مائة عام من صراع الدم والدين قراءة في التاريخ السري لخوارج الزمن الجديد : جماعة الاخوان وأخواتها الحلقة الاولي!
د.رفعت سيد أحمد
روائح الدم في العصر الملكي هى قصة طويلة، معقدة، متداخلة الحلقات، والأبعاد، إنها قصة (تنظيمات العنف الدينى) بأنواعها وأفعالها ومؤثراتها المختلفة على المجتمع المصرى، وهى قصة توظيف الدين (الدين الإسلامى تحديداً) فى لعبة الأمم بالمنطقة وفى قلبها مصر: توظيفه فى السياسة بمعانيها الشاذة والقاتلة، وليس السياسة بالمفهوم الحضارى الإسلامى. إنها قصة طويلة تعود إلى زمن الخوارج فى صدر الإسلام الأول، وظلت تتنامى إلى أن استفحلت فى غالب بلداننا العربية والاسلامية، لتنتج (داعش) و(القاعدة) و(الاخوان) ومن شابههم.
وفى هذه القراءة التي ستمتد الي خمس حلقات سوف نذهب الي التاريخ والممتد لقرابة مائة عام منذ نشأة جامعة الاخوان عام 1928 وصولا الي وقتنا الحاضر (2023) ..وسوف نستند بالاساس في هذة القراءة علي موسوعتنا الوثائقية التي صدرت قبل أيام والمعنونة ب (تنظيمات العنف الديني في مصر 1928-2018- التحقيقات السرية الكاملة مع الاخوان والجماعات المسلحة ) والتي يصل عدد صفحاتها الي 2500 موزعة علي ستة مجلدات من القطع الكبير وتغطي ستة عصور تاريخية : من العصر الملكي حتي العام 2018 وهو عمل استغرق في توثيقه خمس سنوات كاملة ، فماذا يقول التاريخ السري لتلك الجماعات الارهابية والتي عمودها الفقري والخيمة الجامعة لهم هي (جماعة الاخوان )؟ *******.
إن طريق العنف الإسلامى المسلح فى مصر كان ولايزال هو الطريق الفعلى لتشويه الإسلام وخطفه إلى مسارب شاذة، تضر بالدين وبالوطن معاً. لقد بدأ هذا الطريق- وفقا لحقائق ووثائق التاريخ – مع إنشاء جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، ثم تطور لاحقاً فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى حين أنشئوا تنظيمات سرية تحت عنوان أفرع (الرحلات) و(الجوالة) ثم بناء التنظيم الخاص عام 1942، وهو التنظيم الذى ارتكب عشرات الجرائم قبل ثورة يوليو 1952، وبعدها، ومن هذه الجرائم التي فصلها وبالوثائق التاريخية المجلد الاول من الموسوعة :
1- مصرع أحمد ماهر – فبراير سنة 1945
2- نسف سينما ميامى – مايو سنة 1946
3- نسف سينما مترو – مايو سنة 1947
4- مصرع الإمام يحيى – فبراير سنة 1948
5- مصرع الخازندار – مارس سنة 1948
6- نسف حارة اليهود – يونيه سنة 19487- نسف شارع فؤاد – يوليه سنة 1948
8- نسف عدس وبنزايون – أغسطس سنة 1948 9- نسف شركة الاعلانات – 12 نوفمبر سنة 1948
10- حادث السيارة الجيب – 15 نوفمبر سنة 1948
11- مصرع النقراشى – ديسمبر سنة 1948
12- محاولة نسف محكمة الاستئناف – يناير سنة 1949
13- جرائم الأوكار – أبريل سنة 1949
14- اغتيال حامد جودة (رئيس مجلس النواب )– 5 مايو سنة 1949 .******
هذا التاريخ الدامي لللاخوان بدأ مع إنشاء ما يسمي ب(النظام الخاص وهو التنظيم السرى المسلح للإخوان)عام 1942 والذى على يديه ارتكبت عشرات الاعمال الارهابية الداخلية على عكس ما قالت وثائقهم الكاذبة التى إدعوا فيها أن هدفه كان قتال الانجليز واليهود وهو ما لم يحدث أبداً، فماذا عن هذا التنظيم السري الإخواني ؟لقد حدد محمد خميس حميدة نائب المرشد العام للإخوان المسلمين تاريخ نشأة هذا النظام بأنه حوالي سنة 1942 أو قبل كده” – وفقاً لأقواله أمام محكمة الشعب عام 1954 – وهو تاريخ يناسب مجري الأحداث التي نحن بصددها يضاف إلى ذلك أن الصاغ (رائد)محمود لبيب الذى كشفت محاكمات الإخوان عام 1954 أنه صاحب الفكرة فى تكوين هذا النظام كان فى تلك الأثناء مفتشا عاما لفرق الجوالة التى كانت هى الأساس للبنية الأولى لهذا التنظيم.)
