بعد الكشف عن كون السعودية وإسرائيل توأمتين من بويضة واحدة لا بد عند الحديث عن إحداهما تذكّر الأخرى، فمثل هاتين التوأمتين تكون بينهما أوجه تطابق كبير في التفكير، والشعور، والسلوك. إذا أراد المرء فهم السعودية يمكنه بالتأكيد الاستفادة من فهمه لإسرائيل، والعكس صحيح. وأول ما هو مشترك طبيعي بينهما هو أن كلتيهما تشكلتا ككيانين غير شرعيين قائمين على الاغتصاب، وتعيشان لهذا في بيئة تاريخية وثقافية وحضارية ترفضهما، وتنبذهما، ومن هنا يأتي ما يعزز فيهما كل ما يتصل بكونهما توأمتين: الصراع من أجل البقاء في بيئة رافضة ونابذة لهما، ولا أمل في تكييفها لتقبلهما.
السعودية وإسرائيل كلتاهما لا يمكن أن تبقيا على قيد الحياة إلا إذا كان كل من حولهما ضعيفا، وخاضعا لهما. ومن هنا عقلية الحروب، والإفساد، والتآمر على كل من حولهما. لا يمكن لإسرائيل أو السعودية اتباع سياسة مستقيمة قائمة على أسس التعاون، والتفاهم، والسلام. كلتاهما تخشيان الاستقامة، وكل ما يؤدي إلى أن يكتسب من حولهما شيئا من القوة، والاستقرار. وجود من هو قوي بالقرب منهما يؤرق ليلهما، ويحرك فيهما كل مكامن الخبث، والتآمر، وغرائز الحيوانات الوضيعة.
لسبعة عقود أخفت السعودية كونها الأخت التوأم لإسرائيل. الآن لم يعد ما يستدعي التكتم،على العكس، ففي العلانية قوة. إحدى التوأمتين لديها قوة غاشمة وأسلحة نووية، والآخرى عندها نفط ودولارات وخزين لا ينضب من الحشرات التي يمكن أن تغزو العالم تحت راية “الجهاد” الوهابي. وهذا يدق ناقوس الخطر لكل من في هذه المنطقة .. لا يحلمن أحد بالقوة والاستقلال والتقدم والتطور فحلف التوأم الشيطاني قد قام. ولا بقاء للحياة إلا بزوالهما.
على أن الأختين التوأمتين تختلفان في شيء واحد، وهو اختلاف يراد منه أن يزيد تحالفهما قوة، فإسرائيل خلقت لنفسها في العالم الغربي صورة كونها واحة الديمقراطية في وسط دكتاتوري، بينما السعودية رسمت لنفسها مكانة رأس الإسلام وممثلة قيمه ومبادئه – رغم أن الجميع يعرف أن السعودية تدين بمذهب الوهابية وليس بدين الإسلام.
السعودية تريد عن طريق إحلال الوهابية مكان الإسلام زعامة مطلقة للعالمين العربي والإسلامي، ولا تطيق رؤية من ينازعها على هذه الزعامة. السعودية ليس عندها قوة عسكرية أو تكنولوجية يعتد بها، ولهذه فهي تتبع خطين واضحين في السياسة أولهما دعم القوة العسكرية لشقيقتها التوأم، إسرائيل، وثانيهما التآمر والإفساد في الأرض عن طريق أموال النفط.
لقد رأينا كيف تصرفت السعودية تجاه العراق الذي برز في سبعينيات القرن الماضي كقوة عسكرية، وبشرية، واقتصادية تنافس السعودية في زعامة العالم العربي. ورأينا كيف أنها عملت كل ما في وسعها لتوريط العراق في حرب عبثية مع إيران، ومن ثم مولت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على هذا البلد العربي في عامي 1991 و2003.
ورأينا كيف أنها استثمرت مليارات الدولارات وعشرات الآلاف من الحشرات الجهادية في تقويض الدولة السورية، وتدمير بناها التحتية وتقتيل شعبها. ونرى الآن الهمجية الوهابية الصهيونية في أوضح تجلياتها في اليمن في قتل شعب أعزل لا سلاح له إلا الكرامة.
