ماذا لو هاجم ترامب ايران؟
بقلم. يحيا حرب.
السؤال الذهبي اليوم هو: ما الذي يمكن ان يفعله الرئيس الاميركي دونالد ترامب في ربع الساعة الاخير من ولايته في البيت الابيض، ضد الجمهورية الاسلامية؟ واستطرادا كيف سترد ايران على اي عدوان يستهدفها؟ وبالتالي: ماذا ينتظر المنطقة في الايام القليلة المقبلة؟
ولا شك ان الاجابة على مثل هذه الاسئلة من المهمات الصعبة التي تواجه المحللين والباحثين في شؤون المنطقة. وذلك راجع في نسبة كبيرة منه الى طبيعة الجهة التي يجري الحديث عنها، وصعوبة التنبؤ بسلوكها، الذي لا يخضع لقواعد السلوك السوي واسس الاستنتاج والاستقراء المنطقي.
ولكي ندرك جيدا دلالات ومعنى التهديدات الاميركية الاخيرة والسلوك العدواني الفج لهذه الادارة واداتها الصهيونية في المنطقة، لا بد من وضع الامر في اطاره الطبيعي العام. فالجزء لا يفهم بمعزل عن الكل، والصورة لا تتضح بغير المشهد كاملا، وترامب هذا ليس الا تفصيلا صغيرا في استراتيجية اميركا العدوانية.
وما لم يعد مجالا للشك والجدل، ان هذه المجموعة من صناع السياسة الاميركية في هذه المرحلة، وفي مقدمهم الرئيس ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، واخرون من بينهم المستشار جاريد كوشنير ووزير الخارجية مايك بومبيو: تتحكم فيها منظومة من العقد النفسية، الفردية والجماعية، باتت مدار حديث عام.
فالرئيس الاميركي يعاني من مشكلتين رئيسيتين: اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. وبصرف النظر عن التحليلات الكثيرة المنشورة حول تشخيص مرض ترامب النفسي، فان ما يهمنا اعتقاده بأنه مركز العالم والاكثر فهما وقوة وذكاء. وان الاخرين جميعهم اغبياء او ادنى منه.
طبيب الامراض العقلية البروفيسور باندي لي استاذ علم النفس في جامعة ييل الاميركية الذي عالج الاف المرضى ممن يعانون من اعراض مشابهة لتصرفات ترامب، يشير الى انه شخص غير طبيعي، ولا يشعر بالذنب حيال سلوكه العدواني تجاه الاخرين، او استلاب حقوقهم.. ولا يكترث لمعاناتهم.
ولهذا فمن الصعب على ترامب ان يتقبل الهزيمة والخسارة. وانكاره الحالي لنتائج الانتخابات رد فعل طبيعي. فهو يعتقد فعلا ان هناك من سرق النصر، وان النتائج مزورة، وانه ضحية مؤامرة. كما يعتقد انه بامكانه قلب النتائج وتغيير المعادلات دون ان يفكر بانعكاساتها على الاخرين بمن فيهم النظام الاميركي.
وهذه الشخصية المعقدة محببة جدا للصهيونية، التي وجدت فيها نافذة سهلة لتمرير عقيدتها التآمرية، ودعوتها للسيطرة على العالم، وانكار حقوق الاخرين، والاستعلاء الذي يبرر العدوانية ضد الاخر. سواء كان هذا الاخر موظفا في البيت الابيض او دولة او شعبا. فلا احترام لحقوق او مواثيق او علاقات دولية.
الا اننا مع احترامنا لهذه الفرضيات، فاننا لا نميل الى تفسير الاحداث العالمية والسياسات الدولية، بالارادة الفردية، مهما كان للافراد من اثر فاعل على السياسات والعلاقات العامة. فالتاريخ يخضع لمعايير موضوعية، وموازين قوى وتراكم صراعات تؤدي الى انفجارات او تغييرات حادة في المسار العام.
ولا شكّ في أن الامبريالية الأميركية تعاني انحطاطا وتآكلا في الدور والقدرات منذ عقدين من الزمن. ولعل العولمة وما تلاها من أزمة اقتصادية عالمية، والمآسي التي نتجت منها، وأزمة النظام الرأسمالي بشكل عام، هي التي أنتجت ظاهرة الترامبية في الولايات المتحدة، في محاولة لاعادة الاعتبار لقوة متهالكة.
