مدينة حديثة: آخر القلاع.. الكارثة المرتقبة!
عمر الحديثي
العالم .. كبيرهُ أعمى أصمّ عمّا لا يريد أن يراهُ أو يَسمَعُه، وصَغيرُهُ يعمى ويُصمُّ عندما يأمرُ الكبير وتقتَضي مصالحُهما التي تُشبه حَجمَيهما.
إستغاثاتٌ وأصواتٌ تتعالى على مدى شهورٍ وأصبَحَتْ في الأيام الأخيرة تُمَزّقُ الحُجُبَ وتَشقُّ عنان السماء حتى:
(مَزَّقَتْ) أسماعَهم لكنها .. لم تُلامِس نَخوةَ المُعتَصِمِ
المدينةُ التي كانت عبرَ تاريخها مَلجأ الجياع فتُشبِعهم، ومقصد الفقير والمحتاج وعابر السبيل. المدينةُ التي رحلَت إليها العوائل من كردستان ومن جنوب العراق مرارا، فكانت أهلاً لمن غادر أهله، وملجأً لمن فقدَ مأواه، وزاداً لمن انقطع به السبيل، وهُدىً للحيران الذي ظلَّ الطريق. كان أهلها يخلون دياراً من ديارهم ويتكافلون بينهم في بعضها متخلّين عنها لهؤلاء القادمين الذين آثروهم على أنفسهم والذين صاروا يفضّلون البقاء فيها بعد زوال الأسباب ويختارونها على مدنهم ليصبحوا من أهلها بمرور السنين.
المدينة التي أصرّ أهلها على إطعام جيشٍ عرَمرَمٍ بأكمله عندما كانت قطعاته تتحرك لنجدة الشام وتتمركز على مشارف المدينة، فأسهمت بذلك في حفظ دمشق من السقوط. المدينة التي بقيت دواوينها العامرة مُشرعة لكُلِّ شاردٍ وواردٍ فلم يُنشأ فيها مطعمٌ ولا فندق إلا وأُغلق، رغم كونها ممراً ورابطاً مهماً على طريق دولي. المدينة التي أسهم في تدميرها حتى الذين اعتاشوا في دواوينها ومن خيرات أهلها وكأنَّ كُلَّ زادها لم يحوِ ذرّة ملح.
هي حَديثةُ الفُرات.. التي – ومُنذ شهورٍ – يموت جوعاً أهلها وعوائلها، أطفالاً ونساءً ومسنّين ورجالا، تحت حصار الشُذاذ الذين استهانوا بكل قيم السماء والأرض. مدينةٌ قاومت الغربان والقتَلة الذين اجتمعوا من أصقاع الأرض لموعد التدمير والتقتيل والخراب، حتى بقيَت آخر القلاع الصامدة في وجه الضَلال والجريمة.
المدينة التي حتّى قبل أيامٍ كان لها العزاء – وهي تلوك الصخر – في صمود مدينة (البغدادي) البطَلة، والتي تبعد عنها قُرابة (٣٠ كلم)، أي ما دون الـ(١٨ميلا)، والآن قد ضاق الخناق على شقيقتها تلك من غربانٍ تجمّعت من مشارق الأرض ومغاربها على مرأى ومسمع العالم المُتفرّج على خَيبتهِ – ويا للمهزلة! دَولة.. حكومة.. مجلس وزراء، ومجلس نوّاب، و.. و.. و…. من ورائهم الدولُ العُظمى (في كُلِّ شيء إلا معاني الشرف والإنسانيّة) من أميركا إلى أوروبا قديمها وجديدها إلى شرق أوسطها (اللعبة)، وقبل ذلك ورَثَة إمبراطوريات البَغي من فُرسِها ورومِها، وقبلهم جميعاً بقايا أُمّةٍ لم يبقَ ما يُشعرُ بِشرَف الإنتساب لها.. من الهيئات والمنظّمات الدولية.. من هيئة الأمم التي تعملُ تحت أحذية الجبابرة، إلى الجامعة التي أصبحت أداةً لتدمير شعبها، بل (شعوبها) والتآمر عليها حتى أفقدتها كل قيمها وما أضاف لها الإسلام من أسباب الرُقي، فعادت الى جاهليتها بعد أن نزعت منها قيم الرجولة والأخلاق التي كفلتها العروبة لها، امتداداً إلى منظمة المؤتمر الإسلامي التي صارت دكاناً لتمرير وتسويغ موجات الدمار والامتهان لشعوبها ولم يبق لها من الإسلام إلا الإسم، والى كل المنظمات والهيئات الدولية الغارقة في دمائنا.