ويؤكد التاريخ السري للاخوان أن مؤسس الجماعة (حسن البنا)، سعي من خلال التنظيم الخاص، لإنشاء «جيش بديل» عن الجيش المصري، هو «جيش المسلمين»، طبقاً لما أكده البنا، وكذلك محمود الصباغ أحد قيادات هذا الجيش في أربعينات القرن العشرين.
وقد ذكر حسن البنا في إحدى رسائله الموجهة للتنظيم الخاص، وهي رسالة «المنهج» التي رسم فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب ونموها، أن العدد المستهدف لهذا الجيش في مرحلته هذه هو اثنا عشر ألفاً، مضيفاً: «ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة»..
* إن جوهر فكرة (النظام الخاص) الإرهابية هى عينها ما طبقته القاعدة وداعش فى الفترة الراهنة من تاريخنا.. إنه منبع واحد للارهاب المسلح هكذا تقول الوثائق والتحقيقات التى ارتبطت بقضايا الاغتيالات والارهاب التى ارتكبها التنظيم السرى للاخوان المعروف باسم النظام الخاص والتي من أبرزها وفقا لموسوعة (تنظيمات العنف الديني في مصر ):
1- اغتيال أحمد ماهر باشا
في أكتوبر ١٩٤٤ فاجأ الملك فاروق الجميع بتكليفه أحمد ماهر باشا بتشكيل الوزارة التي تألفت من السعديين والأحرار الدستوريين والحزب الوطني والكتلة الوفدية، وخرج مكرم عبيد من السجن ليأتي وزيراً تحت رئاسة خصمه القديم، ثم أتت وزارة أحمد ماهر الثانية في ١٥ فبراير عام ١٩٤٥ لتواجه إشكالية إعلان الحرب على المحور للاشتراك في مؤتمر سان فرانسيسكو.
الاغتيال:
يوم السبت ٢٤ فبراير ١٩٤٥، وما إن ألقى أحمد ماهر بيانه أمام مجلس النواب وهمَّ بالانتقال إلى مجلس الشيوخ، في البهو الفرعوني حتى تقدم منه محمود العيسوي حيث أطلق الرصاص عليه فمات على الفور.
و محمود العيسوي كان محاميا شابا يتمرن في مكتب المحامي عبد المقصود متولي احد الأعضاء البارزين في الحزب الوطني. وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على اغتيال ماهر إذ بكشفين مهمين أو اعترافين :الأول جاء على لسان السيد سابق في جريدة (المسلمون)، بأن اغتيال أحمد ماهر نفذه التنظيم الخاص للجماعة وان العيسوي كان منخرطا في التنظيم الخاص بشكل سري حتى وان تصور الجميع انه منخرط بالحزب الوطني وكانت العملية نموذجا لدقة التخطيط وإتقان التنفيذ فضلا عن الكتمان وخطورة شهادة السيد سابق انه كان عضوا فاعلا في التنظيم الخاص، أما الشهادة الثانية فقد جاءت من الشيخ الباقوري الذي كتب ذكرياته في صحيفة المسلمون أيضًا ثم صدرت في كتاب عن مركز الأهرام للترجمة والنشر وفيها يقطع بان جريمة اغتيال ماهر كانت بتخطيط وتنفيذ الجهاز الخاص للجماعة وأهمية هذه الشهادة تأتي من أن الباقوري لم يكن شخصا عاديا في الجماعة، بل كان عضوا بارزا بمكتب الإرشاد ومرشحا قويا لخلافة البنا بعد اغتياله يضاف إلى ذلك أن الباقوري من الذين شملهم الاعتقال بعد الاغتيال فكان مطلعًا على القضية بحكم ما تعرض له وهو سياسي أيضًا ويعرف ويعي ما يقول ويبدو إن الرجل آثر أن يقول كلمته قبل أن يمضي إلى ربه .
