كيف تواجه الصيرفة الإسلامية العولمة؟ وماهي رؤيتها الاستشرافية للمستقبل؟
النظام الإمبريالي في الجزائر خلق مجتمع الطبقات
قراءة علجية عيش*
إن عصر الإمبريالية الرأسمالية هو العصر الذي تقف فيه الرأسمالية على عتبة انهيارها بعد بلوغها و تجاوزها مرحلة النضج ، و من ثمة تخلي الساحة لعودة الاشتراكية من جديد، الشعوب اليوم بحاجة إلى استشارة ديمقراطية واعية تُطرح فيها كل الآراء و التصورات لا يحجز فيها على رأي، خاصة و أن العولمة اليوم و كما يراها محللون تسعى تحت تأثير الشمولية الإقتصادية و المعلوماتية إلى فرض نمط أو نموذج مجتمع يقوم على استراتيجية الهيمنة لفرض نمط واحد، فالأنظمة الغربية بقيادة أمريكا تتكلم دوما عن “محور الشرّ” l’axe du mal و هي تقصد بذلك “الإسلام” بالدرجة الأولى
ليس كل دولة تحصلت على الاستقلال السياسي هي حرة، طالما هي تتغذى على نظام اقتصادي أجنبي، و تعتمد في تجسيد مشاريعها على الخبرة الأجنبية و اليد العاملة الأجنبية ( الجزائر نموذجا)، كما أن الرأسمال المالي الأجنبي يستطيع أن يسيطر على الضعيف و يتحكم فيه في أي قطر كان ، حتى لو كان مستقلا، خاصة إذا كان البلد يعتمد على القروض الأجنبية في حل مشاكله الداخلية ( صندوق النقد الدولي)، فهذا الأخير عندما يضع شروطه يجبر الدول على التنازل السياسي، وهذا له علاقة مباشرة بالتفكير السياسي كما يقال، ومثال ذلك نجد الرأسمال المالي الإنجليزي يعمل في النرويج، و الرأسمال المالي الألماني كان يعمل في بولونيا قبل انفصالها عن روسيا، فيما لا نجد الرأسمال المالي الجزائري لا يعمل في أي دولة، الأسباب تعود إلى ظاهرة التهريب و تبييض الأموال، والحقيقة أن الدينار الجزائري مهرب إلى البنوك الأجنبية ( فرنسا، سويسرا و غيرها) بأسماء شخصيات سياسية بعدما حولوه الى العملة الصعبة، وذلك على حساب جهد و كد الشعب الجزائري المضطهد ، و الذي وجد نفسه غارقا في الفقر، و كم من مرة تكشف الصراعات السياسية عن الأموال المهربة نحو البنوك الخارجية .
فالاحتجاجات اليوم و المسيرات السلمية (الحراك الشعبي) من أجل الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية و الحكم المطلق و التحرر من التبعية للأخر، نرى صورتها في الثورات العربية التي أعطت مفعولها، حيث كانت دافعا قويا لقيام ثورات أخرى، كانت هذه الثورات بمثابة الحرب الدفاعية، أي دفاعا عن الوطن و ثرواته الباطنية، و هذه الثورات برهنت مدى صحة النظريات الاشتراكية، و الحديث عن الصراع الطبقي المليء بنكران الذات، لا حالة الطوارئ، و هذا يقود الى ما ذهب إليه الفكر الإشتراكي (ماركس) عمّا سماه بـ: ” الماهية الواقعية للحرب” و هي وضع حد للاستعباد من قبل أمّة أجنبية، يقول المنظرون الاشتراكيون” إن الحرب هي استمرار السياسة، ولهذا وجب دراسة السياسة قبل الحرب، فإن كانت السياسة امبريالية فإن الحرب ستكون حربا امبريالية، لكن الشخص العادي لا يفهم مقولة: “الحرية هي استمرار السياسة”، فهو يرى أن العدو غزا بلاده و كفى، ولا يستطيع أن يفهم بأن النظام الذي تتبعه البلاد هو سبب الحرب و استمرارها، وقد يسقطه النظام في الرجعية السياسية، أي الانعطاف من “الديمقراطية”.
