لكي تنتصر “عين” السكة على “مخرز” التوحش
معن بشور*
من حق المواطن أو المحلّل السياسي في لبنان وخارجه أن يقرأ في المجزرة المروعة التي ارتكبها متشددون دمويون في عين السكة في برج البراجنة ردا متوتراً على التطورات الميدانية في شمال سوريا والتي تأتي لغير صالح جماعات التشدد الدموي…
ومن حق الكثير من اللبنانيين أن يروا في هذا العمل الإجرامي الشنيع نوعاً من التخريب على بوادر تسوية سياسية داخلية في لبنان انطلقت مع عودة المجلس النيابي للانعقاد باسم “تشريع الضرورة” بعد أن ظن كثيرون إن لبنان قد دخل مرحلة الانفجار السياسي الخطير، على أساس طائفي مقيت، خصوصاً إن البيئة الحاضنة الحقيقية لجماعات التشدد الدموي المتوحش تكمن في أجواء الانقسام السياسي القائم في البلاد.
ومن حق أغلبية الفلسطينيين والمنشغلين معهم بمواكبة انتفاضة القدس المباركة والمستمرة منذ نهاية شهر أيلول/سبتمبر المنصرمة أن يروا في هذه الجريمة المجزرة التي أودت بحياة العشرات من المواطنين الآمنين الأبرياء محاولة دموية لصرف الأنظار عما يجري في فلسطين المحتلة من انتفاضة باسلة، وعما يعانيه أركان الكيان الصهيوني من تصاعد في الاهتزاز الأمني الداخلي والحدودي بكل تداعياته، ومن تنامي العزلة الدولية حوله بكل تجلياتها، لا بل من حق هؤلاء جميعاً أن يعتقدوا أن أحد أبرز أهداف هذه الجريمة الوحشية هو إثارة الفتنة بين اللبنانيين والفلسطينيين، وبين اللبنانيين واللبنانيين، خصوصاً في ظل ما رافق الانفجارين من شائعات كاذبة شكلت استكمالاً للجريمة وتداعياتها….
ومن حق دول وجهات ان تختلف مع المقاومة وحلفائها في لبنان والمنطقة، لكن ليس من حقها أبداً ان تتشفى وتنتشي لاستشهاد ابرياء ولعمليات تفجير مناطق آمنة آهلة بالسكان، ولا ان تمولها وتروج لها بذريعة هذا الخلاف، فمثل هذه العمليات جرائم ضد الانسانية ومنافية لكل القيم الدينية والاخلاقية، والابتهاج بها هو إمعان في سلوك يؤدي إلى دمار شامل سلاحه الارهاب والتوحش والتشدد…
لكن المخططين والمشغلين الكبار والصغار والمنفذين لم يحسنوا تقدير الموقف حين ارتكبوا مجزرة عين السكة، فلقد واجه اهل الضاحية الجنوبية المثقلون بأوجاعهم، والمعتزون بشهدائهم، تلك الجريمة بصبر مشهود لهم على مدى العقود، وبوعي عمقته التجارب المريرة في وجدانهم، وصقلته روح المسؤولية العالية التي يتحملونها باحتضانهم للمقاومة ومشروعها منذ عقود…
وواجه اللبنانيون بإجماع قواهم السياسية والشعبية والاجتماعية هذه الجريمة باتحاد لم يسبق له مثيل، مدركين ان المستهدف بهذه الجريمة ليس حزباً أو جماعة أو منطقة لبنانية فحسب، بل المستهدف هو لبنان بكل احزابه ومناطقه ومكوناته، بل لبنان بأمنه واستقراره ووحدة شعبه وصيغة العيش التي طالما شكلت نقيضاً للمشروع الصهيوني وكل المشاريع المتطرفة المماثلة في الغاء الآخر وفي إنكار حق الاخرين بالحياة….
كما واجه الفلسطينيون بكل فصائلهم ومخيماتهم هذه الجريمة بادراك فوري لمخطط الفتنة التي يحاول مرتكبوا الجريمة اثارتها، فاندفعوا بكل فصائلهم ليدينوا تلك الجريمة وليتضامنوا مع اشقائهم اللبنانيين، بل اندفع شباب المخيمات إلى المستشفيات متبرعين بدمائهم لمئات الجرحى الذين اصابهم الانفجار الجريمة، مجددين عهداً قديماً بين برج البراجنة البلدة الوطنية الاصيلة الوادعة وبين المخيم الذي طالما وجد في محيطه عمقاً اجتماعياً واقتصادياً وانسانياً ونضالياً له…
فهل تكون دماء الشهداء والجرحى التي سالت على أرض الضاحية المعطاء بوابة اللبنانيين إلى المزيد من التماسك لاغلاق أي ثغرة سياسية أو امنية يمكن ان ينفذ منها المتربصون بلبنان وأمنه واستقراره ووحدته، وهل تكون هذه الدماء، وشبح الفتنة المخيف الذي رافق تلك الجريمة، دعوة جادة إلى الفلسطينيين ليرسخوا الوحدة بين فصائلهم وليحصنوا امن مخيماتهم ولعززوا التنسيق بينهم وبين الدولة اللبنانية على نحو لا يسمح بأي اختراق مشبوه يسعى للعب بالدم اللبناني والفلسطيني معاً، وعلى نحو يؤكد ان امن المخيمات من امن لبنان والعكس صحيح
بل هل نستطيع جميعاً ان نرتقي إلى مسؤولية ادراك المخاطر التي تحيط بلبنان، وان نضغط جميعاً على كل الاطراف الخارجية المشغلّة للتطرف الدموي والظلامي لكي تراجع حساباتها وتدرك ان حريقاً يشعلونه في غرفة أو أكثر من منزل الأمة أو حارة الاقليم سيصل اليهم آجلاً ام عاجلاً…
حينها فقط نستطيع القول ان “عين” السكة قد انتصرت على “مخرز” التوحش الدموي التدميري، وان مرحلة العبث بأرواح أبنائه وبمصير أوطاننا قد شارف على الأفول….
الرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والنصر للوطن والامة.
14/11/2015
المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية