هذه المادة كتبتها قبل سنوات (الحوار المتمدن 16.09.2005) عن المجازر الدائمة والغامضة والقتل الجماعي.
اعيدها للعبرة… فكم من أربعاءات واسابيع وسنوات دامية حزينة مرت وتكررت بنفس الطريقة وعلى نفس المنوال؟ ما الذي تبدل او تغير؟ لماذا؟
وطني الجميل، وطني القتيل… يا وطني الجميل
بلادي البعيدة…
(بلادي التي لست فيها…)…
أي بلاء…
أية بلادة…
أية بلاد؟
كلمة: الأربعاء الدامي… ما قيمة الكلمات والحبر أمام الدم العراقي المسفوح؟*
أحمدالناصري
لا أدري ماذا أقول أو أكتب أمام الفواجع الوطنية المتلاحقة والكوارث المتصلة في وطن مدمر؟
كيف يتصرف الإنسان في هذه الحالات التي تقترب فيها السماء من الأرض، ويختلط الأعزل في اللحم والدم بالتراب الوطني؟ كيف يتنفس ويأكل ويضحك بعد الآن؟ كيف ينظر الى النساء والأطفال والحجر والشجر والورد والماء؟
كيف تتحرك حواسه المسلوبة و الحائرة؟ وكيف ينظر إلى العيون المسمولة ووجوه القتلى والضحايا الباردة؟ ما عساه أن يقول لهم؟
ما قيمة الكلمات والمداد أمام أنهار الدم الطاهر المسفوح لأبناء شعبي الأعزل في شوارع وحواري بغداد وشوارع ومدن العراق؟ وما قيمة المواقف إذا لم تساهم في إيقاف شلالات الدم العراقي المقدس؟
وما قيمة الصراخ والضجيج والمزايدات والصراعات إذا لم تسهم في شد الجرح الوطني العراقي النازف؟
ما قيمة الثرثرة المجانية المكررة في الفضائيات إذا لم تدافع عن حياة ووجود الإنسان في بلادي المسبية؟
أين يقف المستقبل في هذه اللوثة العارمة، في هذه اللحظة المارقة؟ أين هي الوحدة الوطنية الحقيقية وشروطها ومستلزماتها وثوابتها؟
أين هو برنامج العمل الوطني الرصين؟ أين هو الفكر السياسي الوطني الجديد من المحنة الوطنية الحالية؟ أين هي أساليب العمل الوطنية الجديدة؟
لم نصحوا بعد من كارثة جسر الأئمة الوطنية وآثارها المروعة، ولم نتخلص بعد من الصدمة والرعب اللتان أتى بهما ذلك اليوم الحزين والطويل الدامي، بكل تفاصيله واختلاطاته ومهازله، حتى ضرب الإرهاب من جديد قلب ووجه الكاظمية الطيب المقدس، ومزق أجساد عمال مسطر الكاظمية الجياع في صباح عراقي مر، يشبه مرارة القتل الجماعي البارد والسهل.
قبل هذه الجريمة الرهيبة، و هذا العمل الجبان كانت عصابات أخرى تخرب وتعبث بصباح مدينة التاجي الأبيض، وتخطف الضحايا وتنقلهم على عجل الى منطقة قريبة من المدينة لتنفذ بهم أحكام إعدام ميدانية، مبرمة وسريعة، ثم توالت الأخبار العاجلة والمتواترة، التي لم أستطع السيطرة عليها ومتابعتها، لقد أصبت بعجز وحيرة مدمرة، فبين كل سيارة مفخخة وأخرى، هناك انتحاري آخر يقوده عقله الدموي الأعمى الى حتفه المخزي، في عملية تقف ضد الحياة والإنسان والأخلاق، وضد القيم الإنسانية البسيطة، لكنه الخراب العميم في أرواحهم وذواتهم الجاهلة والقذرة.
في الأربعاء الدامي قتل القمر من جديد في سماء بغداد المنكوبة، وتساقطت النجوم فوق الأجساد المتطايرة والمتناثرة على بساط الموت الأغبر الممدود بعنف وقسوة مقصودة، والذي يتربص بالجميع في شوارعنا وساحاتنا الموحشة والكئيبة كآبة الموت الرخيص.
في هذه اللحظات القاسية والحزينة من تاريخنا ومن وجعنا الوطني العارم، علينا ألا نضيع الاتجاه، ولا نفقد القدرة على التشخيص الدقيق لسير الأحداث، علينا أن نستمر في بحثنا وتشخيصنا الدقيق للمحنة الوطنية التي يمر بها شعبنا ووطننا وأسبابها وصيرورتها الحقيقية، وأن تبقى رؤيتنا شاخصة وثابتة تجاه المشكلة الرئيسية، وكيفية معالجة هذه المحنة القاسية والخطيرة، وألا نخلط بين الرئيسي والثانوي، وبين الأساسي وغير الأساسي. وأكثر ما أخشاه هو التوهم بأن المحتل القاتل هو المنقذ، وأن يستمر التصعيد والشحن الطائفي التقسيمي المتقابل والخطير وإيصاله الى لحظة الفلتان والتفجر، واحتراق الوطن وما فيه.
إن مشكلتنا الرئيسية كانت ولا تزال مع الاحتلال، الذي استباح ودمر بلادنا، وأراد لها أن تكون الساحة الرئيسية لمكافحة الإرهاب على الطريقة الأمريكية، ليبعده عن شوارعه ومدنه، وهذا ما يكرره بوش ليل نهار، دون رد من التابعين له في بلادنا، بل على العكس خاصة مع تصريحات جلال الطالباني والجعفري الأخيرة التي تتشبث بالمحتل لحمايتهم، وهو الذي استقدم الإرهاب إلينا لإغراض خاصة به وبمخططاته في وطننا والمنطقة، وهو الذي عجز عن القضاء على الإرهاب رغم ماكينته الحربية الرهيبة، ورغم إمساكه وتمسكه بالملف الأمني.
ثم إن الإرهاب الأسود ذاته ونواياه وارتباطاته، وهو الذي أستغل انهيار الدولة ومؤسساتها التي دمرها المحتل ليستوطن في بعض المناطق ويقود عملياته القذرة المشبوهة، ثم الإدارات التابعة للمحتل، من مجلس المحكومين الى إدارة الجعفري، تلك الإدارات العاجزة والمتخلفة والخاضعة للأجنبي والغارقة في أوحال الفساد والطائفية والمحاصصات والنهب والفرهود، هذه هي الخلطة الفاسدة التي تجر بلادنا الى الخراب والجنون.
لقد أثبتت الأحداث الرئيسية واليومية الجارية في بلادنا فشل وتوقف العملية السياسية (الأمريكية) في جميع المجالات، والمطلوب هو إطلاق مشروع العمل السياسي الوطني، عبر مؤتمر وطني عام، يقود الى الخروج من الأزمة الوطنية الراهنة، والتخلص من الاحتلال والإرهاب بكافة أشكاله، ومعالجة المشاكل والأزمات القديمة والجديدة الطاحنة، وإيقاف المذابح والتصفيات والشحن والدفع الطائفي والعرقي الخطير، ومخاطر التقسيم، والانتقال التدريجي بالبلاد الى حالة طبيعية، تحدد وترسم مستقبل شعبنا ووطننا، خارج أزمة وكارثة الانهيار!