقنع في ربط تحرير سيناء من سرطان الاحتلال الصهيوني بتخليصها من كورونا الإرهاب التكفيري ممّا يؤكد أن سلاح الثقافة والإعلام والسينما والتمثيل لا يقل قيمة على سلاح البندقية بل هو سند لها.
( هذا المقال أسفله نشرته لي جريدة ” الشعب ” الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل في عددها الصادر بتاريخ 11 جوان 2020)
عن مدونة الدكتورة ميادة إبراهيم
2020-06-14