من الديمقراطية إلي الأوليغارشية
من وجهة نظر اشتراكية فان الاحتكار تقابله الرجعية السياسية، والاحتكار لا يكون في الجانب الاقتصادي فقط ( احتكار السلع ) و إنما من وجهة نظر سياسية احتكار السلطة، ولهذا يري البعض أن “الإمبريالية هي نفي الديمقراطية بوجه عام ” و حتى في المسـألة القومية، أي فيما يتعلق بحرية الأمم في تقرير مصيرها، بمعنى انتهاكها، و حتى يكون الاحتكار شاملا ، كاملا، لابد من إقصاء المزاحمين من كل الأسواق الداخلية و الخارجية، و وفق النظرية الإشتراكية فإن استقلال الأمم السياسي يسمح بحريتها في تقرير مصيرها، لكن الإمبريالية تنزع الى انتهاك هذا المصير من خلال رشوة الموظفين (على سبيل المثال) و الحصول على امتيازات من خلال استصدار قوانين ملائمة، كما تسعى الإمبريالية الى استبدال الديمقراطية بما يمكن تسميته بـ: ” الأوليغارشية” بوجه عام، و النظام الإمبريالي لا يسمح للشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها و طبيعة نظام اقتصادها، كما أن العديد من الدول التي تدعي أنها “جمهوريات” لا تتبع في الحقيقة النظام الجمهوري، و دول لها برلمان لكنها لا تعمل بالنظام البرلماني، و في دستورها تقول أن الإسلام هو دين الدولة، لكنها لا تطبق الشريعة الإسلامية، فالشعارات التي ترفعها هذه الدول و أنظمتها في المناسبات و خارج المناسبات ماهي إلا مُسَكِّنٌ لتهدئ به ثورة شعوبها ، وهي في الواقع تطبق النظام الإمبريالي ( الخَوْصَصَة) و تقنينها، في إطار السُّوق الحُرّ ، والواقع يؤكد ذلك ، و ما وجود المعارضة إلا دليل على فساد هذه الأنظمة.
فحزب العمال في الجزائر كنموذج بقيادة زعيمته لويزة حنون ذات التوجه التروتسكي، و التي أعلنت حربها على الإمبريالية، ترى أن بناء الجمهورية مستحيل طالما الجزائر تطبق النظام الإمبريالي الذي خلق مجتمع الطبقات، و أصبح فيه الغني يمارس سلطته بصورة غير مباشرة ، و لا يسمح للفقير أن يكون في مستواه، نفس الرؤية التي قدمتها جبهة الإنقاذ الإسلامية ، و لمن من زاوية مخالفة، فالفيس كانت له رؤية إسلامية لمشروع المجتمع الإقتصادي، المبني على العدالة و المساواة و محاربة الفقر و البطالة، و لو عدنا إلى وضع البلاد عشية الإستقلال و ما خلفته حرب السبع سنوات من خسائر لوقفنا على سبب اختيار الجزائر للنظام الإشتراكي، كنظام اقتصادي لا كـ: إيديولوجيا، و قد عبّر قادة حزب جبهة التحرير الوطني عن موقفهم في ذلك و منهم العقيد محمد الصالح يحياوي عندما كان أمين عام للحزب، حيث قال: أن الجزائر ترفض الإشتراكية إن كانت في غير إطار الإنتماء الحضاري العربي الإسلامي.
