ما بعد الاعتداء على مسجد أبْها: الرابحون والخاسرون
د. أعلية علاني
منذ ماي/ يونيو 2015 إلى اليوم شهدت المملكة العربية السعودية اعتداءات على 3 مساجد، اثنان للشيعة وواحد للسنة (في 6 أوت / أغسطس 2015) ويرتاد هذا الأخير عناصر من قوات الأمن السعودي. هل هي مقدمة لتوطين داعش في المملكة؟ وقد تحدثت الصحف عن 1400 داعشي سعودي ينشطون في الداخل وعن إيقافات بلغت حوالي 500 شخص خلال الستة أشهر الأخيرة.
وهل سيدفع الاعتداء على مسجد أبْها إلى إعادة ترتيب المملكة لأولوياتها في محاربة الإرهاب وإلى قراءة جديدة للتطورات الجيواستراتيجية في المنطقة بعد إمضاء الاتفاق النووي مع إيران ومآلات الحرب في سوريا بعد التحول الأخير في الموقف التركي واحتضان موسكو لاجتماع مرتقب للمعارضة السورية مع نظام بشار الأسد؟
تطورات قادمة وعميقة في الشرق الأوسط
هناك 4 إشارات هامة تهيئ لتطورات عميقة في الشرق الأوسط مستقبلا . الإشارة الأولى تتمثل في أن زيارة وليد المعلم إلى مسقط تهدف حسب وكالة الأنباء الفرنسية إلى التحضير لاجتماع ثلاثي سعودي إيراني سوري. وهذا – إن صح- ستكون له عدة دلالات أبرزها أن الحل السياسي للحرب في سوريا أصبح أكثر قبولا.، بالرغم من تضارب رؤيتي إيران والسعودية في حجم مشاركة النظام السوري في الحل السياسي وهي تناقضات يمكن أن تحل عن طريق التفاوض.
وتتمثل الإشارة الثانية في حصول دول الخليج على تطمينات أمريكية من أن الاتفاق النووي الإيراني لن يمثل تهديدا لدول المنطقة، وفي هذا الإطار ساعدت زيارات جواد ظريف المكوكية للكويت وقطر والعراق في إذابة جليد الخلافات السابقة التي طبعت العلاقات الإيرانية الخليجية طيلة عدة عقود.
الإشارة الثالثة هي أن الحراك الذي يقع حاليا في العراق ستكون له تداعيات خطيرة محليا وإقليميا إذا لم يتم الإسراع بإصلاحات جوهرية عميقة في مجال الحوكمة ومحاربة الفساد والتصدي للفكر الديني المتشدد مهما كان لونه المذهبي.
أما الإشارة الرابعة فهي أن الحرب الشاملة على الإرهاب وخاصة على داعش والقاعدة وحلفائهما لم تعد تنتظر مزيدا من الوقت. فكل الدول مهددة بهذا الخطر الذي أصبح مرشحا للتوسع إذا لم تُوحّد الجهود الضرورية لدحره خليجيا وعربيا وإفريقيا ودوليا.
إن تأكيد صحيفة البلاد السعودية في 7 جويلية/ يوليو 2015 على ضرورة محاربة مشاعر الكراهية والفتنة الطائفية تؤشر إلى أن المملكة السعودية، وبعد عملية اعتداء مسجد أبها السني، استنتجت أن القادم أعظم وأن شبح الحرب الدينية والطائفية سيدمر مقدرات شعوب المنطقة، وأن الشباب العربي في السعودية والخليج والعالم العربي والإفريقي عموما، إذا لم يتم انتشاله من براثن تنظيم داعش والقاعدة فسيشكل جيشا جرارا يقضي على الأخضر واليابس في تلك البلدان.
الإسلام السياسي والإسلام الجهادي على كف عفريت
لا شك أن تيار الإسلام السياسي ممثلا في الإخوان المسلمين في العالم العربي يعيش أخطر أزمة له منذ نشأته في 1928. فقد استنفد هذا التيار أغراضه ولن يعود إلى الحكم كحزب حاكم إلا بعد أن يتخلص من عباءته الفكرية كتيار يخلط بين الدين والسياسة.