2- مقتل السيد فايز أحد قادة الاخوان المنشقينفي 20/11/1953: بعدما قام البنا بتعيين سيد فايز مسؤولاً عن الجهاز الخاص بدلاً من عبد الرحمن السندي،ثم قرر الهضيبي تثبيت هذا الوضع رسميا داخل الجماعة عام 1953 قرر الأخير(السندي) اغتيال أخيه في الدعوة الذي جاء ليزيحه عن مكانه، فأرسل إليه بعلبة من الحلوى في ذكرى المولد النبوي الشريف، وعندما حاول سيد فايز فتحها انفجرت في وجهه ومعه شقيقه فأردته قتيلاً في الحال، وأسقطت جدار الشقة 3- اغتيال المستشار أحمد الخازندار:
تم الاغتيال يوم 22 مارس 1948 “في صبيحة هذا اليوم – كما يقول عبدالعزيز كامل أحد قادة الاخوان فى مذكراته – انه يقصد يوم مقتل القاضي الخازندار في الثاني والعشرين من مارس 1948 – بينما كان المستشار أحمد الخازندار في طريقه من منزله في حلوان إلى عمله، عاجله اثنان من شباب الإخوان بإطلاق النار عليه فأردياه قتيلا، وأمكن القبض على الاثنين: محمود زينهم وحسن عبد الحافظ.
4- اغتيال النقراشى باشا:
محمود فهمي النقراشي باشا (26 أبريل 1888 – 28 ديسمبر 1948) هو رئيس وزراء مصري، ومن قادة ثورة 1919 في مصر. ترأس الوزارة مرتين. اغتيل في 28 ديسمبر 1948 على يد الاخوانى عبد المجيد أحمد حسن.
5- قضية السيارة الجيب:
وقعت أحداث القضية فى 15/11/1948 وصدر الحكم فيها فى 1950
6- قضية نسف محكمة الاستئناف
* فى أجواء حرب 1948 وقعت أحداث مهمة من قبل تنظيمات الإرهاب المسلح ومنها قضية السيارة الجيب التابعة للإخوان المسلمين في 15 نوفمبر 1948 ثم حل الجماعة في 8 من ديسمبر ،فكان نتيجة ذلك تنفيذ النظام الخاص للإخوان قتل النقراشي في 28 من ديسمبر .
وتصاعدت حدة التوتر بين الإخوان وحكومة إبراهيم عبد الهادي وقاموا بمحاولات إرهاب جديدة ومنها محاولة نسف محكمة الاستئناف وعن وقائع القضية تقول الأوراق أنه في 13 يناير1949 حاول شفيق إبراهيم أنس (22 عاما ) إحراق غرفة التحقيق التي يحتفظ فيها بأوراق قضية السيارة الجيب وفيها ملف القضية وكل أحرازها، وكان شفيق يعمل موظفا في أرشيف وزارة الزراعة ،وقام بالإعداد لمهمة إحراق أوراق السيارة الجيب بعض أفراد النظام الخاص للإخوان ، وتولى تنفيذ المهمة كما سبق شفيق إبراهيم أنس ، وقد قدم أفراد النظام .
ذهب شفيق يحمل حقيبة مليئة بالمتفجرات متظاهرا بأنه من وكلاء النيابة في الأقاليم ، وقد جاء ببعض التحقيقات المهمة لعرضها علي النائب العام.
كان وصوله في وقت مبكر قبل موعد حضور المحققين والقضاة والمتقاضين, وسأل عن النائب العام ؛ فقيل له إنه لم يحضر بعد, فقال إنه سيترك الحقيبة حتى يتناول إفطاره ويعود, وترك طربوشه مع الحقيبة وانصرف.
وما كاد يفعل حتى اشتبهت النيابة العامة في أمر الحقيبة ، فقد كانت حوادث الانفجارات تقع من حين لآخر, فحملوا الحقيبة إلى خارج المبنى ووضعوها أمامه في ميدان باب الخلق حيث انفجرت , وانطلقوا في أثر شفيق حتى قبضوا عليه.
***
* تلك نماذج من الأعمال الإرهابية للتنظيم السرى لجماعة الإخوان المسلمين قبل ثورة 1952 ، وهى أعمال استمرت لاحقاً فى زمن عبدالناصر – السادات – مبارك – السيسى، وفي الحلقات القادمة ، سنكتشف أن (النبع) الذى استقت منه جماعات العنف المسلح فهمها الشاذ للعمل الإسلامى، وللعمل السياسى، وهو الفهم المسلح، كان نبعه واحد، منذ إنشاء التنظيم الخاص للإخوان (1942) وحتى داعش ولاية سيناء.!!!
2023-04-07