من يَتَّهِمون اليوم بداعش وقبلها بالقاعدة وكلَّ ما شابَه، هم المُتَّهَمون المُدانون حقيقةً بها وهي تؤدي دورهم اليوم في تدمير وتفتيت شعب العراق الذي كان حتى بضع سنين أقرب الى بعضه من أبناء البيت الواحد، بل وبلاد الشام معه أيضاً. كل ذلك يجري ثأراً للإمبراطوريات التي انهارت نتاجاً لبغيها وظلمها وظلامها. وما يجري للعراق وللمنطقة بأجمعها من هدم وفناء وتقويضٍ هو من فصول ذلك الثأر لدى بعض، وسبيل الى السلب والسرقة لبَعضٍ آخر. وما (حديثة) اليوم إلا طَير حُرّ تستقوي عليه الذُبابُ بيدِ صيّادٍ جَبان، أو أسَدٌ تتآمرُ على ذَبحه الخِراف!
(والعالَم اليوم هذا فوقَ خَيبَتهِ … غافٍ، وهذا إلى أطماعِهِ عَجِلُ)
وإذا صحَّ ما يُرَوَّج له اليوم بأن المالكي ومن حوله هم من سَهّلَ أو أعان على دخول داعش (الذين يشترك العالم اليوم كله في جرائمهم) لخلط الأوراق وإشغال الناس عن الفشل الذريع الذي مُني به وانكشاف أخطائه الكارثية، فإن ما يحصل يوحي بأن الجميع قد استساغوا ما وصل أولئك إليه، ويبدو أيضاً أن من خالفوهم في كل شيء اتفقوا معهم في هذا الأمر والتقت مصالحهم عليه.
نحن في بلدٍ كُتب عليه أن يكون فيه الوزيرُ (وِزراً) ورئيسهم (رأس الأوزار) وممثلو الشعب (نوائب، ونائبات) ورئيسهم (رأس النوّام)، والحكومةُ دائماً (مُصيبة)! وكلّهم على أهبة الاستعداد لسفك الدم وبيع الشرف العراقي في سباقهم المحموم الى بريق السلطة المبطّن بالأوساخ، وجبروتها الذي يخفي العبودية!
مَدينةُ حَديثة بين نارين.. أحقاد داعِشَ التي يُذكيها عجزهم عن دخولها كل تلك الشهور، وإهمال (الدولة) لها، والذي اعتادته منذ العهد السابق حيث تعمّد صدام حسين إهمالها وعزلها وإنهاء الكثيرين من خيرة الرجال الأبطال المخلصين بالإعدام أو التصفية في السجون، فقط لأنهم لم يُطأطئوا كغيرهم.. واليوم:
(تموتُ الأسدُ في الغاباتِ جوعاً … ولحمُ الظأنِ تأكلهُ الكِلابُ)
(وكم عَبدٍ ينامُ على "وَثيرٍ" … وكم حُرٍّ مفارِشُهُ "يَبابُ")؟!
هذا نداءٌ إلى كل من بقيت فيه ذرّةٌ من ملح الرجولة أو قطرةٌ من ماء الشرف.. إلى كل من يحمل بقية من الغيرة والإنسانيةِ والمروءة، من حكام العراق وقادة العالم، أن يشحذوا إنسانيتهم وينخوا آدميتهم لعلها لم تكن لفظت نفسها الأخير، فتنهض من شفير الفناء. تذكروا أنكم في عالمٍ مجنون، ولا تدرون ما سيكون مصيركم عليه غداً أو بعد غد. إعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن الأفعال لا تخفى والحقائق تُعلَن مهما طال عليها الأمَد، وأن لعنة التاريخ والشعوب ستلاحقكم حتى يوم القيامة.
وأقول:
أنا لا أُعاتبُ، فالهَوانُ إذا طغى … لا يوقِظ الشعبَ المُهانَ عتابُ
كلّا، ولا أدعو رؤوساً أُفرِغَت … مِنْ حِكمةٍ.. ماذا يفيد خِطابُ؟
أنا ألفظُ النارَ التي بأتونها … تتساقَطُ الفَلَذاتُ، والأحبابُ
وأُعانِدُ الزَمَنَ التَرَبَّصَ أُمَّةً … فتَقَطَّعَت بسَبيلِها الأسبابُ
هِيَ صَرخَةٌ تَنورُها مِلءَ الحَشا … لَو أُطلِقَت بذَوي القبورِ أجابوا
عمر الحديثي: كاتب عراقي يقيم في واشنطن
01/03/2015