السعودية هي عنوان الفساد، وبها تتسارع خطى الإفساد الثاني في الأرض.
هناك لدى كثير من المحللين السياسيين تصور غريب بأن إيران هي العدو اللدود الأول للسعودية، لأن إيران تنافسها على زعامة العالم الإسلامي، وتشكل خطرا عليها كون إيران تتفوق عليها عسكريا، وبشريا، وسياسيا، وعقليا وتكنولوجيا – في المجالين الأخيرين لا وجه للمقارنة فالسعودية ليس لديها سوى عقلية الفساد وتكنولوجيا القتل.
كون إيران هي العدو الأول أو الأكبر للسعودية وهم كبير تدحضه الحقائق على الأرض. لقد رأينا كيف أن السعودية استثمرت كل إمكاناتها الاقتصادية في تمويل الغزو الأمريكي الإسرائيلي للعراق وتدميره. من لم يكن يعرف أن تدمير العراق سيؤدي إلى تقوية إيران؟ كيف يمكن لأحد أن يفعل ما فيه تقوية لعدوه الأكبر، إن كان كذلك؟
عشية غزو العراق عام 2003 كان واضحا لكل من له بصيرة أن الفراغ الذي سيتركه إسقاط نظام صدام حسين في العراق لن تملأه غير إيران، فعلى أرض الواقع لم تكن هناك في العراق أية قوى سياسية معارضة وبديلة لصدام حسين ويعتد بها غير الأحزاب الدينية الشيعية التابعة لإيران أو التي يمكن أن تنضوي بسهولة تحت رايتها. لماذا ساعدت السعودية على غزو العراق وتدميره، ووضع الأحزاب الشيعية في الحكم في العراق؟ الجواب واحد من اثنين، أو كلاهما، إما أن حكام السعودية أباعر لا يعون ما يفعلون في الصراع السياسي، وإما أنهم لا يرون إيران عدوهم الأول والأكبر.
الحقيقة هي أن إيران خصم قوي للسعودية لكنها لا تنازعها على زعامة العالم العربي مثلما كان العراق يفعل، ومثلما تفعل سورية الآن. على هذا المستوى فإن العدو الأكبر للسعودية هي أية دولة عربية تمتلك ناصية القوة. وكذلك فإيران ليست منافسا خطرا فيما يتعلق بزعامة العالم الإسلامي.
تيوس السعودية ينظرون إلى إيران نظرة واقعية، فإيران في منظورهم يمكن أن تتزعم الشق الشيعي من العالم الإسلامي، وهم لن يستطيعوا تغيير هذا الواقع. عزاؤهم الوحيد في هذا هو أن الشق الشيعي من الإسلام يعتبر في نظرهم أقلية -على أية حال.
أما من يشكل خطرا حقيقيا على السعوديين فهو من يمكن أن ينافسهم في زعامة القطاع السني من الإسلام (وهو في نظرهم يشكل العمود الفقري للعالم الإسلامي). هذا مع معرفتهم اليقينية أنهم لا علاقة لهم لا بالسنة ولا بالإسلام، فهم يدينون بالوهابية التي هي في أقرب نقاط تماسها مع الإسلام ليست غير طبعة صهيونية منه.
وفي الحقيقة فإن المسرحية السعودية عن “التحالف الإسلامي” تهدف من بين أشياء أخرى، إلى الإيحاء بأن السعودية هي من تتزعم العالم الإسلامي. وإلا لماذا تبني السعودية تحالفا إسلاميا؟ من أجل محاربة الارهاب؟ كيف وهي نفسها منبع الارهاب في العالم؟
السعودية تستخدم أموالها لشراء الزعامة، لكنها زعامة مهلهلة نسيجها دولارات النفط، وليس مؤهلات حقيقية للقيادة والزعامة. وهي تشعر وتعرف أن هناك من هو مؤهل لهذا الدور.
من ينافس السعودية على زعامة العالم الإسلامي؟ الجواب واضح وضوح الشمس: تركيا.
