لماذا يحرقون القرآن – 2!
د. عمر ظاهر

لم يعد حرق القرآن مقتصرا على الدنماركي المتخلف عقليا راسموس بالودان. خرج علينا الآن عراقي، وآخر مصري ليفعلا الشيء المشين ذاته. هل هي حمى الربع؟ هل هي موضة؟ هل هي تجارة رابحة؟ أم ماذا؟
ما القضية، إذن؟
قبل أكثر من قرن من الزمان قال الزعيم الروسي العظيم فلاديمير لينين أن الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية. إنه لم يقل “آخر مراحل الرأسمالية”، بل أعلاها.
متى بدأت تلك المرحلة “الأعلى”؟ ربما على أيام لينين نفسه، وربما قبله.
وما هي آخر مراحل الرأسمالية؟ هل جرى طرح هذا السؤال؟
على ما يبدو فإن هذه هي المرحلة التي يبدأ فيها تفسخ قيم الرأسمالية المزعومة – التي كانت تبدو إنسانية قياسا إلى قيم الإقطاعية. وربما يرتبط ذلك التفسخ بانهيار الكيان التسلطي للرأسمالية الذي يتمحور حول الجنيه الاسترليني، سابقا، والدولار حاليا.
في كل الأحوال هناك نهاية للنظام الرأسمالي. كنا في الماضي نحسب أن الاشتراكية هي التي ستأتي بعدها، أما اليوم فلسنا متأكدين من ذلك! لكننا بالمقابل متأكدون من أن نهاية الرأسمالية آتية لا ريب فيها، وأنها هي، أي الرأسمالية، من تجلب هذه النهاية لنفسها. وهذه النهاية قد بدأت بالفعل.
وهنا علينا أن نعود قليلا إلى الوراء لنرى أول هزيمة تاريخية ضربت الامبريالية الأمريكية بعنف، وأدت إلى تزعزع كيانها. تلك كانت الهزيمة المدوية في الفيتنام عام 1975.
في تقديري المتواضع فإن آخر مراحل الرأسمالية بدأت، نظريا، هناك في ذلك العام مع الهزيمة التي ٍسجلت في تاريخ أمريكا باعتبارها هزيمة غير مفهومة على ضوء كون أمريكا القوة العسكرية الأولى في العالم إزاء شعب بسيط لا يملك إلا إرادته الحرة وإصراره على دحر الغزاة المعتدين.
هناك بدأ التشوش في العقل الامبريالي، وبدأ إحساس الامبرياليين بقرب زوال نظامهم، الأمر الذي أدى إلى تحول استراتيجي كبير في خططهم للمواجهة مع من حفزتهم الهزيمة الأمريكية في الفيتنام لمقاومة التسلط الامبريالي، الأمريكي – البريطاني. كانت الاستراتيجية الجديدة تقوم على خلط الأوراق، ونشر الفوضى في العالم، وتغيير المفاهيم. وجاءت تباشير تلك الاستراتيجية عام 1988 بإبراز كتاب الهندي سلمان رشدي “آيات شيطانية” على مسرح الأدب، وإقحامه في عالم السياسة.
هل كان ذلك الحدث حقا بداية تفسخ القيم الرأسمالية المزعومة؟ تماما.
كانت الهزيمة في الفيتنام ترجع إلى عاملين أساسيين فاعلين في السياسة الدولية، وكان الاتحاد السوفيتي، ثمرةُ نضال لينين، هو من أدخلهما في الفكر الإنساني العالمي، وفرضهما على مسرح الصراعات في العالم، وأديا إلى هبة عالمية في وجه الامبريالية.
أما العامل الأول فكان مفهوم “الصراع الطبقي” الذي ينطلق من واقع أن العالم منقسم إلى أغنياء وفقراء، رأسماليين لصوص من جهة، وعمال وفلاحين منتجين مستغَلين من جهة أخرى. وهناك صراع من أجل العدالة الاجتماعية، ووقف الاستغلال الامبريالي الوحشي للشعوب.
شعوب الأرض آمنت كلها بالصراع الطبقي.
وأما العامل الثاني فهو أيضا من إنجازات الاتحاد السوفيتي الذي شجع “حركات التحرر” الوطنية على محاربة الامبريالية، وتحقيق الاستقلال الوطني، وبناء الدولة الوطنية، ووقف النهب الامبريالي لثروات الشعوب.
الرأسمالية دخلت آخر مراحلها بمحاولة محو هذين المفهومين، أي “الصراع الطبقي”، والمرتبط ارتباطا وثيقا بـ “التحرر” من الأمبريالية، وإحلال مفاهيم جديدة في السياسة الدولية، حتى لو كانت تلك المفاهيم الجديدة تناقض الأسس الكلاسيكية المعلنة للرأسمالية.