فالأزمة حسبه كانت أزمة ثقة لا أزمة منهج، و الذين كانوا يحاربون الإشتراكية (كنظام اقتصادي) كانت لهم نوايا و غايات من أجل الاستيلاء على الثروة، شككوا في وطنية الرّجال دون حجة أو برهان، و جاءوا بمشروع “الخوصصة” جعلوا من الإسلام عملية “غوغائية” تدغدغ عواطف الجماهير بعد أن نهبوا ثروات البلاد ، فأسسوا الشركات و فتحوا حسابات في الخارج ، في سؤال وُجّه إليه حول الإسلام كمنهج حياة، قال العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله : إن الإسلام هو دين العقل، يرفض الارتجال و يُدين التواكل و يشجب الفوضى، و تطبيق الشريعة الإسلامية يتطلب تظافر كل الجهود وفقا لمخطط علمي و برنامج واضح المعالم ، يتناول كل جوانب الحياة السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية و الفكرية ، لأنه يعتمد على الشورى، أي الممارسة الديمقراطية بتعبير هذا العصر.
ماهي الرؤية الاستشرافية للصيرفة الإسلامية؟
ففي ظل الانفتاح على السوق الحرة ، ربما حان الوقت لمراجعة كثير من المسائل المختلف فيها بين الاقتصاديين و الإجابة على الأسئلة التي لا تزال تطرح و بإلحاح في الساحة الإقتصادية ، و تشكل هاجسا لرجال المال و الأعمال ( الباترونة) كيف تتعامل الأنظمة و الحكومات مع العولمة؟ لاسيما و هذه الأخيرة (العولمة) تعمل على استحداث نظم و معايير دولية أحادية الطرف، و فرض تبعية المغلوب للغالب و الضعيف للقوي و الفقير للغني، أمام التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم و وسائل النقل ، و ظهور التجارة الإلكترونية، تداخلت فيها مفاهيم عديدة بين العولة و التغريب و بين العولمة و الأمركة، خاصة مع ظهور “الصيرفة الإسلامية” التي ادرجت مبادئ الشريعة الإسلامية في معاملاتها مع الشركاء ، و ماذا حققته؟ و ما لم تحققه؟ و ماهي رؤيتها المستقبلية ، و هل هناك دراسات استشرافية للدول التي تبنت النظام البنكي الإسلامي ، أمام هذا الغزو المفاهيمي للعولمة، و هل بإمكانها محاربة الرّبا و الرشوة، و كل الآفات الإقتصادية، في تعاملها مع البنوك الأجنبية؟ ، خاصة و أن العولمة كما يراها محللون تسعى تحت تأثير الشمولية الإقتصادية و المعلوماتية إلى فرض نمط أو نموذج مجتمع يقوم على استراتيجية الهيمنة و فرضه في المعاملات الإقتصادية.
يقول الدكتور محمد مسلم في تحليله البعد الإقتصادي و الإجتماعي للعولمة أن الغرب بقيادة أمريكا يسعي من خلال العولمة إلي نوع جديد من الهيمنة علي الإقتصاد العالمي عن طريق، إحداث الخلل في القدرات المادة و المعنوية للشعوب المستضعفة ليفقدها قيم العمل و قيم المنافسة و قيم الإتقان و تحسين الأداء، و هذا ما سيؤدي بهذه الشعوب غلي فقدان الثقة في نفسها فتكون لها القابلية لكل اشكال التبعية للأخر، و لذلك نجد الأنظمة الغربية بقيادة أمريكا تتكلم دوما عن “محور الشرّ” l’axe du mal و هي تقصد بذلك “الإسلام” بالدرجة الأولى، و هذا من منطلق ما أطلقت عليه بـ: سياسة “الصقور”، و هم اليمين المسيحي/ اليهودي المتطرف في أمريكا، و تعمل على استيعاب الأخر من خلال تبني جملة القيم و المعايير الإجتماعية و الثقافية و أنماط الحياة الجديدة، و هذه المعايير و الأنماط لا تتوافق طبعا مع القيم التي جاء بها الإسلام و لذلك هي تحاربه و على كل الأصعدة و المستويات، و ذلك بحجة تحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدان العالم.
الجزائر
2025-04-03