لماذا تركيا؟ هناك عوامل عديدة تجعل من تركيا المعاصرة وبشكل طبيعي زعيمة للعالم الإسلامي إذا كان هذا العالم بحاجة إلى زعامة، وإذا أريد لهذا العالم أن يتماشى مع عصر العولمة، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والفكر، والثقافة، بعيدا عن التخلف، وطبابة شرب بول البعير.
تركيا دولة عصرية وقوية اقتصاديا، وعسكريا، وثقافيا. تركيا هي أمة موحدة من أقصاها إلى أقصاها، وهذه الوحدة تتعزز بفضل بنية تحتية متينة تنمو بشكل يثير الدهشة، وعلى هذه البنية التحتية تنمو طبقة من المثقفين، والمفكرين لا تضاهيها البلدان الإسلامية الأخرى، ويزدهر فكر إنساني متنوع.
وفوق هذا وذاك ففي تركيا نهضة إسلامية لا يعرف كثير من الناس أبعادها الحقيقية. وما يجعل تركيا مرشحة لزعامة العالم الإسلامي هو أن كل هذه المزايا وهذه النهضة ترتبط بالتاريخ القريب للعالم الإسلامي حيث كانت تركيا هي الزعيمة الفعلية لهذا العالم. تلك الزعامة التي تآمر عليها أجداد تيوس السعودية، ووضعوا أيديهم في أيدي الانجليز لتجريد تركيا منها. وتركيا عندها طموح واضح في استعادة زعامتها للعالم الإسلامي.
وبصرف النظر عما إذا كنا نتفق مع السياسات التركية الخارجية في هذا المجال أو ذاك أو لا، أو كنا نؤمن بالتكتلات الدينية، ولكن من باب الحديث عن الزعامة، فإن من الإنصاف الإقرار بأن تركيا تقدم نموذجا إسلاميا جديدا يزاوج بين الماضي والحاضر.
إنه نموذج الإسلام المقبول عالميا، ومن قِبل المسلمين أنفسهم لأنه بعيد عن التشدد. وهذا النموذج يمكن مواءمته مع أي نظام أو فكر في العالم باستثناء الفكر الوهابي السعودي الذي يمثل همجية القرون الوسطى.
لهذا فمن يريد تحديد العدو الأكبر والأول للسعودية عليه أن لا يرفع عينيه عن تركيا ذات المؤهلات الواقعية للزعامة. السعي التركي إلى الزعامة ليس مجرد هلوسة مثل تصورات السعودية، بل إن الواقع السياسي، والثقافي، والحضاري، والعسكري يجعل الأتراك يؤمنون بأن طموحهم واقعي.
مشكلة السعودية هنا هي أن مؤهلاتها لزعامة العالم الإسلامي تعتبر لا شيء قياسا إلى مؤهلات تركيا. فبينما تقدم تركيا نفسها كممثلة للحضارة من ألف جانب، فإن السعودية تستند في دعاوى الزعامة على شيء واحد، وهو وجود البيت الحرام على أرضها.
لا غير! ما هو الإسلامي في السعودية غير الكعبة وقبر الرسول؟ هل هو الجلد، وقطع الرؤوس؟ هل هو اضطهاد النساء؟ هل هو المدارس التي تنمي الكره في نفوس الأطفال تجاه كل ما هو ليس وهابيا؟
هل هو الإفساد في الأرض، وإفقار أهل نجد والحجاز أنفسهم، واستخدام أموالهم لتدمير البلدان الأخرى؟ هل هو هذا الجحفل الذي له بداية وليس له نهاية من المفتين والخطباء الغارقين في الجهل والسفاهة، وفي كره الإنسانية؟
إن من يزور تركيا يجد الإسلام فيها بوجهه الحضاري المشرق. ومن يزور السعودية ينفر من الإسلام. ومن أجل التنفير من الإسلام وجدت السعودية.
اليوم يزور مليونا مسلم السعودية كل سنة لأداء طقوس الحج. وكلهم في قلوبهم خوف ووجل من بطش السلطات السعودية الذي يتكرر كل سنة مع الحجاج.