واذا عدنا الى الصراع حول ايران، وهو موضوع اهتمامنا اليوم، فإن الازمة الاميركية تبدو في افضل تجلياتها. وترامب هذا وسياساته العدوانية ليسا الا فصلا صغيرا، في مواجهة ممتدة منذ اربعين عاما، مر فيها سبعة رؤساء اميركيين: كارتر، ريغان، بوش الاب، كلينتون، بوش الابن، اوباما وترامب.
وكل هؤلاء ومئات الوزراء والمستشارين، ومراكز الدراسات والباحثين، انخرطوا في العدوان على الثورة الايرانية، بأساليب مختلفة. من الحرب العسكرية، الى الحروب بالوكالة، الى الحرب الناعمة والحرب الثقافية، وصولا الى الحرب الاقتصادية لتجويع الشعب وخنق النظام وتجفيف موارد الدولة.
لقد شهدت ايران ثورة حقيقية. يمكن وضعها في مصاف الثورات الكبرى في التاريخ الحديث وهي قليلة جدا. ومن البديهي ان تكون لهذه الثورة ترددات عميقة في المجتمع الايراني، وفي المحيط الجغرافي القريب، والعالم. وهو ما كان فعلا، اسوة بما فعلته الثورتان الفرنسية والبلشفية من تاثير لا يزال فاعلا الى اليوم.
وشكلت الثورة الايرانية اكبر التحديات للامبريالية الاميركية، واستطرادا للصهيونية العالمية التي تتحكم بمفاصل رئيسية من مسار النظام العالمي الذي تقوده اميركا. وكان لها تأثير مضاعف على المصالح الامبريالية، نظرا لوجودها في قلب خزانات الطاقة وعلى مقربة من كيان الاحتلال ورأس حربة الامبريالية.
ولا نغالي في القول ان القسم الاكبر من السياسات الاميركية في العقود الاربعة الماضية تمحورت حول ايران، ومخططات مواجهتها او احتوائها او اجهاضها. وأنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها الاقليميون وفي العالم ترليونات الدولارات، في الحروب المتعددة الاشكال ضد الجمهورية الاسلامية.
كما شكلت ايران تحديا فكريا وثقافيا عميقا للثقافة الاميركية، التي جرى العمل على تعميمها باعتبارها ثقافة العالم، مع موجة العولمة بعد سقوط المنظومة الشيوعية. فالثورة الايرانية اعادت الاعتبار لعاملين يؤرقان الامبريالية بشدة: الاسلام كقوة ثورية للتغيير، ودور الشعوب في دفع مسارات التاريخ.
ولم يتوقف اثر الثورة الاسلامية على ايران ودورها الاقليمي، بل شكلت رافعة لانتشار الحركات الاسلامية، واعادة الاعتبار لدور الدين الحقيقي في حياة الشعوب. وامتد هذا الاثر من موريتانيا وعمق افريقيا الى اندونيسيا واطراف اسيا، مرورا بتركيا والشرق الاوسط، قلب العالم، تاريخيا واقتصاديا وجغرافيا.
ان كل الحركات الاسلامية، بصرف النظر عن خلفياتها العقائدية والتنظيمية، استندت الى منطلقات الثورة الاسلامية، بفكرها الديني المستنير والحركة الشعبية الفاعلة. او كانت رد فعل عليها ومحاولة لاستعادة المبادرة منها بمنهجيات مختلفة. وفي كل الاحوال عاد العالم الاسلامي الى صلب المعادلة الدولية.
ان ما كتبه منظرو الامبريالية الاميركية، من امثال فوكوياما وهنتنغتون وسعيهما لشيطنة الاسلام وتشويه صورة المسلمين، واعتبارهم العدو المقبل للغرب، لم يكن موجها للوهابية، ولا لحركة الاخوان بصورتها التقليدية التي جرى استيعابها بعد عقود من المواجهة، بل كان تحديدا ضد الاسلام الثوري المنطلق من ايران.
وتنقلت الحكومات الاميركية بين اشكال الحروب والعدوان لكسر الثورة الايرانية واجهاضها. فحرضت صدام حسين ودعمته في حرب الثماني سنوات. ثم مارست سياسة الاحتواء المزدوج في التسعينات. ولما احتلت القوات الاميركية العراق كان اول اهدافها محاصرة ايران والضغط عليها وتهديدها عسكريا.
