متى تنتهي حرب روسيا وحلف الناتو في أوكرانيا؟
مصطفى السعيد
لا يبدو أن القوات الروسية متعجلة في طرد القوات الأوكرانية من مقاطعة كورسك الروسية، لأنها ترى أن القوات الأوكرانية دخلت مستنقع لا يمكن أن تحقق منه أي فائدة، وأن المناطق التي دخلتها القوات الأوكرانية معظمها غابات كثيفة، ومساحتها تبلغ نحو 3% فقط من مساحة المقاطعة، والمناطق السكنية فيها محدودة العدد، وليس فيها أي مناطق ذات قيمة عسكرية أو إقتصادية، ولا ضرر من دفع أوكرانيا المزيد من قواتها في تلك المساحة الصغيرة من المقاطعة، طالما لا يمكنها أن تصل إلى محطة كورسك النووية أو أي مدينة هامة، وتستنزف إحتياطاتها من القوات في فخ يكبدها خسائر فادحة. ورغم أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي قد اعترف بأن غزو القوات الأوكرانية لإقليم كورسك الروسي لم يحقق الغاية منه، وهو إجبار روسيا على سحب قواتها من جبهة الدونباس التي تتقدم فيها القوات الروسية بسرعة كبيرة، وكانت المفارقة أن تضاعفت سرعة القوات الروسية بعد المقامرة الأوكرانية الفاشلة في كورسك الروسية، ولكن الفشل الأوكراني لم يدفع القيادة الأوكرانية ومعها الشريك الغربي إلى التراجع عن المغامرة في كورسك، رغم التأكد من فشلها، والغريب أن القيادة الأوكرانية – ومعها خبراء حلف الناتو – تدفع بمزيد من القوات الأوكرانية إلى محرقة كورسك، وكأنها تتوقع المستحيل، وأن ينقلب الفشل إلى نجاح، وهنا لابد من التوقف أمام الخطط الفاشلة التي يضعها ويشرف عليها نخبة القيادات العسكرية والسياسية في الغرب المتقدم، من حيث مستوى التأهيل والخبرات، وبمعاونة مراكز دراسات لديها معلومات هائلة وأجهزة متطورة تسهل التحليل ووضع خطط بديلة لمختلف الإحتمالات، ومع ذلك يرتكبون حماقات ساذجة، لا يمكن أن يرتكبها شخص بلا أي مؤهلات. هذا الأمر الخطير رأيناه في إندفاع أوروبا والولايات المتحدة إلى فرض دفعات هائلة من العقوبات الإقتصادية على روسيا، كانت نتائجها تدهور الإقتصاد الأوروبي، وتحسن الإقتصاد الروسي، وكذلك نرى أن العقوبات الأمريكية على الصين كانت أهم أسباب إنهيار شركات التكنولوجيا الغربية.
إن القوات الروسية التي تقترب من إنتصار صريح في أوكرانيا، والمرجح أن تختار توقيت هجوم طرد القوات الأوكرانية من كورسك إلى أواخر الخريف، عندما تتساقط أوراق أشجار الغابات الكثيفة، ولا تجد القوات الأوكرانية مكانا تختبئ فيه، بينما تبدأ الثلوج في الهطول، عندئذ ستكثف القوات الروسية الضربات لخطوط إمداد القوات الأوكرانية، فلا يكون أمامها إلا الإنسحاب أو التجمد والإستسلام. وهناك خطأ جسيم آخر ترتكبه القوات الأوكرانية حاليا، وهو سحب قوات إضافية من الجبهات الساخنة لحماية مدينة بكروفسك الإستراتيجية، لكن مثل هذا القرار تأخر كثيرا، فالقوات الروسية سيطرت بالفعل على معظم البلدات المحصنة المحيطة بالمدينة الإستراتيجية التي تتوجه منها معظم الإمدادات إلى الجبهات في الدونباس، وأصبحت القوات الروسية على مسافة تبلغ نحو خمسة كيلو مترات فقط من المدينة، أي أنها فقدت دورها كمركز رئيسي للإمداد، حيث تتعرض لضربات بالمدفعية وصواريخ الكاتيوشا، وأصبحت طرق الإمداد منها وإليها غير مأمونة، بل محاصرة، وهذا يعني أن قرار سحب القوات المنهكة من على الجبهات إلى بكروفسك لن يفيد إلا في تسهيل إجتياح القوات الروسية لباقي الجبهات، معتمدة على تفوقها العددي الكبير، ووجود احتياطيات ضخمة، وطرق إمداد آمنة، وغطاء جوي قوي، وبالتالي ستزداد سرعة تقدم القوات الروسية على أكثر من محور، ويجري تطويق القوات الأوكرانية أو إنهاكها بكثافة النيران، وفي ظل المعدلات الحالية لتقدم القوات الروسية، فإن كل المؤشرات تدل على أن القوات الأوكرانية ستنسحب من الأقاليم التي أعلنت روسيا عن ضمها قبل نهاية العام الحالي، بل قد تتقدم إلى عدة أقاليم أخرى مثل خاركيف ودنيبرو وميكولاييف وأوديسا. وهناك متغير خطير داخل أوكرانيا، حيث ظهرت على مواقع التواصل التي يسيطر عليها القوميون المتطرفون إتهامات بخيانة الغرب لأوكرانيا، بل الإدعاء بأنهم يسهلون لروسيا السيطرة على أوكرانيا، وهذه الجماعات اليمينية القومية كانت رأس حربة الغرب في الهجوم على روسيا، بعد أن سيطرت على السلطة في أوكرانيا، بما يؤشر إلى إنقسام خطير داخل أوكرانيا سياسيا وعسكريا، بانقلاب اليمين القومي من أداة للغرب إلى العداء، وسيكون لهذا المتغير الجديد تداعيات خطيرة، ربما تتسبب في اضطرابات واسعة داخل أوروبا. في الوقت نفسه أظهرت الإنتخابات الأخيرة في ألمانيا تقدما قويا للأحزاب الرافضة لدعم أوكرانيا، والداعية لإصلاح العلاقات مع روسيا، وهو مطلب قابل للتوسع في باقي الدول الأوروبية التي بدأت تعاني بشدة من آثار الحرب، وخسارة غاز وبترول روسيا الرخيصين، وتحمل تكاليف الحرب في أوكرانيا، بما سيدفع قادة أوروبا لإنهاء الحرب، والتخلي عن أوكرانيا.
2024-09-20