ولو أن الكعبة كانت موجودة في اسطنبول فإن ما لا يقل عن مئة مليون مسلم كانوا سيزورون اسطنبول كل سنة من أجل الحج، وهم آمنون مطمئون.
لا تستبعدوا أن يأتي يوم ينقل فيه المسلمون الكعبة، وقبر الرسول الأعظم إلى اسطنبول لأن السعودية ليست مؤهلة لحمايتهما، بل هي ليست جديرة بأن تكون مسؤولة عنهما، فهي تدين بمذهب صهيوني معاد للإسلام. الكعبة وقبر الرسول الأكرم هما اليوم في أسر الصهيونية.
هناك إذن ما يجعل تركيا هدفا للتآمر السعودي الخبيث. السعودية تخشى تركيا القوية، وتخشى تركيا المسلمة، وتأمل أن تستطيع نشر الخراب فيها كما فعلت مع العراق وسورية.
حكام السعودية يكنون في صدورهم الغيظ على تركيا، وهم اليوم لا يمكن أن يكونوا حلفاء لتركيا إلا بقدر ما كان أجدادهم قبل قرن!! التحالف بين السعودية وتركيا أكذوبة، وما يبعث الطمأنينة في قلوب من يحبون تركيا والشعب التركي هو الإيمان بأن السياسيين الأتراك ليسوا بسذاجة صدام حسين، ولن يزدردوا الطُعم السعودي، ويتركوا البعير يقودهم إلى الهاوية.
كيف تؤثر السعودية على تركيا سلبا في الوقت الذي تدعي فيه أنها صديق وحليف؟
أولا) السعودية هي قرين السوء وهي تعرف أن تقاربها مع تركيا يؤثر سلبا على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فهناك دائما تساؤل في أوروبا عن مدى تأثير السعودية على تركيا، ومدى نفوذها في هذا البلد.
في أوروبا قناعة تامة بأن السعودية هي مركز الارهاب الدولي، وهي التي تصدر الارهاب إلى أوروبا، وتمول التشدد في القارة. وأوروبا تخشى أن تكون تركيا حلقة وصل بينها وبين النظام القرووسطي في السعودية. العلاقة الجيدة مع السعودية علامة سلبية، رغم أن الأمريكان والأوروبيين أنفسهم تربطهم أقوى العلاقات مع السعودية، لكنهم يرون أنهم عندهم حصانة ضد تياسة السعوديين، ويخشون أن لا تكون لدى الأتراك الحصانة نفسها.
ثانيا) تحاول السعودية ربط الاقتصاد التركي إلى أبعد ما يمكن باستثماراتها. الاستثمار السعودي في تركيا قنبلة موقوتة سيستعملها التيوس عندما يتأكدون من أن حكام تركيا لا يشبهون صدام حسين في سذاجته. الاستثمارات السعودية تنطوي على تآمر على تركيا.
ثالثا) السعودية ستستخدم حركة السياحة إلى تركيا لزرع بؤر وأوكار إرهابية، ولشراء الذمم، والحصول على مراكز نفوذ بين أئمة وخطباء المساجد للحد من تطور الحركة الإسلامية في تركيا وتشكيلها قطبا مضادا مئة بالمئة للنموذج السعودي الوهابي المتخلف. تركيا تعد الآن نساء كخطيبات في المساجد، فإسلام تركيا هو إسلام النساء والرجال على حد سواء. تركيا هي النقيض الحضاري للتخلف السعودي. ودولارات النفط وسيلة تخريب مشهود لها بتأثيرها على النفوس الضعيفة.
رابعا) السعودية ستحاول قدر ما تستطيع عرقلة التفاهم بين تركيا وإيران.
السعودية تحاول في الواقع توريط تركيا في العراق وجعل العراق خط مواجهة بينها وبين إيران. ولا بد هنا من تأكيد حقيقة أن الأغلبية العظمى من العراقيين يريدون أن يروا دورا إيجابيا لتركيا في العراق، خاصة فيما يتعلق بوحدة العراق واستقلاله عبر مزيد من التحكم بلجام مسعود البارزاني وثلته.
