كيف تدمّر دولة:
دليل خطوة بخطوة لتخريب دونالد ترامب للسياسة الخارجية الأمريكية
ترجمة عن مقال لـ ستيفن إم. والت أستاذ العلاقات الدولية في هارفارد
مقال هام في فهم إدارة الدول..
—
في حال كنت من قراء هذا العمود بانتظام، فأنت تعلم أنني كثيرًا ما أوجه النقد لما تفعله الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
لقد اعتبرتُ رئاسة جورج بوش الابن كارثة في السياسة الخارجية،
ورأيت أن سنوات باراك أوباما كانت مخيبة للآمال، أما ولاية ترامب الأولى فكانت فوضى عارمة،
وفترة جو بايدن تلطخت بأخطاء استراتيجية وأخلاقية جسيمة.
ولكن للأسف، لم يحتج ترامب ومعاونوه لأكثر من ثلاثة أشهر لتجاوز الجميع في العبث بالسياسة الخارجية.
بل كان ذلك ليكون صحيحًا حتى لو لم تحدث فضيحة “سيجنال غيت”.
ولأكون واضحًا: لا أعتقد أن ترامب يعمل لصالح قوة أجنبية، أو أنه يسعى عمدًا لجعل الولايات المتحدة أقل أمنًا وازدهارًا، بل هو فقط يتصرف وكأنه يفعل ذلك. يمكن للمرء أن يقول إنه يتّبع “دليلًا من خمس خطوات لتخريب السياسة الخارجية الأمريكية”:
—
الخطوة 1: عيّن مجموعة من الموالين والمنافقين
إذا أردت أن تدمّر دولة، فابدأ بالتأكد من أن لا أحد يمكنه إيقافك عن فعل أشياء حمقاء ومدمرة.
عيّن أشخاصًا غير أكفاء، موالين بشكل أعمى، معتمدين كليًا على دعمك، أو عديمي المبادئ.
تخلّص من كل من يتمتع بالاستقلالية أو الكفاءة أو النزاهة. كما قال الصحفي الشهير والتر ليبمان: “عندما يفكر الجميع بالطريقة نفسها، لا يفكر أحد كثيرًا”. وهذا يجعل من السهل لقائد مضلل أن يقود البلاد إلى الهاوية.
نقص المعارضة الداخلية القوية هو ما سمح لستالين بتدمير الاقتصاد السوفييتي، ولمّاو بإطلاق “القفزة العظيمة للأمام”، ولهتلر بإعلان الحرب على أوروبا. كما سمح لجورج بوش بالتورط في العراق عام 2003.
تجاهل الأصوات المخالفة والاعتماد على أتباع مطيعين هو نقطة الانطلاق المثالية لتخريب السياسة الخارجية.
—
الخطوة 2: افتعل أكبر عدد ممكن من النزاعات مع الدول
السياسة الدولية بطبيعتها تنافسية، لذا من الأفضل لأي دولة أن تكون لها العديد من الشركاء الأصدقاء وعدد قليل من الأعداء.
لقد نجحت الولايات المتحدة تاريخيًا في كسب دعم حلفاء مهمين حول العالم.
أحد أسباب هذا النجاح هو أنها لم تكن عدوانية بشكل فج رغم تأثيرها الهائل.
أما ترامب، ففي أقل من ثلاثة أشهر، فقد أهان الحلفاء الأوروبيين، وهدد بالاستيلاء على أراضٍ من الدنمارك، ودخل في خلافات مع كولومبيا والمكسيك وكندا وغيرها. كما استخدم هو ونائبه جي. دي. فانس أساليب ترهيب علنية مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، محاولين إجباره على التنازل عن حقوق المعادن مقابل المساعدة الأمريكية.