الكاتب الهندي سلمان رشدي كان أول أداة للإعلان عن بدء التفسخ. تماما مثلما أصبح الاحتكار بديلا لحرية التجارة، وهي من المبادئ الاقتصادية الكلاسيكية للرأسمالية، صار الانحطاط الفكري واللغة السوقية الهابطة بديلا عن التيارات الفكرية الراقية التي خرجت في ظل الرأسمالية، وانتعشت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بما في ذلك الوجودية.
بالتوازي مع ظاهرة سلمان رشدي، وزوال الاتحاد السوفيتي، لمسنا أول إرهاصات تقسيم جديد للعالم على أساس مفهوم “صراع الحضارات”، بدلا من “الصراع الطبقي”، ومفهوم “الإرهاب” بدلا من “حركات التحرر”، حتى إذا حل عام 2001 أصبح هذا التقسيم رسميا وشاملا، فأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تقسيم العالم، إلى معسكرين “معنا أو ضدنا”، فالعملاء “معنا” أي مع أمريكا، ومن يعاديها صار يصنف كإرهابي “ضدنا”. وبدأ بذلك عهد خلق الفوضى بعدما كان الاستقرار شرطا من شروط ازدهار الرأسمالية!
وهنا فإن النفاق الرأسمالي في التحالف مع الكنيسة ومع المجاهدين في أفغانستان ضد الشيوعية الملحدة! انكشف تماما، وأصبح المجاهدون، حلفاء وعملاء الأمس، أعداءًا، وباتوا في معسكر “ضدنا”.
إن الرأسمالية لم تكن في يوم من الأيام متدينة، ولا أدل على ذلك من حربها على الكنيسة منذ أواسط القرن التاسع عشر، بتسويق نظرية مهلهلة كتلك التي نُسبت إلى البريطاني الكسول تشارلز داروين. لقد كان تشارلز داروين بالنسبة للمسيحية الصورة الأصلية التي استنسخت منها صورة سلمان رشدي بالنسبة للإسلام. إن الرأسمالية كانت عازمة على القضاء على المسيحية لولا أنها، بظهور الشيوعية وتشكل أحزابها، صارت تشعر بالحاجة إلى دعم الكنيسة لمحاربة المد الشيوعي، فأجلت مشروع التخلص من المسيحية إلى حين.
طبعا، فإن عملية إحلال مفاهيم جديدة محل المفاهيم القديمة متواصلة، ولعل التركيز غير العادي على مسألة “المثلية الجنسية” حلقة جديدة في هذه السلسلة، وكأن البشرية لم تعد تفكر بصيغة أغنياء مقابل فقراء، بل بصيغة متحضرين يدعمون المثلية، ومتخلفين يعادونها. لا بد من التنويه هنا إلى أن ظاهرة المثلية، والشذوذ الجنسي قديمة قدم كل الظواهر الجنسية الأخرى، التي وجدت عبر كل مراحل التاريخ الإنساني، جنبا إلى جنب مع بيع النساء للجنس – وستبقى أيضا إلى يوم يُبعثون. ونحن متفقون جميعا على أن أية ظاهرة مهينة للإنسان ليست أقل همجية من أية ظاهرة أخرى مهينة للإنسان. الغريب هو أن يأتي الآن من يريد أن يجعل من المثلية الجنسية فارقا حضاريا، يميل التمدن فيه والحق إلى جانب المثلية، فيجري رفعها إلى ما هو أهم من الصراع الطبقي، وحركات التحرر. بمبادرة من الدول الرأسمالية يراد اليوم تقسيم العالم إلى معسكرين، أحدهما معسكر المثليين ومن معهم، والآخر معسكر أعداء المثلية. مرة أخرى “معنا أو ضدنا”.
إن تكرر حالات استفزاز العالم الإسلامي، وذلك بالازدراء بمقدساته، يقع ضمن إطار تفسخ قيم الرأسمالية، ومحاولاتها لنشر الفوضى في العالم، وترسيخ صراعات غير الصراع الأزلي القائم بين الأغنياء وبين الفقراء، الصراع الطبقي. إنهم يريدون تقسيم العالم إلى معسكرين: معسكر يؤيد حرية التعبير فيحرق القرآن، ومعسكر من لا يؤمنون بحرية التعبير فيرفضون حرق القرآن – القرآن وليس أي كتاب غيره!!
ونحن إذ نتخذ موقفا من هذه المحاولات، فإننا إضافة إلى فضح المحاولات الأخرى المتعلقة بما يسمى “الإرهاب”، علينا أن نؤكد أن القرآن ليس مجرد ورق حتى ينتهي أمره بالحرق. القرآن لن يحترق لأنه يعتبر حتى من وجهة نظر الذين يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة، أرقى نتاج فكري على مدى تاريخ البشرية. ومن هنا أصلا التركيز عليه وعلى معاداته إلى حد الإقدام على حرقه.
يتبع غدا
2023-07-11