بل ان كل حروب المنطقة كانت تستهدف ايران وفكرها التحرري المعادي للامبريالية والصهيونية. من العدوان الصهيوني على لبنان، الى ثورات الربيع العربي، لايجاد بديل عن النهج الاسلامي لتغيير الانظمة المتهالكة، وانتهاء بوحش الارهاب، الخارج من رحم بعض العقائد الاسلامية لتدمير الاسلام والمجتمعات الاسلامية.
ايران ببساطة كانت حاضرة في كل هذه الحروب، اما بصورة مباشرة او غير مباشرة. دون ان ننسى الحرب الناعمة بتحريك المجموعات الارهابية والانفصالية داخل ايران، ومحاولة تفجير “ثورة ملونة” استنادا الى جماعات مدعومة كليا من الخارج، او عبر غزوات عابرة للحدود لارباك الساحة الداخلية.
وما يهمنا الاشارة اليه الحرب الثقافية، التي تمثلت في الضخ الاعلامي لتشويه رموز الثورة وقيمها السياسية. وهو ما اضطلعت به وتبنته الانظمة الرجعية في الخليج، التي حولت ايران الى عدو دون اي مبرر، يفوق بخطره الاعداء الحقيقيين، بل لعلها باتت تبرر بهذا العداء ارتماءها في احضان الصهيونية.
واذا كانت الامبريالية استطاعت تحقيق انجازات في بعض جوانب الحرب الثانوية، ومن بينها حشد عدد من الانظمة، وتوريطها في حروب اثمة وممارسات بشعة، ضد شعوب المنطقة، فان ذلك لم يصب جوهر الصراع ولم ينل من قوة ايران، ولم يمنعها من الصمود بل اضافة المزيد من عناصر القوة.
واذا كانت الامبريالية المتصهينة استطاعت تفكيك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الشيوعية، بعد اربعين عاما من تأسيس هذه المنظومة، فإنها لا تزال عاجزة عن تحقيق هذا الهدف في مواجهة الجمهورية الاسلامية، التي واصلت توسيع نفوذها وحضورها لتصبح محورا اقليميا فاعلا، وركنا اساسيا في النظام العالمي الجديد.
وفي ظل هذه الصورة يمكن ان نقيم الدور الذي يلعبه ترامب وادارته العنصرية! باعتباره جزءا من حرب طويلة هي من عمر الثورة نفسها. ويمكن ان نفهم الرد الايراني كجزء من سياستها الاستراتيجية، التي تقوم على الفعل والتخطيط وليس على ردود الفعل، مع الانتباه للاثر المعنوي وصناعة الرأي العام للتحديات.
ولكن ما يجب لفت النظر اليه، هو حاجة الفريق الصهيوني المحيط بالادارة الاميركية لهذا التصعيد الذي يأخذ شكل استفزاز مثير يدفع المنطقة الى شفا حرب، امتنع ترامب عن خوضها في عز قوته، فكيف يقدم عليها في ايامه الاخيرة؟ سؤال يشغل بال ابناء المنطقة، في ضوء حمق وغطرسة القوة الاميركية.
نعم هو يريد احراج الادارة الجديدة، وادخال تعقيدات اضافية على العلاقة الاميركية الايرانية، تمنع الحوار وترغم الرئيس الجديد على سياسات اكثر راديكالية وعدوانية.. وصحيح ان الصهيونية تريد مراكمة المكاسب وتسخير الادارة الاميركية لمزيد من تقديم الخدمات للكيان الصهيوني وسياساته العدوانية.
لكن الاهم من كل ذلك ان الادارة الاميركية المتصهينة عملت في السنوات الاربع الماضية على اعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة. طرحت صفقة القرن من خارج الادبيات المعروفة في الصراع العربي الاسرائيلي. ومنحت اسرائيل حقوقا لا تملكها في القدس المحتلة والجولان والمستوطنات والدولة اليهودية.
ثم فرضت التطبيع على عدد من الانظمة السياسية الهشة في المنطقة. وغيرت مجرى الصراع تماما بالغاء وجود ودور الشعب الفلسطيني، ليس فقط بتجاهل مقاومته الحية ووصمها بالارهاب، بل حتى باسقاط دور السلطة، واخراجها من المعادلة، وتحويل الخيانة الى وجهة نظر وخيار لدى بعض النخبة العربية.
