كيف تستثمر في تجارة الدم بسهولة!
رنا علوان
في حين دخولك الى موقع جريدة “هآرتس” الإسرائيليّة ، سوف تجد إعلان مموّل لشركة استثمارات إسرائيليّة… تضغط على الإعلان ، فيأخذك إلى مقالٍ في مدونةٍ فيها [ محتوى دعائيّ مموّل ] يُقنع الناس بأن تستثمر مالها بهذه الشركة أو تلك … وبهذه البورصة أو تلك… الآن ، في موسم حصاد الدم ، هذه ساعة الاستثمار بالشركات العسكريّة
يقول عنوان المقال الدعائيّ [ هذه منظومة الأسلحة المتقدّمة التي تمتلكها إسرائيل والولايات المتّحدة ]
[ … ثم يُتابع ، في الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس ، ويُمكنها ان تتوسع للحدود الشماليّة ، وربّما تتدخّل الولايات المتّحدة فيها ، وتستخدم منظومات سلاح متقدّمة وذكيّة ، كثير منها تصنعه شركات أمريكيّة ضمن مؤشّر S&P Aerospace & Defense ]
هذا الإعلان لتوسّع الحرب ليس معلومة إخباريّة ، بل عرض مغري للمُتصفّح في فرصة استثماريّة ضمن شركات الاسلحة الاميركية بُغية تشجيعه على اقتناصها
سوق كامل من العتاد القتاليّ ، الذي يسوّق لنفسه كمثل أي دعايةٍ رأسماليّة [ بأنّها ستغيّر الحياة … وقوانين اللعبة … وشكل المعركة … وتأمين النصر !!! … ]
أهم ما في الدعاية أنها ليست كاذبة ، فمنذ بدء حرب الإبادة في غزّة ، شهد المؤشّر الأمريكيّ المذكور ، المختص بشركات الطيران والأمن ، ارتفاعات ملحوظة وصلت الى 5.88 % خلال الأيّام العشر الأولى فقط للحرب
وإذا نظرتم للمحفظة الاستثماريّة لشركة[RTX] الاميركية العملاقة لتجارة الأسلحة ، بعد أيامٍ من حرب الإبادة ستلحظون الاستفادة من تجديد مخزون [الصواريخ]
حيث ارتفعت أسهم هذه الشركة ، التي تصنّع الرادارات والقذائف الموجهة ، والشريكة في مشروع “القبّة الحديديّة” الإسرائيليّ ، بنسبة 13.46 % منذ بدء الحرب
أما شركة [General Dynamics] التي تزوّد العدو الإسرائيلي بقذائف مدفعيّة ، ارتفعت أسهمها منذ بداية الحرب بنسبة 9.72 % ، لا سيما مع الإعلان عن إرسال نماذج تجريبيّة من المركبات التكتيكيّة الخفيفة Flyer72 ( لاختبارها ميدانيًا في غزّة )
نعم لقد تحولت غزة منذ اليوم الأوّل ، إلى حقلٍ لتجربة آخر الصناعات الأمنيّة والعسكريّة الإسرائيليّة والأمريكيّة من أجل “إثبات فعاليّتها الميدانيّة” هذا الإثبات هو الدعاية الأهم ، فهو أكثر بكثير من فكرة التجارب والاستعراضات التي تقدّمها الشركاء لمندوبي الدول ، بالنسبة لهذه الشركات اصبح [ دم الابرياء هو ختم الضمان الوحيد للأسلحة]
فضلاً عن ان كُبرى شركات الأسلحة الأمريكيّة [Lockheed Martin] التي تزوّد العدو الإسرائيلي منذ عقود بطائرات الـ“F16” والـ“F35” وصواريخ “Hellfire” وغيرها المئات من الأسلحة والمعدّات منذ عقود ، ايضًا شهدت ارتفاعًا في أسهم الشركة ، تزامن مع بداية الحرب وحتّى 30 أكتوبر/تشرين الأول ، بنسبة 10.65 % ، اما مديرها التنفيذي ، فهو جيم تايكليت ، وهو عضو في إدارة مركز الأبحاث “Council on Foreign Relations” [ أحد المراكز الأشد تأثيرًا في القرار السياسيّ والعسكريّ في البيت الأبيض منذ بداية القرن العشرين ، والمسؤول عن وضع الخطوط العريضة لنقاط ويلسون الـ 14 في الحرب العالميّة الأولى ، كما وضع أسس خطة مارشال وحلف الناتو ]
وفي 2002 ، بعد غزو أفغانستان ، نشر أحد مدراء المركز هذا ، مقالًا تاريخيًا تحت عنوان “المحطّة القادمة بغداد؟!؟”
