محمد بن سلمان : بين التقليد والحداثة !
كتب ناجي صفا
يجري الكلام بغزارة. عن تحولات ثقافية واجتماعية تجري في المملكة العربية السعودية ويقودها محمد بن سلمان شخصيا .
لا شك ان حصول هذا التحول يعد نقلة نوعية نحو الحداثة ، وهذا يتطلب ان يشارك في ارسائه مجموعة من الخبراء في علم الاجتماع والسياسة ، والتربية المدنية وصولا الى الأنتروبولوجيا .
ليس سهلا نقل مجتمع ” بدوي ” محافظ ومتدين من التقليد الذي عاشه على مدى عقود وربما قرون الى مدنية تستند الى الحداثة والتقنيات الحديثة لأنها ستحدث صدمة في المجتمع ما لم يتم التحضير لها بعناية وهدوء ، هي تشبه الصدمة التي يتلقاها المريض عندما يكشف له الطبيب نوعية المرض فتكون ردة الفعل احيانا قاسية جدا ، وربما تحدث تحولات سلوكية وتغير في القناعات لجهة قبول الواقع او رفضه .
عملية التغير والتطور التي يقودها بن سلمان في المملكة هامة ومهمة ، لكن لا بد من تسجيل الملاحظات التالية :
اولا : لا يمكن لشخص بمفرده ووفقا لقناعاته فحسب تغيير مجتمع بالكامل مهما بلغ من السلطة والكفاءة .
ثانيا : لا بد من الإستعانة باخصائيين في علم الاجتماع وعلوم التربية ، والعلوم السياسية ، واخصائيين نفسيين يدرسون كيفية الدخول في هذه المغامرة ، فالتغير الإجتماعي كما يقول علماء الإجتماع هو تغير بطيء جدا ، ويحتاج الى وقت وجهد ، الدليل على ذلك صمود الموروث الثقافي والإجتماعي لمئات السنين بحيث ما زلنا نمارس عادات وتقاليد منذ ايام الجاهلية ، ما زالت متأصلة في سلوكنا وتصرفاتنا ، والمجتمع السعودي ليس استثناء .
ثالثا : لا بد من احداث هذا التحول على مراحل بصيغة جرعات يتم هضمها واستيعابها . على شاكلة العلاج الذي يعطيه الطبيب للمريض ، فهو اذا ما اعطاه الدواء جرعة واحدة فربما يؤدي ذلك الى وفاة المريض .
رابعا : الصدمات الاجتماعية ذات الطابع التغييري تشبه الصدمات الكهربائية التي يتعرض لها المريض ، فهي قد تقتله ما لم تكن مدروسة بحجمها وطاقتها وكفاءتها وتوقيتها .
ثمة فارق كبير بين ان يكون هذا التحول ناتج عن ايمان بحركة تطور البشرية وفقا للمعايير الإنسانية الحديثة ، ووفقا لتطور المجتمعات وحاجاتها لهذا التطور ، وبين ان يكون مبني على رغبات او ضغوطات خارجية ، اذ ذاك لا تدخل هذه التحولات في عمق الثقافة المجتمعية وتبقى قشرة خارجية مضارها اكثر من منافعها .
لا يمكن لبن سلمان ادعاء الحداثة مع استمرار قانون الإعدامات بذلك السهولة التي تحصل مع كل من خالفه الرأي . اول خطوة في ما يقوم به بن سلمان من نقل للحداثة والتغيير هي الحريات العامة ، وحرية الراي والقول ، وفتح الأبواب على مصراعيها للنقد الإيجابي الذي يساهم في تطوير المجتمع ورفع مستواه المعرفي ، فالإنسان عدو ما يجهل ، ولا يمكن حصول التغيير دون رفع مستوى الوعي والمعرفة، وتكريس حق الإختلاف والمعارضة الديمقراطية ، وتبني آليات العمل الديمقراطي، من انتخابات حرة ونزيهة ، ومن مؤسسات سياسية وتشريعية وتنفيذية وقضاء مستقل ونزيه يصدر احكامه وفقا للمعايير الدولية وتطور التشريع القضائي العالمي .
لا يكفي ان يكون ابن سلمان يريد ان يرضي الغرب في الخطوات التي يقوم بها ، بهدف إكتساب شرعية من الغرب في توليه الحكم بعد والده ، بل ان يكون ذلك ناتجا عن قناعة شخصية راسخة بضرورة التغيير ، ونقل المجتمع السعودي من مجتمع تغلب عليه العادات والتقاليد البدوية التي ما زال الكثير منها يختزن في ضمير ووجدان المواطن السعودي والخليجي بشكل عام الى مجتمع حداثوي ، فالحضارة ليست حالة مظهرية كما يتم تسويقها وممارستها ، هي علم وتطور ومعرفة وثقافة وتقنيات حديثة ومفاهيم جديدة علمية وثقافية وتقنية مع ثورة وتطور الذكاء الإصطناعي . ثمة فارق كبير بين ان يكون التغيير استجابة لرغبة خارجية وبين ان يكون ممارسة لقناعة بضرورة هذا التغيير والتحديث .
2023-09-03