لكن كل هذه الاجراءات ظلت سطحية وهشة، ولم تخلق واقعا جديدا يغير من موازين القوى، ولم تحسن وضع الكيان الصهيوني رغم المكاسب الظاهرية. اذ ان ما فعلته انها اخرجت المسدس الذي كان في جيبها ووضعته على الطاولة. لان القوى التي انحازت الى التطبيع ليست من القوة الصلبة للمعسكر الاخر.
ومن جهة اخرى فان هذه الوقائع المصطنعة على المشهد في المنطقة، يكفيها مواجهة عسكرية في الاراضي المحتلة او بين الكيان الصهيوني والمقاومة في الخارج، لكي تسقط وتتبدد. بل يكفيها لتذهب سدى، موقف اميركي يتبناه بايدن للعودة الى حل الدولتين والمبادرات السلمية المعروفة حول القدس واللاجئين.
ومن الواضح حتى الان ان ادارة بايدن في هذه الاجواء للموقف الاميركي التقليدي، مدعومة بموقف اوروبي وروسي وصيني، ورأي عام عالمي واسع، لا يزال مصرا على تجريم الاستيطان ورفض تهويد القدس ويهودية الدولة، والتزام الحد الادنى من حقوق الفلسطينيين التي تنسف مشروع صفقة القرن التصفوي.
وغني عن القول ان هذه المواقف العالمية لا تستند الى منطلقات اخلاقية، بل ضمن حدود معينة يمكن وصفها بالواقعية. وهذا يعني انها تنطلق من قوة المقاومة ومحورها الذي تقوده ايران، وتشكل عصبه الرئيسي. هذا المحور الذي لا يمكن تجاوزه في اي حل للقضية الفلسطينية، كما للازمات الاقليمية الاخرى.
ان كل ما بناه ترامب وفريقه الصهيوني والعربي المتصهين لا يعدو كونه عمارة كرتونية لا اساس لها، يمكن ان تسقط في اي لحظة. وهذا التطبيع والفجور لدى البعض في اظهار الود والتحالف مع الكيان الصهيوني، لم يزد عن كونه نشاطا اعلاميا، يسعى الفريق الصهيوني لتعزيزه بالوقائع وازالة مسببات القلق حول انهياره.
وقبل سنوات خاطب الامين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله صاحب الدور المعروف في محور المقاومة، الفلسطينيين بأنه يكفيهم في هذه المرحلة لاسقاط صفقة القرن ان يقولوا لا وان يصمدوا. وهو تقدير حصيف للموقف وثقة بقدرة محور المقاومة على اسقاط هذه الصفقة في سياق المواجهة الاقليمية القائمة.
من هنا يأتي هذا السعار والتصعيد الاميركي الاسرائيلي، للتعبير عن حالة القلق والخسارة المرتقبة لكل ما تم بناؤه والعمل عليه، دون حرب. بل هم يريدون خلق اسباب الحرب عسى ان تكون مدخلا لسياق جديد في العلاقات الدولية والمواقف المتعلقة بالمنطقة. ورد ايران العقلاني بمنع هذه الحرب يصبح مفهوما تماما.
ان الثورة الايرانية باعتبارها احد المنعطفات الاساسية في تاريخ المنطقة، هي ثورة تقدمية، لانها تماشي سنن التاريخ، او ما تسميه الفلسفات العلمانية الحتمية التاريخية.. وتتموضع في الجانب الصحيح من حركة البشرية في سعيها للتحرر والعدالة وارساء منهج القيم، ولهذا فهي حركة منتصرة وتسير في خط تصاعدي.
وكل السياسات الاميركية هي مجرد جمل اعتراضية في النص، ومحاولة لتأخير الوصول الى النتائج الحتمية التي تمليها السنن الالهية. ولهذا فهي رجعية وتفتضح طبيعتها كل يوم. ومرحلة ترامب ظهَّرت حقيقة هذه الامبريالية على السطح، فبانت عنصريتها وديكاتوريتها وتسخيفها لشعاراتها حول الديمقراطية.
لقد قتل ترامب قادة الجهاد ضد الارهاب، الحاج قاسم سليماني والحاج ابو مهدي المهندس ورفاقهما. وقتلت اسرائيل العالم فخري زادة. وقبلها قتلت اسرائيل قادة لبنانيين وفلسطينيين كبارا. لكن المقاومة لم تضعف ولا القدرة العلمية في ايران انهارت. ولا تزال اميركا واسرائيل تشعران بالتهديد الوجودي في المنطقة.