لكن العراقيين يريدون أن يكون الدور التركي بعيدا عن مشاريع تيوس السعودية، والعراقيون لن يهدأ لهم بال قبل أن يدفنوا آخر تيس سعودي في رمال الجزيرة العربية.
خامسا) السعودية ستعرقل أي احتمال لإعادة النظر في العلاقات التركية السورية في وقت تبرز مؤشرات قوية على أن التفاهم بين تركيا وسورية وطي صفحة السنوات الخمس الماضية صار ضرورة أمنية حيوية لكلا البلدين.
سادسا) السعودية ستحاول إضعاف صلة الأتراك بالفلسطينيين، وهي تعرف أن زعامة العالم الإسلامي لا تنفصل عن تبني القضية الفلسطينية التي تتآمر عليها السعودية مع شقيقتها التوأم، إسرائيل.
سابعا) لا يستبعد أحد أن تحاول السعودية اختراق حزب العمال الكردستاني، وإقامة علاقات سرية مع بعض عناصره لغرض خلق موطئ قدم لنفسها تستفيد منه ساعة تنفضح خططها الخبيثة ضد الشعب التركي.
وسلسلة عناصر التآمر السعودي على شعب تركيا يمكن أن تطول.
ولكن ما مدى حجم التآمر السعودي وخطورته قياسا إلى ما تواجهه تركيا من جهة بعض القوى العدوانية في غرب أوروبا؟ وقياسا إلى التوتر مع روسيا؟ وقياسا إلى مشكلة تركيا مع الإرهاب عامة، ومع قضية الكرد فيها؟
لا شك في أن أوروبا لا تريد تركيا قوية، ولا تريد لتركيا أن تكبر أكثر مما هو ضروري لتأمين مصالح الغرب على الجبهة مع روسيا، لكن الأهمية الحيوية المطلقة لتركيا تجعل من أوروبا متمسكة بعقلانيتها في التعامل مع هذا البلد. هناك في الأوساط اليمينية المتشددة الغارقة في أحلام القرون الخوالي من يحلم حتى باستعادة اسطنبول من المسلمين الأتراك.
ولكن هذه أضغاث أحلام، فأوروبا لن تصل في يوم من الأيام في سياستها تجاه تركيا حد التآمر على أمن تركيا وخلخلة الوضع فيها، فرغم كل الخلافات والاختلافات فإن أمن تركيا هو من أمن أوروبا، وأمن أوروبا من أمن تركيا.
الأوروبيون والغرب عامة يمكن أن يفكروا في التدخل في شؤون تركيا السياسية، وانتقادها، وتأجيل انضمامها إلى الاتحاد الأوروربي أو عرقلته، لكنهم ليست عندهم عقدة زعامة تجاه تركيا كما هي الحال مع السعودية. تركيا لا تنافس أوروبا على الزعامة من أي جنس أو لون.
أوروبا تحاول الاستفادة من تركيا إلى الحد الأقصى، وتقليل أضرارها إلى الحد الأدنى. أما السعودية فإنها، وهي تحمل عقلية التخريب والبعرنة، تحلم بجعل تركيا بلدا فاشلا مثل العراق لتأمين زعامتها للعالم الإسلامي.
أما الروس فآخر ما يحتاجونه هو صراع مفتوح مع بلد مثل تركيا.
وهنا فإن مصالح روسيا لا تتناقض أبدا مع المصالح الأوروبية في أن تكون إلى جانبها تركيا مستقرة. فقط في حالة قيام حرب بين روسيا وأوروبا ستكون من مصلحة روسيا خلخلة تركيا لاختراق أوروبا، وإلا فإن ما هو مشترك بين روسيا وتركيا تتضاءل إلى جانبه الخلافات الوقتية.
ربما شكل حادث إسقاط تركيا لطائرة روسية على الحدود مع سورية سابقة خطيرة في العلاقت بين البلدين، ولكن الشهور التي مرت منذ ذلك الوقت تدل على رغبة الطرفين في احتواء ما حصل.
