ما لم يحصل حدث كبير من خارج الصندوق كعملية فدائية، او اشتباك دموي في المسجد الأقصى على خلفية الاقتحامات التلمودية، أو اشتباك منطلقا من غزة، فيمكن القول أن جولة التصعيد الأخيرة قد شارفت على نهايتها، لكنها بالطبع ليست الاخيرة وليست الاخطر، ووفق ما كتب البروفيسور آساف دافيد من الجامعة العبرية: المسالة الفلسطينية في وضع انحدار غير مسبوق ولم يبق للفلسطينيي الا شيء واحد وهو الاقصى الذي يحقق لهم توازن رعب، والمساس بهذا المقدس يكون اشبه بحرب عالمية.
يحسب الفضل في حصاد نتائج هذه الجولة للوعي الجمعي لكل الفلسطينيين في التصدي للاحتلال والدفاع عن الحرم المقدس، في اشتباك وإن اتخذ اوجه دينية إلا أنها تحمل في ثناياها بعدا قوميا ووطنيا، هذا في حين حاولت الإدارة الإسلامية للمسجد الأقصى منع الفلسطينيين من الاعتكاف في باحاته في فترة أعياد الفصح اليهودية الأمر الذي لم يمر، فقد تم التعاطي شعبيا مع هذا المنع على انه في سبيل إعطاء الفرصة لليهود المحتفلين بعيد الفصح بالحج إلى ما يسمونه جبل الهيكل وذبح قرابينهم، الجهات الرسمية في فلسطين ومحيطها القومي والعربي اكتفت بالبيانات في مقاومتها لاقتحامات الأقصى الاستيطانية، فهذا يستنكر وذاك يدين و ثالث يرفض ورابع يعبر عن قلقه على طريقة أمين عام الأمم المتحدة السابق، لكن ما جلب الفائدة والنتيجة لم تكن تلك البيانات وإنما التواجد الشعبي الفلسطيني في المكان والزمان الحرجين، وهو ما كان اصدق إنباء من البيانات و التصريحات، والأمر ذاته تكرر في عرقله الاحتلال لشعائر سبت النور وعيد الفصح في القدس. الأردن حاول السيطرة على احتمالات التصعيد بشكل مبكر فأجرى اتصالات ولقاءات على اعلى مستوى مع ( الإسرائيليين) وبحث الملك عبد الله الأمر مع الرئيس (الإسرائيلي) الذي زاره في عمان، كما زار رام الله لذات الغرض حيث يفترض أن إجراءات وقائية قد تم الاتفاق عليها.
مشكله الأردن هو ما فاتها في اتفاق وادي عربة الذي ينص على حق جميع أبناء الديانات التوحيدية الثلاث بالوصول إلى الأماكن التي يعتبرونها مقدسة، وفي بند آخر على احترام دور الأردن في رعاية المقدسات الإسلامية في المسجد الأقصى، وكلمة احترام هي كلمة فضفاضة لا معنى حقوقي محدد لها. هموم عمان لا تنتهي عند الاتفاق الذي وقع عام 1994، فالشريك الذي وقع كان حزب العمل وقائديه إسحاق رابين وشمعون بيبرس وقد أصبحوا كائنات سياسية منقرضة غيبهم الموت حياتيا او سياسيا، في حين كان الأردن يفترض أن هذا الاتفاق قد ضمن وجوده كوطن نهائي للأردنيين، من يحكم اليوم ومن هو مرشح لان يرثه في أية انتخابات قادمة، لا يلقي بالا لهذا الفهم الذي يرى أن الزمن تجاوزه، وأن الأردن هو وطن الفلسطينيين، الأمر الذي يهدد العرش والدولة على حد سواء، لا تنتهي الهموم هنا وإنما تتمدد لتشمل ما تم توقيعه لاحقا من اتفاقيات، أملتها الضرورات التي صنعها الربيع العربي، والمصالح الصغيرة، والتي شملت تزويد الأردن بالمياه والطاقة، وذلك من شانه أن يحد من قدرات الأردن على المناورة، برغم محاولاته و كان آخرها لقاء في القاهرة جمعه بالرئيس المصري وولي عهد الإمارات وغاب عنه الرئيس الفلسطيني، وأعقبها مكالمة هاتفية أجراها الملك عبد الله مع الرئيس الأمريكي أعاد فيها التذكير بان وصايته تشمل الأماكن المقدسة المسيحية. الحكومة الإسرائيلية غاضبه من عمان بسبب موضوع القدس ولعل علاقات عمان وتل أبيب لم تمر بمثل هذا التوتر من فترة طويلة. يحاول الاردن استعادة المبادرة مقدسيا، والحفاظ على هيبه الوصاية الهاشمية، وهو امر يتطلب الاشتباك مع (الإسرائيلي)، كما يدرك العرش والدولة ان حالة الفراغ الجارية في القدس لا تتفق لا مع الفيزياء ولا مع السياسة، والسياسة كالطبيعة تكره الفراغ الذي ان وجد فلا بد من ملئه، وغياب الوصاية الهاشمية يعني منح الآخرين ضوء اخضر بالتحرك وتعبئة الفراغ. السلطة الفلسطينية بدورها لم تكن حاضرة في القدس، فلم يشارك في التواجد في الحرم وزير او شخصية عالية باستثناء المفتي العام والذي تهجم عليه المرابطون هناك متهمينه بالتقصير والغياب عن الحدث، الرئيس الفلسطيني لم يلق خطابا يشرح فيه ما جرى من اتصالات أو ما بذل من جهد، كذلك رئيس الوزراء، باستثناء بيانات كانت تصدرها نشرة وكالة الإنباء الرسمية وهي في غالبها مبنية على مجهول (ناطق) وبعض بيانات وزارة الخارجية التي تستدعي الاستغراب، فالقدس شان فلسطيني داخلي وليست في إقليم آخر، ولدينا وزارة داخلية ووزارة خاصة بشؤون القدس لها وزير عضو بمجلس الوزراء ولديها وكيل وزارة ووكلاء مساعدون، لم يصدر عنهم تعليق او تصريح أو بيان ولم تذكر الإنباء أنهم أو بعضهم تواجد في المسجد الأقصى.
يستذكر الفلسطيني في الضفة الغربية ان الانتخابات التشريعية التي كان قد تحدد موعدها في أيار من العام الماضي قد تم تأجيلها بذريعة رفض (إسرائيل) إجراءها في القدس الشرقية، وقد أعلنت إسرائيل أنها لم تبلغ السلطة الفلسطينية بقرار رفضها لإجراء الانتخابات في القدس، وأن السلطة الفلسطينية لم تتسلم كتابا خطيا رسميا من «إسرائيل» بهذا الرفض، كما أن الاتحاد الأوروبي ذاته الذي توسط بين الجانبين أعلن أنه لم ينقل رفضا إسرائيليا واضحا وصريحا بإجراء الانتخابات في القدس، يعود الفلسطيني للتساؤل: ما دامت القدس على هذا القدر من الأهمية، لماذا غابت عنها السلطة؟
ما جرى كان تحديا قوميا و وطنيا وروحيا استجاب له العقل الجمعي بشكل لا شريك له ، ربما دون خطة مدروسة و لكنه آتى أؤكله . جنين فلسطين المحتلة 2022-04-30