واليوم قد يقدم النظام الصهيوني على ارتكاب جريمة ارهابية اخرى فهذا ديدنه. وقد يتمكن ترامب من توجيه ضربة لموقع ايراني او القيام باغتيال اخر.. والكل يعلم ان بمقدور ايران او اي جهة اخرى ان تقوم بمثل هذه العمليات. لكن السؤال في اي سياق يجري ذلك ولخدمة اي هدف تكون التضحيات.
يقينا ان ايران منتصرة وهي تقود اليوم حركة التحرر الوطني العربية والاسلامية، لمواجهة التسلط والتبعية للامبريالية. ويقينا ان الثورة الايرانية تدفع حركة التاريخ الى الامام، وقد باتت جزءا اساسيا من المعادلة الدولية في سبيل اقامة عالم جديد متعدد الاقطاب متوازن المصالح.
والايام القادمة القادمة ستشهد انتقالا دراماتيكيا للسلطة في البيت الابيض. ومن المتوقع ان يقدم الرئيس بايدن على ازالة كل ما بناه ترامب، في المنطقة والعالم. فاذا فعل فانه يكون قد اجهض المخطط الصهيوني الانجيلي، واعاد العالم الى منطقة اخرى من الصراع. واذا لم يفعل ستعود الشعوب الى المواجهة والرد على الاعتداءات.
والانتظار وعدم اعطاء الفريق الصهيوني الذريعة، ليست فقط جزءا من الصبر الاستراتيجي على المكاره، ووضع التكتيك دائما في خدمة الاستراتيجيا، بل هو مبني على معطيات واقعية. فالعالم كله يريد العودة الى مرحلة ما قبل ترامب، وبايدن لا يفعل ذلك تنكرا لصهيونيته ولا خدمة لنا، ولكنه يفعل في سياق دولي عام.
ومن الحكمة وضع المواجهة مع الامبريالية في السياق التاريخي العام ما دام ذلك ممكنا. ولا شك ان المقاومة هي الادرى بمعادلات الردع، وهي سواء في لبنان او على المستوى الاقليمي لن تسمح بتغييرها، ولكن الفوائد المرجوة من التغيرات العالمية كفيلة باعادة هذا التوازن، مهما بلغ حجم الالم ما دامت التضحيات في المسار الصحيح.
[13:35, 2020-12-25] كاظم الموسوي: اي مبرر، يفوق بخطره الاعداء الحقيقيين، بل لعلها باتت تبرر بهذا العداء ارتماءها في احضان الصهيونية.
واذا كانت الامبريالية استطاعت تحقيق انجازات في بعض جوانب الحرب الثانوية، ومن بينها حشد عدد من الانظمة، وتوريطها في حروب اثمة وممارسات بشعة، ضد شعوب المنطقة، فان ذلك لم يصب جوهر الصراع ولم ينل من قوة ايران، ولم يمنعها من الصمود بل اضافة المزيد من عناصر القوة.
واذا كانت الامبريالية المتصهينة استطاعت تفكيك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الشيوعية، بعد اربعين عاما من تأسيس هذه المنظومة، فإنها لا تزال عاجزة عن تحقيق هذا الهدف في مواجهة الجمهورية الاسلامية، التي واصلت توسيع نفوذها وحضورها لتصبح محورا اقليميا فاعلا، وركنا اساسيا في النظام العالمي الجديد.
وفي ظل هذه الصورة يمكن ان نقيم الدور الذي يلعبه ترامب وادارته العنصرية! باعتباره جزءا من حرب طويلة هي من عمر الثورة نفسها. ويمكن ان نفهم الرد الايراني كجزء من سياستها الاستراتيجية، التي تقوم على الفعل والتخطيط وليس على ردود الفعل، مع الانتباه للاثر المعنوي وصناعة الرأي العام للتحديات.
ولكن ما يجب لفت النظر اليه، هو حاجة الفريق الصهيوني المحيط بالادارة الاميركية لهذا التصعيد الذي يأخذ شكل استفزاز مثير يدفع المنطقة الى شفا حرب، امتنع ترامب عن خوضها في عز قوته، فكيف يقدم عليها في ايامه الاخيرة؟ سؤال يشغل بال ابناء المنطقة، في ضوء حمق وغطرسة القوة الاميركية.