فكل تلوينات الفكر الجهادي المدمر خرجت من رحم التيار الإخواني فزعيم داعش أبوبكر البغدادي وزعيم القاعدة الظواهري وزعماء أنصار الشريعة ومؤسس بوكو حرام كانوا منتمين سابقا لتيار الإخوان المسلمين. وقد آن الأوان لكي تحسم النخب السياسية والفكرية والدينية في فساد هذا التيار وخطره
حاضرا ومستقبلا على الأمن القومي العربي والإسلامي والإفريقي ولكن عن طريق الإقناع والتعبئة الإعلامية وصناديق الاقتراع، لا عن طريق العنف لأن هذا النهج جُرّب منذ الستينات ولم يؤد إلى نتيجة. وأعتقد اليوم أنه بعد الاعتداء على مسجد أبها وبعد تهديد داعش بهدم الكعبة بدعوى تشجيعها على الشرك ( من خلال تقبيل الحجر الأسود كما تقول) لم يعد هناك عذر في عدم القضاء على الجذور الحقيقية لهذه التيارات المتطرفة والكامنة في مبادئ تيار الاسلام السياسي وتيار السلفية الجهادية.
ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن بعض مُنظّري الإخوان ندموا على تسرع الإخوان في ممارسة الحكم في العالم العربي لأنه تمت تعرية نواياهم الحقيقية وعجزهم بشكل واضح عن ممارسة الحكم وافتقادهم لرؤية دولة عصرية مدنية وديمقراطية، واعتبروا أن موقعهم في المعارضة كان مريحا أكثر من موقعهم في الحكم. كما أن وضعية ليّ الذراع بين الإخوان والسلطة المصرية أنتجت ريبة ونفورا بين الرأي العام والإخوان في مصر وفي كل البلدان التي شهدت ما يعرف بالربيع العربي.
المتضرر الثاني من تداعيات الاعتداء على مسجد أبها هو التيار الجهادي وما يتفرع عنه من فصائل دينية متشددة، لأن مطاردتهم ستصبح أكثر سهولة في المرحلة القادمة، في ظل شبه إجماع على ملاحقتهم وقتالهم.
أما الرابحون فهم أنصار التيار الليبرالي والوطني والديمقراطي بمختلف تلويناته (اشتراكيون ديمقراطيون، وسط اليسار إلخ) والمؤمنون بتيار الإسلام الإصلاحي الوسطي المعتدل (وليس تيار الاسلام السياسي). هذه التيارات المذكورة، مطروح عليها تأسيسُ مقولات جديدة لأسس الدولة الحديثة ، تدمج المكونات العرقية والطائفية والدينية في منظومة المواطنة، لأنها المنظومة القادرة على التصدي لكل أشكال التطرف.
كيف تصبح تداعيات هذه المتغيرات إيجابية؟ أولا، على مستوى التيارات الاسلامية لا بد من أن تسلم هذه التيارات الحديثة الإخوانية والجهادية بضرورة التخلي عن ايديولوجية مزج السياسة بالدين في العمل السياسي ولا بد على الحكومات الإسلامية من إصدار تشريعات تمنع تأسيس أحزاب على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.
فمن يريد نشاطا دينيا يؤسس جمعية، ويلتزم بقانون الجمعيات الذي يمنع التجييش المذهبي والطائفي ويحترم خصوصية كل الأديان والمذاهب.
ثانيا، على مستوى التيارات السياسية: إن من يريد نشاطا سياسيا يؤسس حزبا ويلتزم بعدم مزج الدين بالسياسة، ويكون التنافس على أساس البرامج وتختفي حرب الهويات لصالح مشروع التعايش الاثني والعرقي والاعتراف بالخصوصيات الثقافية لكل الأقليات وتصبح بذلك الدولة حاضنة لكل الأطياف ومتعالية على كل الايديولوجيات، مرجعُها الأساسي الدستور والقانون والوفاق الوطني في القضايا الكبرى، وهي إحدى سمات دولة القانون والمؤسسات. وأخيرا فإن الرابح الأكبر في دولة المواطنة هو المواطن والحاكم والسلم الداخلية والإقليمية والدولية.