اما شركة [ BlackRock ] ، أكبر مؤسسة إدارة استثمارات في العالم ، حيث تصل الاستثمارات الى ما يفوق 13 مليار دولار في الشركات الثلاث المذكورة أعلاه فقط ، ومليارات غيرها بشركات تصنّع أسلحة محرّمة دوليًّا ، كالفوسفور الأبيض الذي يُستعمل اليوم في الحرب الحالية على غزة ، والقنابل العنقوديّة فإن [ المدير العام لمركز أبحاث الشركة والمسؤول عن إنتاج المعرفة والأبحاث الجيوسياسيّة من أجل “الاستثمارات المستدامة” ] هو ثوماس دونيلون [ زوج كاثرين راسل المديرة التنفيذيّة لليونيسف ] ، المنظمة الأمميّة التي كان من واجبها أن تعمل لحماية الـ 3500 طفل الذين قُتلوا إلى حد الآن في غزّة
إذن هناك خط مباشر ، يبدأ من مصانع الأسلحة ، ولا يتوقّف الا في البيت الأبيض
اما الصناعات العسكريّة للعدو الإسرائيليّ كانت قد شهدت ارتفاعات سنويّة غير مسبوقة في العام 2022 ، حيث بلغت عقود التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ للعالم 12.5 مليار دولار
وبحسب المعطيات الإسرائيليّة فلقد تضاعفت الصادرات بسبب الحرب في أوكرانيا التي أفرغت مخازن أوروبّا من السلاح ، فجُدد المخزون الأوروبيّ بصناعات إسرائيليّة ، هذا اولاً ، وتاليًا ، بسبب اتفاقيّات التطبيع مع الدول العربيّة التي فتحت سوقًا جديدًا وهائلًا لـ 120 شركة أمنيّة إسرائيليّة
اما مجموعة [Aerodrome] لصناعة الطائرات المسيّرة شهدت قفزات عديدة بلغ أقصاها يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول بارتفاع سهمها بنسبة 202 % عن بداية الحرب
شركة [Leonardo DRS] العاملة في مجال الرادارات التكتيكيّة ارتفعت أسهمها بنسبة 24 % ، لتبلغ قيمتها في السوق 5 مليار دولار
شركة [FMS Enterprises Migun] المختصة بصناعة الدروع الباليستيّة الخفيفة ارتفعت أسهمها بنسبة 11.4 % لتصل قيمتها في السوق إلى 280 مليون دولار
شركة [Aryt] للصناعات ، المختصّة ببيع المركّبات الالكترونيّة للقذائف الموجهة والمعدّات العسكريّة ، ارتفعت أسهمها بنسبة 25.9 % وبلغت قيمتها في السوق 61 مليون دولار
في سياق ما ذكرناه ، نجد كيف لجأت هذه الشركات الى استراتيجية الإعلان الرقمي لمنحها [ المرونة من أجل الوصول إلى الجمهور عبر قنوات ومواقع متعددة ، خاصة مع توفيرها لإعلانات الفيديو التي توضِّح ما يمكن أن يفعله المنتج للذين يرغبون في الاطّلاع عليه قبل الإستثمار فيه
ولقد اثبتت هذه الإستراتيجية فرقًا ملموسًا ظهرت نتيجته بزيادة الارقام والنسب في الصادرات ، وبما ان اميركا واللقيط الاسرائيلي يبدعون في النفاق والبروباغندا المُزيفة ، الا انها أيضًا اصبحت تثير الاشمئزاز من شدة تعظيمها ، فكل شيء اصبح “حديدي”
ففي اول أيّام من بدء حرب الإبادة على قطاع غزّة أعلن جيش العدو الإسرائيليّ ، ومعه شركة إيلبيت ، عن أوّل استخدامٍ عمليّاتيّ لقذيفة [ اللدغة الحديديّة (Iron Sting) ] ، وهي قذيفة [ ذكيّة من عيار 120 ملم ] ، يدّعي الإسرائيليّون أنّها موجهة [ بأشعّة الليزر والـ gps ] وفي غضون ساعات تم نشر مادةً دعائيّة خالصة لصالح شركة الأسلحة الإسرائيليّة هذه عبر مئات الوسائل الإعلاميّة الأجنبيّة ، دون مساءلةٍ أو تحقيقٍ أو نقد
كما ظهر فيديو يدّعي تفعيل منظومة [ الشعاع الحديديّ(Iron Beam) ] وهي منظومة لاعتراض الصواريخ بالليزر ، لا تزال في مراحل التطوير والتجريب ، وبعد وقتٍ قصير من نشر مشاهد “إسقاط صاروخ فلسطينيّ” بالليزر ، اتضح أنها ليست إلا كذبة ، وأن الصور من لعبة فيديو شهيرة تُدعى “Arma3” والتي تتمتّع بتقنيّات غرافيكيّة متقدّمة
