لابد من إنصاف العراقيين الذين عاشوا اضطهاد النظام الصدامي وجوع الحصار ومساواتهم بلاجئي سياحة رفحاء!
بقلم: البرفيسور وليد الحيالي
منذ سقوط النظام الصدامي عام 2003 والعراق يعيش صراعاً مزدوجاً: صراع مع إرث الماضي الدموي، وصراع مع أخطاء الحاضر في إدارة الدولة وتوزيع الثروات. لكن واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل هي قضية ما يُسمى برواتب “لاجئي رفحاء”، الذين تحوّلوا بقدرة قانون مشبوه إلى شريحة تستنزف الاقتصاد العراقي، بينما تُترك الأغلبية الساحقة من العراقيين الذين عانوا القمع والجوع والحصار خارج دائرة الإنصاف.
بين ضحايا الداخل وضيوف رفحاء
العراقيون الذين صمدوا في الداخل عانوا الأمرّين: مطاردة الأجهزة القمعية، السجون والمقابر الجماعية، ثم جوع الحصار الذي أرهق الملايين وأذلّ الكرامة الوطنية. هؤلاء لم يجدوا من الدولة بعد 2003 سوى الإهمال والوعود الكاذبة.
في المقابل، فُتحت خزائن الدولة على مصراعيها للاجئي معسكر رفحاء في السعودية، الذين أُخرجوا من العراق بقرار شخصي أو عائلي، بعضهم لم يعانِ سوى فترة قصيرة، بل تحول وجودهم هناك إلى ما يشبه “سياحة مدفوعة الثمن” برعاية الأمم المتحدة. وبعد عودتهم، حصلوا على امتيازات هائلة: رواتب تقاعدية مدى الحياة، تعويضات، وأحياناً أكثر من راتب واحد للأسرة الواحدة.
هدر المال العام ونهب الثروة الوطنية
الأرقام تكشف حجم الكارثة:
• يبلغ عدد المستفيدين من رواتب رفحاء أكثر من 30 ألف شخص.
• الرواتب الشهرية للفرد الواحد تتراوح بين 1.2 مليون و1.4 مليون دينار عراقي.
• مجموع ما يُصرف شهرياً يقدّر بحوالي 40 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل 480 مليار دينار سنوياً، وهو رقم يرهق الموازنة العامة ويُعد هدراً مقنناً للمال العام.
مقارنة مع رواتب الأساتذة والموظفين في الداخل
لإدراك حجم التفاوت:
• راتب أستاذ جامعي بدرجة دكتوراه يتراوح بين 2 – 3 ملايين دينار شهرياً، بينما يتقاضى المستفيد من رفحاء نحو 1.2 – 1.4 مليون دينار دون خدمة فعلية أو مساهمة في الإنتاج أو التعليم.
• إذا جمعنا رواتب ألف أستاذ جامعي براتب 2.5 مليون دينار للفرد، فإن مجموعهم يساوي 2.5 مليار دينار شهرياً، أي أن كلفة رفحاء الشهرية (40 مليار دينار) تعادل أكثر من 15 ضعف رواتب هذا العدد الكبير من حملة أعلى الدرجات العلمية في العراق.
الاستفزاز والشعور بالظلم
ليس من العدل أن يقبض لاجئ رفحاء راتباً يقارب راتب موظف علمي متخصص أو طبيب أو مهندس قضى سنوات طويلة في خدمة الدولة. وليس من المنطق أن يُحرم العراقي الذي تحمل القصف والحصار من أبسط حقوق الرعاية، بينما تُوزع الأموال بلا حساب على من كانوا في مأمن نسبي خارج البلاد.
إن هذا التفاوت خلق شعوراً عميقاً بالغبن والظلم لدى شريحة واسعة من العراقيين، وأدى إلى شرخ اجتماعي يُضعف ثقة الناس بمؤسسات الدولة.
نحو عدالة حقيقية
المطلوب ليس الانتقاص من معاناة أي عراقي، بل وضع الأمور في نصابها الصحيح:
1. إعادة النظر في قانون رفحاء بما يتناسب مع العدالة الاجتماعية، وإلغاء الرواتب المبالغ فيها التي تُثقل كاهل الموازنة.
2. تعويض العراقيين في الداخل الذين عانوا السجون والحصار والملاحقات الأمنية، فهم الأحق بالإنصاف.
3. اعتماد مبدأ المساواة بين جميع المتضررين من النظام السابق، بعيداً عن التمييز السياسي أو الطائفي أو الفئوي.
4. وقف هدر المال العام وتوجيهه إلى مشاريع التنمية، التعليم، الصحة، وفرص العمل، فهي الطريق الحقيقي لبناء عراق جديد.
خاتمة
إن العدالة الانتقالية لا تتحقق بتمييز فئة على أخرى، ولا بفتح أبواب خزينة الدولة لفئة محدودة على حساب الملايين. ما جرى تحت عنوان “امتيازات رفحاء” هو جرح في جسد العراق النازف، ووصمة في ضمير الدولة.
الإنصاف الحقيقي هو أن نقف جميعاً على خط واحد من المواطنة، حيث لا امتياز إلا لمن ضحى فعلاً، ولا مال عام يُهدر إلا في سبيل مصلحة الشعب كله
2025-09-20