نعم هو يريد احراج الادارة الجديدة، وادخال تعقيدات اضافية على العلاقة الاميركية الايرانية، تمنع الحوار وترغم الرئيس الجديد على سياسات اكثر راديكالية وعدوانية.. وصحيح ان الصهيونية تريد مراكمة المكاسب وتسخير الادارة الاميركية لمزيد من تقديم الخدمات للكيان الصهيوني وسياساته العدوانية.
لكن الاهم من كل ذلك ان الادارة الاميركية المتصهينة عملت في السنوات الاربع الماضية على اعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة. طرحت صفقة القرن من خارج الادبيات المعروفة في الصراع العربي الاسرائيلي. ومنحت اسرائيل حقوقا لا تملكها في القدس المحتلة والجولان والمستوطنات والدولة اليهودية.
ثم فرضت التطبيع على عدد من الانظمة السياسية الهشة في المنطقة. وغيرت مجرى الصراع تماما بالغاء وجود ودور الشعب الفلسطيني، ليس فقط بتجاهل مقاومته الحية ووصمها بالارهاب، بل حتى باسقاط دور السلطة، واخراجها من المعادلة، وتحويل الخيانة الى وجهة نظر وخيار لدى بعض النخبة العربية.
لكن كل هذه الاجراءات ظلت سطحية وهشة، ولم تخلق واقعا جديدا يغير من موازين القوى، ولم تحسن وضع الكيان الصهيوني رغم المكاسب الظاهرية. اذ ان ما فعلته انها اخرجت المسدس الذي كان في جيبها ووضعته على الطاولة. لان القوى التي انحازت الى التطبيع ليست من القوة الصلبة للمعسكر الاخر.
ومن جهة اخرى فان هذه الوقائع المصطنعة على المشهد في المنطقة، يكفيها مواجهة عسكرية في الاراضي المحتلة او بين الكيان الصهيوني والمقاومة في الخارج، لكي تسقط وتتبدد. بل يكفيها لتذهب سدى، موقف اميركي يتبناه بايدن للعودة الى حل الدولتين والمبادرات السلمية المعروفة حول القدس واللاجئين.
ومن الواضح حتى الان ان ادارة بايدن في هذه الاجواء للموقف الاميركي التقليدي، مدعومة بموقف اوروبي وروسي وصيني، ورأي عام عالمي واسع، لا يزال مصرا على تجريم الاستيطان ورفض تهويد القدس ويهودية الدولة، والتزام الحد الادنى من حقوق الفلسطينيين التي تنسف مشروع صفقة القرن التصفوي.
وغني عن القول ان هذه المواقف العالمية لا تستند الى منطلقات اخلاقية، بل ضمن حدود معينة يمكن وصفها بالواقعية. وهذا يعني انها تنطلق من قوة المقاومة ومحورها الذي تقوده ايران، وتشكل عصبه الرئيسي. هذا المحور الذي لا يمكن تجاوزه في اي حل للقضية الفلسطينية، كما للازمات الاقليمية الاخرى.
ان كل ما بناه ترامب وفريقه الصهيوني والعربي المتصهين لا يعدو كونه عمارة كرتونية لا اساس لها، يمكن ان تسقط في اي لحظة. وهذا التطبيع والفجور لدى البعض في اظهار الود والتحالف مع الكيان الصهيوني، لم يزد عن كونه نشاطا اعلاميا، يسعى الفريق الصهيوني لتعزيزه بالوقائع وازالة مسببات القلق حول انهياره.
وقبل سنوات خاطب الامين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله صاحب الدور المعروف في محور المقاومة، الفلسطينيين بأنه يكفيهم في هذه المرحلة لاسقاط صفقة القرن ان يقولوا لا وان يصمدوا. وهو تقدير حصيف للموقف وثقة بقدرة محور المقاومة على اسقاط هذه الصفقة في سياق المواجهة الاقليمية القائمة.
من هنا يأتي هذا السعار والتصعيد الاميركي الاسرائيلي، للتعبير عن حالة القلق والخسارة المرتقبة لكل ما تم بناؤه والعمل عليه، دون حرب. بل هم يريدون خلق اسباب الحرب عسى ان تكون مدخلا لسياق جديد في العلاقات الدولية والمواقف المتعلقة بالمنطقة. ورد ايران العقلاني بمنع هذه الحرب يصبح مفهوما تماما.