وبعد ساعات ، نشرت شركة تصميم الألعاب التشيكيّة رسالةً تقول فيها [ رغم الإطراء لواقعيّة تصميمنا البصريّ ، إلا أننا لسنا سعداء بإستخدام ألعابنا للبروبوغاندا ]
وأعلنت الشركة أنها ستتعاون مع وكالات صحافيّة كبرى لتفنيد هذه الأخبار الكاذبة ، لكن بعد أيّام ، أصرّت الصحافة الإسرائيليّة على أن تسوّق لمنظومة الليزر ولو عن طريق الكذب
من ثم نشرت صحيفة كلكاليست معلومات غير واضحة المصادر تفيد بأنّ وزارة الأمن وشركة ريفائيل يبحثان إمكانيّة إدخال منظومة [الشعاع الحديدي] لتجارب ميدانيّة في إطار القتال في غزّة
كذلك أعلنت وسائل الإعلام العدو الإسرائيليّة عن بدء استخدام ناقلات الجند الجديدة إيتان المزوّدة بمنظومة [إلبيت] الدفاعيّة الجديدة [القبضة الحديديّة (Iron Fist)] التي توفّر (وفق الفيديو الدعائيّ للشركة) اعتراضًا أوتوماتيكيًّا لمجموعة كبيرة من القذائف المضادة للدروع وقد تبرّعت مجلّة Forbes ، بالتهليل للمنظومة الجديدة ، [ مثل مئات الألعاب العسكريّة الأخرى ] ، التي “قد تغيّر طبيعة القتال في غزّة بحسب الزخم الدعائي ” ، لكن الحقيقة ان الحديدي وغيره يصبح ورق بإيدي ابطال غزة ، فلقد اعترف العدو الإسرائيلي بتدمير المقاومة لمدرّعة “Namer” ومقتل غالبيّة جنودها ، وذلك بعد سنوات طويلة من تطويرها وعشرات التقارير الصحافيّة التي بجّلتها وبشّرت بها
حتى باتت تتساءل الصحافة الإسرائيليّة “كان يُفترض أن تكون هذه ناقلة الجند المتطوّرة التي انتظرها الجيش لعقود… فأين الخلل ؟”
نحن نعرف الإجابة البديهيّة على السؤال فكل الأسلحة التي تُسوّق كعجائب خارقة ساحقة ، وكأرفع منجزات التكنولوجيا القادمة من المستقبل ، توظّف لتهويل الأسطورة مثلها كمثل ( اكذوبة الجيش الذي لا يُقهر )
كما يتحمّس الإعلام أيضًا لدخول الدبابات الإسرائيليّة الجديدة [باراك] إلى الميدان ، وهي من الجيل الجديد لدبابات المركافا التي ( يُدعى الصحافيّون لمرافقة الجنود في قيادتها التجريبيّة) ويسوّق لهذه الدبابة بأنها تتمتّع بمنظومة دفاعيّة متقدّمة ، مجسّات ضوئيّة وحراريّة وذكاء اصطناعيّ وخوذة قيادة متقدّمة تُشبه خوذة الطيّارين وشاشات تعمل باللمس … والدعاية لهذه الدبابة تُشبه ، إلى حد بعيد ، دعايات النسخ الجديدة من البلايستيشن
ختامًا ، ان هذا الكم الهائل من الأسلحة الجديدة ، إضافة إلى مخازن من الذخائر والعتاد الأقدم ، والتي تكلّف العدو الإسرائيلي ما يُقدّر بمليارات الدولارات يوميًا بحسب الصحافة الإسرائيليّة ، ومع العلم ان هذه المليارات لا تُطلَق في الفراغ ، إنما تعود إلى جيوب من يدفعون بهذه الحرب ويمنعون توقّفها ، لكن ابطال المقاومة اجبروا العدو الإسرائيليّ على الاعتراف بالخسائر الهائلة ، كما كشفوا حقيقة بتنا نعرفها جيّدًا ، وهي ان كل هذا العمل الدعائي الذي يلامس الخيال انما يهدف لذرع الرعب في الشعوب المستضعفة ، وتعظيم ظلال أشباح الإمبراطوريّة في وعي المجتمعات المظلومة ، ثم مراكمة الأرباح الهائلة من الاستراتيجيّات العدوانيّة والاستعماريّة المعربدة
ومن البديهيّ أيضًا أن الأسطورة ، مهما عظمت ، ومهما بلغت تقنيّات بنيانها ، سيعاند المظلوم وصاحب الحق حتّى يجد السبيل إلى انهيارها وهزيمتها واسترداد حقه والأخذ بثأره
2024-03-08
