محددات التطبيع السلفي الجهادي في سوريا: من وهم النقاء العقدي إلى تحالف «الأعداء المشتركين»!
حسن أبو هنيّة
تظل فلسطين، في الوجدان العربي والإسلامي، جوهر الاختبار الأخلاقي والإنساني، وأساس الإيمان في زمن الإبادة الاستعمارية الإسرائيلية-الغربية. وقد مثّل تحرير فلسطين تاريخيًا الهدف الأسمى للجهادية العالمية، وإن اختلفت رؤاها حول أولوية مواجهة إسرائيل مباشرة أو استهداف الأنظمة الحامية لها، أو حتى الذهاب بعيدًا إلى مقاتلة الغرب الداعم لها.
اليوم، تبدو قيادة «هيئة تحرير الشام» — وريثة جبهة النصرة — في قلب هذا الاختبار. فبعد مسار طويل من التحولات البراغماتية، أضحت فكرة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي تملأ الأفق السياسي لهذه الجماعة السلفية الجهادية، لتكشف عن عمق الأزمة البنيوية الكامنة في علاقة السلفية الجهادية بالسياسة.
لقد تشكّلت السلفية الحديثة على أولوية «النقاء العقدي» باعتباره معيارًا للحق والباطل. فكل انحراف عقائدي من الداخل يعدّ أخطر من الاحتلال الخارجي، إذ يُنظر إلى التشيع والتصوف مثلًا كتهديد مباشر لجذر العقيدة السنية النقية، بينما يُعتبر الاستعمار خطرًا جيوسياسيًا يمكن احتواؤه. من هنا، لم يكن مستغربًا أن يقدّم بعض رموز السلفية الكبار — مثل ابن باز والألباني — فتاوى تبرّر الصلح مع إسرائيل بحجة أولوية العقيدة على الأرض.
في السياق السوري، أعادت «هيئة تحرير الشام» إنتاج هذا المنطق في مواجهة المتغيرات الدولية والإقليمية. فمن جماعة تتبنّى «الجهاد العالمي»، تحوّلت إلى سلطة محلية تُعيد قولبة خطابها تحت عنوان «الخصوصية السورية»، مستبدلة المعجم الجهادي العابر للحدود بشعارات «الثورة» و«الدولة» و«النضال من أجل حرية الشعب السوري». وقد تماهى هذا التحوّل مع مساعيها الدؤوبة للخروج من قوائم الإرهاب العالمية، عبر تقديم نفسها كحركة «وطنية محافظة» منفتحة على التواصل مع الغرب وإسرائيل، بذريعة مواجهة «العدو المشترك»: إيران وحلفاؤها.
إن سردية «الأعداء المشتركين» تعكس جوهر التحوّل في عقيدة الأمن القومي السوري الجديدة، التي تستعير من موروث السلفية أولوية العداء للمحور الشيعي بوصفه خطرًا عقديًا أصيلاً، مقابل التعامل مع إسرائيل باعتبارها تهديدًا جيوسياسيًا يمكن التعايش معه بل والتنسيق معه أمنيًا وسياسيًا. وهكذا أضحى الصمت المريب أمام عشرات الهجمات الإسرائيلية على الجنوب السوري أو مرتفعات الجولان، بل والترويج لفكرة اتفاقات تطبيع شاملة، جزءًا من هذا المسار الذي يقدّم التطبيع كشرطٍ لفك العزلة ورفع العقوبات الأمريكية، وكبوابة لإعادة تأهيل القيادة السورية الجديدة.
لكن المعضلة أعمق من مجرد براغماتية سياسية. فالتجربة تكشف عن التناقض البنيوي في الخطاب السلفي الجهادي: إذ لا يمكن لهذه الحركة أن تصنع مشروع دولة حديثة وهي أسيرة وهم النقاء المطلق. فالسلفية، في عمقها التاريخي، تتردّد دومًا بين استدعاء ماضٍ مثالي لا وجود له، وبين واقع سياسي يفرض تنازلات وتحالفات لا يطيقها جمهورها ولا تتحمّلها أدبياتها.
والأخطر أن هذا الانزياح لا يعني سوى تأبيد الهشاشة السورية في خدمة المشروع الاستعماري التقليدي. إذ تبقى الرؤية الإسرائيلية — التي تحظى برعاية غربية كاملة — قائمة على منع أي كيان سياسي سني قوي قد يبعث الإسلام السياسي من جديد، عبر إدارة تناقضات الداخل الطائفية والعرقية. وعليه، فإن وهم التطبيع لن يمنح «هيئة تحرير الشام» أو أي سلطة مماثلة اعترافًا مكتملًا، بل سيبقيها تحت الابتزاز والوصاية بدعوى «مكافحة الإرهاب» و«ضبط الأعداء المشتركين».
إن خلاصة المشهد أن «سوريا الجديدة»، برعاية خطاب «هيئة تحرير الشام»، تتحوّل إلى مثال صارخ على المأزق الذي تعيشه الحركات الإسلامية التي ترفع راية الجهاد ثم ترتمي في أحضان من صنعت وجودها أصلاً كتهديد. وبين النقاء العقدي الموهوم وتحالف الأعداء المشتركين، تضيع فلسطين وتبقى سوريا ساحةً مفتوحة لمشاريع التفكيك والسيطرة الاستعمارية.
2025-07-08