لماذا لا يسمى الفاسدون باسمائهم؟
د.زياد العاني.
“الفساد في العراق يستخدمونه في السراء والضراء فهم يغرفون منه في الألفة وعندما يحتدم الخصام فان.. الكل يشن حرب الملفات ضد الكل والكل يزعق في وجه الكل: أطلّع ملفاتك..؟ فيجنحوا للسلم لأن لكل منهم ملفاته”
موسى فرج من كتابه ” خراب القدوة و فوضى الحكم”
هيئة النزاهة أعلنت منذ يومين عن إصدار ٧٠ أمر قبض و استقدام لموظفين كبار من بينهم خمسة وزراء واحدهم وزيرا في حكومة عبد المهدي المنصرفة وخمسة نواب بينهم ثلاثة سابقون وعدد من المحافظين و ٢٤ مدير عام.
منذ تشكيلها وهي تصدر أوامر القبض و الاستقدام ويتم احيانا إصدار الأحكام و بعدها يختفي المدانون ويتم تهريبهم بعلم المسؤولين و القضاء و امن المطارات و الموانيء وجميع اجهزة الدولة.
قبل اربع سنوات أعلنت هيئة النزاهة عن حوالي ٢٧٠٠
أمر إلقاء قبض و استدعاء من بينها طلب التحقيق مع ١٨ وزير سابق وتم التحقيق في ٧٠٠ حالة فقط
وجميعها لصغار الفاسدين ولم يتم التحقيق مع اَي من أولئك الوزراء.
الجميع يعرف ان مملكة الفساد تأسست منذ تولي نوري المالكي رئاسة الوزارة الأولى في سنة ٢٠٠٦
فهل يمكن نسيان ملف التسليح و اخفاء لجنة العقود مصير المليارات من الدولارات؟ و هل يمكن نسيان ملف فساد المستشفى العسكري الوهمي الذي صرفت حكومة المالكي مليار دولار له وكان مخصصاً لتقديم خدمات حديثة ومتطورة للعسكريين، “لكن تبين في التحقيقات أنه غير موجود حتى أنه لم يتم وضع حجر الأساس له أصلا؟
هل تتذكرون الطائرات التي قال المالكي إنه اشتراها من روسيا، لكن تبين أن تلك الطائرات هي الطائرات العراقية التي لم تعطها إيران الإذن بالهبوط ايّام الغزو ضد العراق واضطرت للهبوط في روسيا آنذاك، فأعادت حكومة المالكي تلك الطائرات على أنها تم شراؤها.
و هل ينسى العراقيون ملف الفساد في أجهزة كشف المتفجرات اليدوي ( السونار) والذي راح ضحيته آلاف المدنيين العراقيين، إذ اتضح أنه جهاز لكشف مساحيق الغسيل وليس لكشف المتفجرات ولم تقدم الجهات التي استوردته الى القضاء مطلقا؟
و اخيرا وليس آخرًا ( فالملفات بالآلاف) فهل يمكن نسيان اخطر ملف وهو ملف سقوط الموصل الذي كان اهم اسبابه هو الفساد الذي رافق و تسبب بذلك السقوط بيد داعش أو تسليم المدينة للتنظيم من قبل قيادات عسكرية مرتبطة بالمالكي مع أسلحة تقدر بأكثر من ٢٧ مليار دولار، ورغم أن تقرير لجنة الأمن والدفاع النيابية حمل المالكي المسؤولية عن سقوط المدينة، إلا أن القضاء لم يحرك ساكنا حيال ذلك ولم يحقق مع اي من القادة الكبار ناهيك عن تعطيل استجواب المالكي في البرلمان.
نرجع الى التساؤل لماذا لا تكشف هيئة النزاهة في بياناتها عن اسماء الرؤوس الكبار الذين كانوا سبب كل ذلك الدمار و الخراب كتحصيل حاصل لذلك الفساد؟ لماذا يتم هذا الإخفاء المتكرر للاسماء الكبيرة؟
وحتى على المستوى الشعبي و الإعلامي و مواقع التواصل الاجتماعي لم يتم التركيز على قضايا الفساد الكبيرة بل غالبا مايتم التركيز على حالات هامشية صغيرة لغرض السخرية من الفاسدين مثل عمليات تجميل يقوم بها بعض النواب على حساب الدولة او صفقة الأحذية الطبية الشهيرة و بطلتها عديلة حمود و كتب عن عملية بواسير خالد العطية التي كلفت الدولة ٥٠٠٠٠ الف دولار اكثر مما كتب عن صفقة تسليم الأسلحة لداعش في الموصل التي كلفت الدولة ٢٧ مليار دولار او ماكتب عن فساد الموقفين السني و الشيعي التي سرق منها مئات الملايين.
ستتكرر نفس الإجراءات ويتم التحقيق مع صغار الفاسدين ولن يتغير اَي شيء طالما بقيت هيئة النزاهة مرتبطة بالبرلمان و القضاء مسيس والمحاصصة قائمة، وطالما بقي الفاسدون محميون من رجال الدين و المليشيات.
الفساد متجذر بعمق في جميع اجهزة الدولة وما لم تتم الإطاحة العلنية برؤوس الفاسدين فانه سيبقى مستشريا ولن يتم استئصاله بتغيير رئيس وزارة او وزير بل في اعادة بناء نظام حكم يستمد قاعدته من قضاء عادل وسيادة للقانون اساسه المواطنة وليس الطائفة او العشيرة او رجال الدين.
كل رمضان و الجميع بخير
2020-04-26