ان الثورة الايرانية باعتبارها احد المنعطفات الاساسية في تاريخ المنطقة، هي ثورة تقدمية، لانها تماشي سنن التاريخ، او ما تسميه الفلسفات العلمانية الحتمية التاريخية.. وتتموضع في الجانب الصحيح من حركة البشرية في سعيها للتحرر والعدالة وارساء منهج القيم، ولهذا فهي حركة منتصرة وتسير في خط تصاعدي.
وكل السياسات الاميركية هي مجرد جمل اعتراضية في النص، ومحاولة لتأخير الوصول الى النتائج الحتمية التي تمليها السنن الالهية. ولهذا فهي رجعية وتفتضح طبيعتها كل يوم. ومرحلة ترامب ظهَّرت حقيقة هذه الامبريالية على السطح، فبانت عنصريتها وديكاتوريتها وتسخيفها لشعاراتها حول الديمقراطية.
لقد قتل ترامب قادة الجهاد ضد الارهاب، الحاج قاسم سليماني والحاج ابو مهدي المهندس ورفاقهما. وقتلت اسرائيل العالم فخري زادة. وقبلها قتلت اسرائيل قادة لبنانيين وفلسطينيين كبارا. لكن المقاومة لم تضعف ولا القدرة العلمية في ايران انهارت. ولا تزال اميركا واسرائيل تشعران بالتهديد الوجودي في المنطقة.
واليوم قد يقدم النظام الصهيوني على ارتكاب جريمة ارهابية اخرى فهذا ديدنه. وقد يتمكن ترامب من توجيه ضربة لموقع ايراني او القيام باغتيال اخر.. والكل يعلم ان بمقدور ايران او اي جهة اخرى ان تقوم بمثل هذه العمليات. لكن السؤال في اي سياق يجري ذلك ولخدمة اي هدف تكون التضحيات.
يقينا ان ايران منتصرة وهي تقود اليوم حركة التحرر الوطني العربية والاسلامية، لمواجهة التسلط والتبعية للامبريالية. ويقينا ان الثورة الايرانية تدفع حركة التاريخ الى الامام، وقد باتت جزءا اساسيا من المعادلة الدولية في سبيل اقامة عالم جديد متعدد الاقطاب متوازن المصالح.
والايام القادمة القادمة ستشهد انتقالا دراماتيكيا للسلطة في البيت الابيض. ومن المتوقع ان يقدم الرئيس بايدن على ازالة كل ما بناه ترامب، في المنطقة والعالم. فاذا فعل فانه يكون قد اجهض المخطط الصهيوني الانجيلي، واعاد العالم الى منطقة اخرى من الصراع. واذا لم يفعل ستعود الشعوب الى المواجهة والرد على الاعتداءات.
والانتظار وعدم اعطاء الفريق الصهيوني الذريعة، ليست فقط جزءا من الصبر الاستراتيجي على المكاره، ووضع التكتيك دائما في خدمة الاستراتيجيا، بل هو مبني على معطيات واقعية. فالعالم كله يريد العودة الى مرحلة ما قبل ترامب، وبايدن لا يفعل ذلك تنكرا لصهيونيته ولا خدمة لنا، ولكنه يفعل في سياق دولي عام.
ومن الحكمة وضع المواجهة مع الامبريالية في السياق التاريخي العام ما دام ذلك ممكنا. ولا شك ان المقاومة هي الادرى بمعادلات الردع، وهي سواء في لبنان او على المستوى الاقليمي لن تسمح بتغييرها، ولكن الفوائد المرجوة من التغيرات العالمية كفيلة باعادة هذا التوازن، مهما بلغ حجم الالم ما دامت التضحيات في المسار الصحيح.
[13:35, 2020-12-25] السياق التاريخي العام ما دام ذلك ممكنا. ولا شك ان المقاومة هي الادرى بمعادلات الردع، وهي سواء في لبنان او على المستوى الاقليمي لن تسمح بتغييرها، ولكن الفوائد المرجوة من التغيرات العالمية كفيلة باعادة هذا التوازن، مهما بلغ حجم الالم ما دامت التضحيات في المسار الصحيح
2020-12-25