مسألة للنقاش: هل يمكن احتواء تيار الإسلام السياسي في سورية دون تكرار دورة الدم؟
د. بسام أبو عبد الله
مقدّمة:
منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، ظلّ الدين والسياسة في علاقةٍ ملتبسة تتراوح بين التداخل والتنازع. فمع كل محاولة لبناء دولة وطنية مدنية، كانت التيارات الإسلامية السياسية تعود إلى الواجهة، مطالبة بدورٍ أكبر في الحكم، وأحياناً بالسعي إلى «التمكين» الكامل. وها نحن بعد عقود من الصراعات الدموية – في الستينيات والسبعينيات، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي فتحت أبواب الجحيم – نقف أمام سؤالٍ جوهري: هل نعيد إنتاج دائرة الدم، أم نبحث عن صيغةٍ سياسية جديدة تَحوِي الجميع دون إقصاء أو إلغاء؟
أولاً
حين نقرأ تاريخنا القريب نجد أن المشكلة لم تكن يوماً في الدين، بل في توظيفه لأغراضٍ سياسية. فالإخوان المسلمون في سورية كانوا في الخمسينيات أكثر اعتدالاً، إذ قبلوا في دستور عام 1950 أن يُذكر دين رئيس الدولة الإسلام، بدلاً من النص على أن «دين الدولة الإسلام». كان ذلك تنازلاً براغماتياً يعكس وعياً سياسياً نسبياً آنذاك. لكنّ الأمور سرعان ما تغيّرت حين تحوّلت الحركة إلى العمل السري، وبدأت بالمواجهات المسلحة ضدّ الدولة في السبعينيات.
ثانياً
لا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل الوجه الآخر للمأساة: فالإخوان المسلمون ارتكبوا جرائم مروّعة، حين قتلوا عشرات الضباط والطلاب في حادثة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، واغتالوا علماء، وأطباء، وأساتذة جامعيين، ومسؤولين مدنيين. هذا المسار الدموي استدعى رداً قاسياً من الدولة انتهى بكارثة إنسانية في حماة عام 1982. وهكذا دخلنا في حلقة عنف متبادلة لم يخرج منها أحد منتصراً، بل خسر الجميع الوطن، والإنسان، والذاكرة.
ثالثاً
المشكلة الأعمق في التيار الإسلامي السياسي أنه، في تجاربه التاريخية، أظهر ميلاً إقصائياً حين وصل إلى السلطة. فالكثير من منظّري الإسلام السياسي لا يؤمنون بالديمقراطية إلا تكتيكاً، لا خياراً. قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذات يوم: «الديمقراطية قطار، نركبه حتى نصل إلى المحطة، ثم ننزل منه». هذه العبارة تُلخّص فكر «التمكين» الذي يؤمن به الإسلاميون: استخدام أدوات الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ثم تعطيلها باسم «الشرع» أو «مصلحة الأمة».
وليس أدلّ على ذلك من أن دمشق، رغم كل حديثها عن الإصلاح السياسي، لم يجرؤ أي مسؤول فيها حتى اليوم على نطق كلمة «ديمقراطية»، وكأنها رجس من عمل الشيطان!
رابعاً
هذه المفارقة بين رفض الإسلاميين للديمقراطية من جهة، ومصادرة السلطة لها من جهةٍ أخرى، جعلت السوريين عالقين بين استبدادين: استبداد يلبس عباءة الدين، وآخر يختبئ وراء شعارات العلمانية والأمن. في الحالتين يُقصى الشعب، وتُخنق الحريات، وتُغتال السياسة. وهنا يكمن جوهر المأساة السورية: غياب دولة المواطنة التي لا تسأل المواطن عن مذهبه أو انتمائه، بل عن كفاءته وقدرته على الإسهام في بناء الوطن.
خامساً
الطريق نحو المستقبل يمرّ عبر تحويل الصراع من ميدان الدم إلى ميدان البرامج. لا بد من فصل الجيش والأمن والقضاء عن اللعبة السياسية تماماً، لأن هذه المؤسسات يجب أن تكون حَكَماً لا طرفاً. لا دولة حديثة دون قضاء مستقل، وجيش وطني محايد، وأمنٍ يُحمي الناس لا السلطة. كما يجب فتح المجال أمام جميع التيارات، بما فيها الإسلامية، للمشاركة في الحياة السياسية وفق برامج واضحة تخضع لقانون الأحزاب والدستور، لا لشروط السماء أو فتاوى الجماعات.