إن الدبلوماسيتين التركية والروسية ستجدان مخرجا من هذا الوضع، فكلا البلدين يشعران بوطأة ما ترتب على إسقاط الطائرة الروسية. إن الاقتصاد موجوع في البلدين، ويصرخ طالبا علاجا سريعا.
ربما أوحى التقارب الأخير للروس مع الأكراد إلى بعض المحللين بأن روسيا بدأت تدخل على خط الصراع التركي مع حزب العمال الكردستاني على إثر حادثة إسقاط الطائرة، وأن ذلك سيقلب موازين القوة، ويؤدي إلى مشاكل عويصة لتركيا. هذا كلام مضلل.
روسيا لها سياسة ثابتة تقوم على التعامل مع الدول، ولم يسجل في تاريخها أبدا التدخل في شؤون البلدان الأخرى عن طريق دعم المعارضات، أو تسليح المتمردين كما تفعل البلدان الغربية.
حتى في أكبر الصراعات الدولية، فيتنام، فإن الروس دخلوا على الخط عبر تقديم الدعم لدولة فيتنام الشمالية، وليس للفيتكونغ. ولهذا فإن دعم روسيا للأكراد ضد تركيا خرافة.
نعم، الروس يتبعون تكتيكات ذكية لإيجاد حل سياسي في سورية.
وهذا دفعهم إلى تبني دعم الفئات التي لا تجد نفسها في خندق داعش، مثل الأكراد، خاصة أن دعم تلك الفئات ربما يخفف من ضغط الأمريكيين عليها، ويمنعها من الارتماء في أحضانهم. وغير هذا لا دعم روسيا للأكراد، فالتدخل في شؤون الدول ليس ستراتيجية روسية.
ثم إن روسيا لها تجربة مع القضية الكردية عبر دعمها لجمهورية مهاباد عام 1946، وتعرف أن صراع حزب العمال الكردستاني ضد الدولة التركية مسألة لها أبعاد أقليمية واضحة ليس من مصلحة روسيا لعب أدوار غير حكيمة فيها.
الروس لن يدعموا أي شيء من شأنه تفتيت الدول القائمة، وهم لن يفعلوا ذلك على الإطلاق كرد فعل انفعالي على إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية، رغم فداحة الحدث. إن فعل الروس ذلك فإنهم سيرسلون رسائل مقلقة إلى أكثر من بلد ودولة في المنطقة.
أبعد من هذا، فإن الروس يدركون أن مسألة الكيان الكردي المستقل في أي من البلدان التي فيها أقلية كردية لن تتحقق بممارسة العنف، وإلا فإن تجربة مهاباد ستتكرر. الكيان الكردي المستقل يمكن أن يقوم فقط بالتفاهم مع الأتراك، والإيرانيين، والعرب العراقيين والسوريين، وليس رغما عن كل هؤلاء.
هذه حقيقة يدركها الأمريكيون أيضا. لكن على عكس الروس فإن الأمريكان لا يؤلمهم ضميرهم في خدع الكرد، واستخدامهم بطريقة براغماتية.
أما السعوديون فلا يتصرفون لا بعقلانية الروس، ولا ببراغماتية الأمريكان. بل هم تيوس لا يعرفون غير التياسة، فقد قتّلوا شعباعربيا “شقيقا” حماهم من إيران لثماني سنوات، وساعدوا على تدمير دولته ثم قدموا بلده إلى إيران على طبق من ذهب. وهم يفعلون نفس الشيء مع الدولة السورية، ولبنان، وتونس، وكل دولة عربية. ماذا يمنعهم من فعل الشيء نفسه مع تركيا؟ لقد فعلوا ذلك قبل قرن من الآن .. وهذا وحده كاف لجعل الساسة الأتراك يأخذون الحيطة والحذر من نسل التيوس هؤلاء.
السعودية هي الشر المطلق، وهي الغدر الكامن في كل خطوة، وهي رأس الارهاب، وهي التياسة، وهي الخطر الحقيقي الوحيد على تركيا، والمصدر الوحيد للتآمر عليها.
اللهم احفظ تركيا من شرور تيوس نجد والحجاز، حلفاء لورنس بالأمس وتوأم إسرائيل اليوم.