ماغا ، ملف ابستين والدولة العميقة!
هاني عرفات
تفاعلات ملف جيفري ابستين هي مجرد طرف جبل الجليد، الذي يخفي في ثناياه، الصراع المحتدم ، بين أطراف الدولة العميقة فيما بينهم البين ، و بين من هم خارجها .
طرامب صاحب مقولة تجفيف المستنقع أثناء حملته الانتخابية الأولى، كان قد وعد انصاره بكشف ملف ابستين بالكامل، ولمن لا يعرف، ابستين فهو المحامي الذي وجد مشنوقا في سجنه ، بعد ان ادانته المحكمة ، بتهمة إدارة بيت دعارة للقاصرات في إحدى الجزر المعزولة قبل سنوات، حيث أن عددا من المسؤولين الأمريكيين السابقين والحاليين كانوا يترددون على جزيرته، فيما أشار بعض المعلقين ، إلى احتمال ارتباط نشاطات المذكور ، بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد .
وقد وجد مشنوقا في زنزانته، بعد فترة وجيزة من احتجازه ،في ظروف غامضة، وقيل وقتها انه انتحر، فيما يظن كثير من المراقبين أنه نحر .
اسباب تراجع طرامب عن نشر الملف، كشف عنها حليفه السابق إيلون ماسك، الذي قال في تغريدة له ، بأن الرئيس الحالي لن يكشف الملف ، لانه هو نفسه كان أحد رواد الجزيرة المشؤومة.
موضوع ملف ابستين ، كان ليمر مرور الكرام ، في بلد عرف الكثير من الفضائح لاغلب السياسيين ، وكان يتم دفنها مرات و تحويرها مرات اخرى حسب الحاجة، لولا التحولات الجارية في المجتمع الاميركي، و تحديدا الانشقاق في داخل التيار اليميني المهيمن على الساحة السياسية منذ مطلع هذا القرن، و ظهور تيار لنجعل أميركا عظيمة مجددا ، المصطلح عليه اختصارا باسم ماغا ، والذي ولد في رحم المحافظين الجدد و عمودها الفقري الانجيلية الصهيونية، و لكنه في طريقه للخروج عليه.
ماغا في جوهرها، تعبير عن محاولة الخروج من الأزمة متعددة الجوانب ،التي يعيشها المجتمع الأميركي منذ سنوات، و يرى منظروها ان اميركا تهدر مقدراتها الاقتصادية، على بلدان اجنبية و صراعات لا شأن للبلاد فيها، وان الثروة الاميركية يجب ان تخصص لتحسين مستوى الحياة في أمريكا، لا لدعم دول خارجية، بغض النظر عن علاقات الصداقة التي تربطها باميركا. بما في ذلك إسرائيل. من هنا بدأت تظهر أصوات من داخل هذا التيار ، تنتقد الدعم المطلق لإسرائيل من داخل التيار اليميني المحافظ مثل الإعلامي اليميني الشهير ثاكر كارلسون، و عضو الكونغرس عن حزب المحافظين مارجري تايلور غرين.
هؤلا وغيرهم حذروا الرئيس الأميركي من دخول حرب مع إيران ، خلال اجتماعهم به في نيوجيرسي، وقالوا للإعلام حينها بأن لا مصلحة لاميركا في خوض حروب الشرق الأوسط نيابة عن إسرائيل.
صحيح ان المصالح الاميركية- الاسرائيلية الاستراتيجية هي ذات المصالح، لكن ما يراه أنصار هذا التيار، ان اميركا لا يجب ان تنجر الى رغبات إسرائيل في دفعها لخوض حروب غير ضرورية ، وأن هناك طرقا اخرى لتحقيق المصالح الأميركية في المنطقة.
الأهمية الكبرى لهذا التيار ، تنبع من أصوله الفكرية والايديولوجية، فهو تيار ترعرع جزء أساسي منه، في داخل التيار المسيحي الصهيوني، الذي شكل الأساس العقائدي للعلاقة الوثقى مع إسرائيل، و دون قيود أو شروط، وحينما يبدأ النقد من داخل البيت للأساس الذي أقيم عليه، فانه بكل تاكيد يشكل محاولة جادة لتغيير الواقع الداخلي لهذه الأيديولوجية.
لقد بدا ذلك بوضوح في المقابلة التي أجراها كارلسون ، مع السيناتور الأميركي المحافظ تيد كروز، حينما اربكه بسؤاله ، فيما اذا كانت اسرائيل التوراتية هي ذاتها إسرائيل اليوم بحدودها الحالية، في محاولة لنسف الرواية من أساسها . وبغض النظر عن جذرية هذه الحركة ، والى اي مدى يمكنها ان تصل ، فإنها تحاول اليوم بكل ما أوتيت من قوة، ان تبعد الرئيس عن الدولة العميقة قدر الامكان، و عندما نقول الدولة العميقة فهي الأقرب و الأوثق ارتباطا بإسرائيل، حيث تنجح ماغا حينا وتفشل أحيانا أخرى، كما يتضح من خط سير الرئيس السياسي ، ربما لأن عوامل الجذب نحو مستنقع الدولة العميقة لا زال الاقوى، وأدواته مثل ملف ابستين و غيره من الملفات التي لا نعلم عنها شيئا اقوى ، رغم المتغيرات على أهميتها .
2025-08-08