سادساً
التجارب المقارنة تعطينا دروساً غنية: ففي تركيا نجح حزب العدالة والتنمية في تحويل نفسه إلى قوة سياسية شرعية، لكنه مع مرور الوقت وقع في فخّ الاستبداد ذاته حين صارت الدولة تُختزل في الحزب. وفي مصر، حين فاز الإخوان بالسلطة، تعاملوا مع الديمقراطية كغنيمة، فخسروها سريعاً في مواجهة جيشٍ أعاد البلاد إلى حكم العسكر. أما في تونس، فقد استطاعت حركة النهضة أن تتعلّم من التجربة، فقبلت بمبدأ الشراكة والتداول، وإن على مضض، لتتفادى الانهيار الكامل. النتيجة أن النجاح لا يقوم على النوايا الدينية أو الشعارات، بل على بناء مؤسسات مستقلة، ودولة قانون، واقتصادٍ متماسك.
سابعاً
من الإنصاف القول إن الإسلاميين ليسوا كتلة واحدة، ففيهم المعتدل والمغالِ، كما أن كثيرين من خصومهم لا يملكون مشروعاً بديلاً سوى الرفض. المطلوب اليوم فتح النقاش الوطني حول كيفيّة إدماج التيار الإسلامي السياسي ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية، لا فوقها، بحيث يتحوّل إلى تيار محافظ له برامجه الاجتماعية والاقتصادية، لا وصيّاً على المجتمع أو ناطقاً باسم الله.
ثامناً
لا يمكن تجاوز إشكالية أخرى جوهرية، وهي أن تياري الإخوان والسلفية لا يقدّمان نفسيهما كتياراتٍ وطنية ذات برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، بل كتياراتٍ تمثّل بعداً مذهبياً واحداً (سنيّاً فقط)، ما يخلق تناقضاً بنيوياً مع التنوّع السوري الغني مذهبياً وقومياً وثقافياً. وبدلاً من أن تكون هذه التيارات عاملَ توحيدٍ واندماج وطني، تتحوّل بفعل خطابها الإقصائي إلى مصدرٍ للتفتيت والانقسام، بادعائها احتكار الحقيقة المطلقة وامتلاك التفسير الوحيد للدين والمجتمع.
وهذا ما وقع فيه أيضاً التيار القومي حين حوّل فكرة الأمة إلى أداةٍ لإلغاء الآخر المختلف مذهبياً أو إثنياً. وهكذا فشل الاتجاهان معاً – الإسلامي والقومي – في إقامة دولة المواطنة الحديثة في الجمهوريات العربية، الأمر الذي جعل توم براك يتحدث عن “طوائف ومذاهب وقوميات” لا عن “دول مواطنة”. وهي إشكالية عميقة ما زالت بحاجةٍ إلى نقاشٍ صريح وشجاع في فضائنا العربي والسوري خصوصاً.
خاتمة
إن ما نكتبه هنا ليس دعوةً لتبرئة أحد، ولا لمعاداة أحد. نقدنا المستمر للسلطة في دمشق ليس بدافع الكراهية أو الحقد، بل من أجل بناء دولةٍ حقيقية، دولةٍ تسع الجميع وتمنح أبناءها كرامة العيش وحرية التعبير. كما أن نقدنا للإسلاميين لا يستهدف الإيمان أو المتدينين، بل يرفض تحويل الدين إلى سلاحٍ سياسي أو أداةٍ للهيمنة. نحن نريد وطناً يتشارك فيه الجميع: المسلم والمسيحي، العلوي والسني، الكردي والعربي، على أساس المواطنة لا المذهب، والعدالة لا الولاء، والعقل لا الغريزة.
إنّ ما نطرحه من أفكار ومقاربات هدفه إثارة النقاش العام، لا الإقصاء. فالخطوة الأولى للخروج من المأزق الدموي والعبثي في سورية هي القبول بالآخر المختلف دينياً وثقافياً وسياسياً، والبحث عن المشترك الوطني، والتخلّص من لغة الانتقام والثأر والاستعلاء وسياسة داحس والغبراء. لقد تعب السوريون من الموت باسم الله، ومن القتل باسم الوطن، ومن الشعارات التي تبرّر الدم. نريد حياةً مدنية عادلة تُعيد للإنسان قيمته، وللدولة معناها، وللسياسة شرفها.
فهل يمكن أن نصل إلى ذلك؟
سؤال مطروح لكل السوريين، دون إقصاء، لأنّ الوطن لا يُبنى إلا بالجميع، ولأنّ سورية تستحق أن تُغادر أخيراً قطار الدم نحو أفقٍ جديد من الحرية والمواطنة.
15 تشرين الأول / أكتوبر 2025