ألغت الإدارة الأمريكية الوكالة الأمريكية للتنمية، وانسحبت من منظمة الصحة العالمية، وأظهرت أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بمساعدة الدول الفقيرة. وعندما فرض ترامب رسومًا جمركية غريبة على حلفاء وخصوم على حد سواء، كان رد وول ستريت فوريًا: أكبر هبوط للسوق في يومين في تاريخ أمريكا.
—
الخطوة 3: تجاهل قوة القومية
يحب ترامب أن يصور نفسه كوطني، لكنه لا يدرك أن الدول الأخرى لديها مشاعر قومية قوية أيضًا. حين يهدد ترامب دولًا أخرى أو يهين قادتها، فإنه يثير مشاعر قومية ضد أمريكا، ويمنح السياسيين في تلك الدول سببًا لتحديه من أجل كسب شعبية.
فمثلاً، محاولاته لترهيب كندا أثارت غضب الكنديين، وأسهمت في عودة الحزب الليبرالي بقوة. نتيجة مباشرة لذلك أن عدد الكنديين الراغبين في زيارة الولايات المتحدة تراجع، والحكومة الكندية بدأت البحث عن بدائل اقتصادية وأمنية.
—
الخطوة 4: انتهك الأعراف وتخلَّ عن الاتفاقات وتصرف بشكل غير متوقع
القادة الأذكياء يعلمون أن القواعد الدولية تخدم مصالحهم.
نعم، القوى الكبرى قد تنتهك القواعد أحيانًا، لكن تكرار ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة والعزلة الدولية. الدول التي تُعرف بخرق القواعد تصبح منبوذة مثل كوريا الشمالية أو العراق سابقًا.
ترامب لا يفهم ذلك.
يرى أن القوانين الدولية مجرد قيود على القوة الأمريكية، ويعتقد أن التصرف بشكل غير متوقع يعطيه أفضلية. لكنه لا يدرك أن المؤسسات الدولية وُضعت إلى حد كبير بما يخدم مصالح الولايات المتحدة.
الانسحاب من هذه المؤسسات يجعل من السهل على دول أخرى إعادة كتابة القواعد لصالحها.
—
الخطوة 5: قوّض أسس القوة الأمريكية
في عالم اليوم، المعرفة هي أساس القوة الاقتصادية والعسكرية. ما يجعل أمريكا قوية هو تفوقها العلمي والتكنولوجي. الصين تستثمر تريليونات في البحث العلمي، بينما ترامب يعيّن أشخاصًا يفتقرون إلى الفهم العلمي، مثل روبرت ف. كينيدي الابن، ويهاجم مؤسسات البحث.
لم يكتفِ بذلك، بل أغلق معهد السلام الأمريكي، وحل مركز وودرو ويلسون، وقلّص تمويل الصحة العامة ومؤسسة العلوم الوطنية، وهدد بإيقاف التمويل عن أبحاث طبية حيوية.
الجامعات الأمريكية الآن تغلق برامج دكتوراه وتسرّح باحثين، والعلماء الأجانب يبحثون عن دول أخرى.
وحتى العلوم الإنسانية والاجتماعية لم تسلم. مهاجمة هذه المجالات يعوق قدرتنا على فهم مشكلاتنا الاجتماعية واقتراح حلول لها. عندما يسكت السياسيون الأصوات المعارضة، تزداد السياسات الحمقاء ويصعب تصحيحها. لهذا السبب يستهدف الطغاة دائمًا الجامعات والمراكز المستقلة عند سعيهم لترسيخ سلطتهم.
—
الخلاصة:
ترامب لا يدمّر فقط تحالفات الولايات المتحدة ومصداقيتها، بل يهدم أيضًا البنية التحتية للمعرفة والتعاون الدولي التي جعلت من بلاده قوة عظمى لعقود.
وإذا استمرت هذه السياسات، فإن الأضرار التي ستلحق بسمعة ومكانة الولايات المتحدة قد تستغرق سنوات طويلة لإصلاحها—إن أمكن إصلاحها أصلًا.
” يخربون بيوتهم بأيديهم “
2025-05-03