لماذا الآن ؟
وليد عبد الحي
تشير مراقبة تطورات الاحداث في الشرق الاوسط الى أن الشهور الاربعة الماضية انطوت على تصرفات اسرائيلية أكثر استفزازا ودفعا لتصاعد الصراع في المنطقة، ويكفي تأمل المؤشرات التالية خلال الفترة من ابريل 2024 الى الآن:
أ- ضرب القنصلية الايرانية في دمشق (ابريل الماضي)
ب- دخول رفح (مايو)
ت- السيطرة على الحدود المصرية الفلسطينية في قطاع غزة (مايو)
ث- ضرب المرافق المدنية بخاصة الطاقوية في مدينة الحديدة اليمنية (يوليو)
ج- تحقيق نجاحات في اغتيالات لقيادات وازنة في محور المقاومة في غزة ولبنان وطهران(يوليو)
فلماذا دفعت اسرائيل الوضع الى مزيد من الاحتقان في وقت كان الامريكيون وبعض الاعلام العربي (السعودي والقطري بخاصة) يروج بأن الاتفاق على وقف القتال اصبح وشيكا؟
من المؤكد ان آخر ما يفكر فيه نيتنياهو هو وقف القتال، وأول ما يفكر فيه هو تأزيم الموقف ومحاولة زرع فكرة ان المصالح الامريكية في المنطقة تكاد ان تعصف يها ايران ومحورها، وبهدف جر الولايات المتحدة لمواجهة مع ايران، ولكن لماذا كثف نيتنياهو “غطرسة القوة” الآن”؟ هذا هو السؤال، فالمحور الامريكي الاسرائيلي يعمل بفعالية، ولكن لماذا يدفع نيتنياهو نحو مزيد من الاحتقان من ناحية وقام فعليا بتوسيع دائرة المواجهة لتشمل ايران ولبنان واليمن وسوريا وغزة ؟
تعلمت في تحليل الظواهر السياسية بأنها ظواهر لا تنطبق عليها قاعدة “الظواهر احادية العلة”، لكن تعلمت ايضا ان هناك متغير رئيسي وآخر ثانوي، وهو ما يستدعي تفسير لماذا الآن استنادا للمتغير الرئيسي دون التعالي تماما عن العوامل المساعدة او الثانوية.
إذا كانت الولايات المتحدة هي الحليف المركزي لاسرائيل ، فإن هذه الدولة حاليا في حالة “شلل رئاسي” يعيق” هيئة صنع القرار واتخاذه ” عن عملها بشكل فاعل، فنحن امام المشهد الامريكي التالي الذي يوضح هذا الشلل:
1- رئيس امريكي منسحب من التنافس على الرئاسة، ولم يبق له الا فترة محدودة جدا، كما أنه في وضع جسدي وعقلي لا يُطمأن له من قبل هيئة صنع القرار لا سيما مجلس الامن القومي الامريكي لاتخاذ قرارات استراتيجية.
2- مرشحة ديمقراطية للرئاسة ، وقدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية محدودة في ظل وجود الرئيس ، ناهيك عن انشغالها بالحملات الانتخابية وعدم الرغبة في التورط في اية مواقف تؤثر على فرصها للفوز لا سيما في ظل التشقق داخل الحزب الديمقراطي.
3- مرشح جمهوري هو الخيار الافضل لنيتنياهو ، لانه الاكثر ميلا لخطوات يريدها نيتنياهو مثل:
أ- اعطاء اولوية للشرق الاوسط على حساب اولوية أوكرانيا
ب- العداء لايران ولمحور المقاومة يتجاوز العداء الامريكي المعتاد لهذه الاطراف.
ت- ان له مشروع سابق وهو تعميم التطبيع على العالم العربي ، فإذا نجح في الانتخابات الرئاسية سيعمل على استكمال وتوسيع قاعدة التطبيع لا بالاقناع بل بالضغط على الباقي واولهم السعودية.
بناء على ما سبق ، فان نيتنياهو يعمل على استغلال حالة “الظرف المؤقت” في هيئة صنع القرار الامريكي من ناحية وحالة الانكفاء المؤقت نحو الداخل الامريكي على حساب الخارج من ناحية ثانية( وهو نفس الاستثمار الذي يقوم به بوتين في أوكرانيا حاليا) ، اي ان نيتنياهو يعمل في بيئة تكون فيها درجة الانضباط مع ضوابط “الديمقراطيين” في حدها الأدنى، ولكنها تهندس الواقع بشكل يجعل ترامب في حالة فوزه امام دروب واسعة لاستكمال مشروعه بتوسيع التطبيع واستمرار الضغط على ايران واعتبار القضية الفلسطينية قضية “عقار ” لا قضية كيان سياسي.
بالمقابل ، فان السؤال الاستراتيجي لمحور المقاومة هو : هل الرد الموجع على الضربات الاسرائيلية الآن افضل ام المراوغة الى حين استقرار هيئة صنع القرار في واشنطن؟
ما ارجحه ،ان محور المقاومة سيعمل على الرد طبقا للآتي:
أ- الرد الآن قبل عودة هيئة صنع القرار الامريكي للحالة الطبيعية وغير المؤقتة(قبل اعلان نتائج الانتخابات) هو الانسب، لان الضرب الآن يمكن للرئيس الأمريكي القادم التحلل من تبعاته ، بخاصة ان تداعيات الرد تكون قد هدأت عاصفتها .
ب- الرد بضربات متزامنة ومشتركة ومربكة من كل اطراف محور المقاومة، ولكنها ضربات مدروسة لكي تكون عملية الرد الاسرائيلية اكثر تعقيدا، ولا شك ان الضربات المتزامنة والمشتركة والموزعة حسب الاختصاص ستوصل الى ” ضياع دمهم بين القبائل”.
ت- أرجح ان تشتمل اهداف الرد من محور المقاومة على نمطين من الاهداف : اهداف عسكرية بحتة من ناحية وأهداف ملتبسة(بين العسكري والمدني) ولكنها أقل وضوحا في طابعها المدني.
ذلك يعني أن ال 68 يوما القادمة ستؤسس لما بعدها ، وقد تشكل نقطة تحول في الشرق الاوسط كله…ربما.
2024-08-04