لماذا لم تستسلم إيران…؟
سعادة مصطفى أرشيد*
يتبادل التأزّم والانفراج الأدوار في الأزمة التي تعصف بالشرق الأوسط وتشغل العالم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتسير وفق دهاليز انعدام اليقين في مسارين متعاكسين في الوقت ذاته، مسار التفاوض الذي يرسل إشارات بأنّ انفراجاً قد حدث وإنْ كان يسير ببطء ولكن باتجاه الوصول إلى تسوية. وكانت آخر هذه الإشارات ما صدر عن وزير الخارجية العُماني بأنّ جولة مفاوضات ستُعقد يوم بعد غد الخميس في جنيف – سويسرا.
وفي السياق ذاته يرى الوزير عباس عراقجي أنّ الحلّ الدبلوماسيّ لا يزال ممكناً لا بل هو الخيار الأفضل للفريقين وقائماً على أساس معادلة رابح – رابح، وبما يقود إلى اتفاق أفضل من اتفاق 2015 الذي عُقد بين الطرفين مع نهايات عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، ولكنه أكد في الوقت ذاته على حق بلاده السياديّ في الحفاظ على المشروع النوويّ وعلى حق تخصيب اليورانيوم داخل إيران، فيما أكدت الدبلوماسية الأميركية أنباء عن جولة المحادثات هذه في جنيف، وأنّ الولايات المتحدة قد تقبل بتخصيب رمزي لليورانيوم في حال أصبحت على ثقة من أنّ إيران لن تسعى إلى تطوير برنامجها النووي وصولاً إلى إنتاج القنبلة الذرية.
لكن الاتجاه المعاكس يبقى حاضراً إذ يتواصل التصعيد من الجانبين، مناورات إيرانية في البر والبحر والجو وتصريحات تتحدّث عن حق إيران الثابت والأكيد والسيادي في امتلاك المفاعلات النووية وأنها ترى في المسألة مسألة كرامة قومية ومن غير الوارد التخلّي عنها، وأنها ليست خائفة بل مستعدة لكلّ الخيارات. هذا في ما تتوالى الحشود الأميركية العسكرية في المنطقة بشكل غير مسبوق وكان آخرها وصول حاملة الطائرات العملاقة جيرالد فورد إلى ميناء حيفا يوم أول أمس الأحد.
لكن الحرب مع إيران لا تجد لها أنصاراً كثيرين داخل الولايات المتحدة خاصة في الكونغرس الذي يُصرّ على ضرورة الابتعاد عن الحرب لا بل ونزع صلاحيات اتخاذ القرار بشأنها من الرئيس ترامب، مؤكدين أنها ليست ضربة حظ سريعة، كما حدث في الهجوم المباغت على فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو وزوجته، ويرى هؤلاء أنّ الدخول في حرب مع إيران قد يكون انتحاراً للمصالح الأميركية وإمكانية الدخول في حرب أبدية لها بداية، ولكن لا أحد يستطيع أن يعرف نهايتها.
تريد الولايات المتحدة بالحقيقة تجريد إيران من جميع عناصر قوتها وتدفعها للانكفاء نحو الداخل الإيراني بعيداً عن أيّ تطور معرفي أو تكنولوجي وعن أيّ دور إقليمي، فيما تريد إيران في هذه المرحلة البقاء والنجاة، ولكن ليس بأيّ ثمن لذلك فهي بمواجهة الحشود مستعدّة لكلّ الاحتمالات، وتكمن العقدة بأنّ واشنطن لن تعود بعد كلّ هذا الحشد العسكري والتصعيد السياسي بسلة فارغة، وإيران لن تقبل أن تضع في السلة الأميركية مصالحها الحيوية وكرامتها القومية.
تل أبيب تقود من عندها حرباً نفسية بإعلاناتها المتواصلة عن اقتراب الحرب وتحديد مواعيد تقريبيّة لها، وعن وضع جيشها في حالة الاستنفار ثم عن إعلان حالة الطوارئ وفتح الملاجئ وإلغاء إجازات الأطباء في المستشفيات، دون أن يفوت الإعلام الإسرائيلي تسريب أنباء عن حالات الاستنفار في القواعد الأميركية في شرق المملكة الأردنيّة أو في قواعد الجيش الأميركي في الخليج.
في حالة السيولة الحالية لا تخفي “إسرائيل” رغبتها في أن تذهب واشنطن إلى خيار الحرب مع إيران وهي تحرّض على ذلك وتسرّب المعلومات التي تؤكد نيات طهران المعادية للولايات المتحدة ولمشاريعها، ولكنها في الوقت ذاته تستعدّ لحروبها ولتنفيذ أجنداتها في أكثر من ساحة.
الساحة اللبنانيّة حيث تفترض تل أبيب أنّ المقاومة اللبنانية هي جزء من الاستراتيجية الإيرانية التي يجب سحقها سواء اندلعت الحرب مع إيران أم انتهت الأزمة بالانفراج لذلك يكثّف الإسرائيلي من ضرباته على المقاومة اللبنانية ويدّعي أن هذه الضربات تستهدف مرابض الصواريخ، ولكن هذا برأي الجيش الإسرائيلي غير كافٍ إذ لا بدّ من حسم عسكري صاعق وكامل.
في ساحة الضفة الغربية تسير خطط الضمّ بشكل متسارع ومترافق مع مصادرة الأراضي وإصدار قوانين جديدة للملكية والإعلان عن بناء وحدات سكنيّة في المستوطنات اليهوديّة لدرجة أن ضمّ الضفة الغربية قد أصبح حقيقة واقعة لا ينقصها إلا الإعلان عنها بشكل رسميّ والتحضير لتنفيذ عمليات الطرد من الضفة الغربيّة بالقوة أو طوعاً عندما تصبح حياة الفلسطيني جحيماً لا يطاق من الفقر وانعدام الأمن وعدم وجود رؤية تحدّد نهايات هذا القلق.
الملفات جميعها الآن مرتبطة بالملف الإيراني إنْ حرباً وإنْ تفاوضاً ووصولاً إلى تسوية ولكن مع التذكير بالتساؤل الذي طرحه دونالد ترامب على مبعوثه ويتكوف: لماذا لم تستسلم إيران حتى الآن ولم ترتعد خوفاً من كلّ هذه الحشود العسكرية؟ وجاء الجواب على لسان عراقجي لينهي الفضول في سؤال ترامب عندما قال: “لأننا إيرانيّون”.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-02-24
تعليق واحد
اعتقد ان الجمهورية الاسلامية الايرانية لا تعرف الاستسلام ولا انخناع ولا الانبطاح ولا الذل لاانهم فرس وليس عرب