كيف باع غورباتشوف صدام حسين؟
الحلقة الثالثة .
بقلم : سلام مسافر .
لم يحول الحصار الجوي المفروض على الأجواء العراقية، وفق قرارات الأمم المتحدة ، عقاباً على غزو الكويت ، السياسي المخضرم يفغيني بريماكوف من القيام برحلات مكوكية بين موسكو وبغداد وعدد من العواصم العربية والعالمية تحت عنوان ” مبعوث الرئيس غورباتشوف”،في محاولة؛ وصفت بأنها خطيرة، لدرء حرب قالها عنها المبعوث كان يمكن ألا تقع، وأفرد لها كتابا يحمل عنوان( حرب كان ممكناً تجنبها) سرد بين طياته، المباحثات التي أجراها مع صدام حسين، ومع قادة دول المنطقة، وفِي واشنطن وعواصم غربية.
سعى بريماكوف في الكتاب لأن يحمل أطرافاً مختلفة، المسؤولية عن فشل مهمته، دون أن يغيض أحداً على حساب آخر. لكنه شدد في نفس الوقت على أن موسكو غورباتشوف كانت صادقة، وعازمة بالفعل على تجنيب العراق والمنطقة حرباً مدمرة، أثبتت الوقائع أنها أفضت إلى تداعيات متسلسلة، ما تزال آثارها تتفاعل في الشرق الأوسط إلى اليوم، عدا عن النتائج الكارثية على العراق الشعب والدولة.
لقد تحمس إيغور بيلاييف، المستعرب والصحفي الذي اشترك مع بريماكوف في تأليف كتاب” مصر عبد الناصر ” حين عملا سويةً في القاهرة، وفِي عدد من البلدان العربية مراسلين صحفيين ، لمهمة رفيقه وزميله في الإعلام وفِي المهمات السرية.
طلب بيلاييف عبر صديق مشترك أن ألتقيه في مبنى صحيفة
” ليتراتورنيا غازيتا”. وكان يشغل موقع المعلق السياسي في الصحيفة العتيدة ، تتناول مقالاته، الشؤون الدولية، مع تركيز خاص على الأوضاع في الشرق الاوسط.
التقيته في مكتب واسع بالطابق الثاني من البناية القديمة المطلية بلون عشبي باهت. وبدا خلف طاولة عالية من خشب الابنوس، بجسده الصغير متعبا، بقميص ناصع البياض، مشمر الكوعين على طريقة المصرفيين في الأفلام الانكليزية القديمة.
فهمت من حديث بيلاييف، أن تياراً، يبدو أقرب الى التيار التقليدي في المؤسسة الحزبية، وربما الأمنية الدفاعية، غير مرتاح، لنهج وزير الخارجية إدوارد شيفردنادزه الذي جاء به ميخائيل غورباتشوف من تبليسي عاصمة جورجيا، ليترأس المبنى الشاهق في ساحة سمولينسك على ” الطراز الستاليني” وشغله لعقود أندريه غروميكو المشهور بلقب ” مستر نو” في سجل الدبلوماسية العالمية.
كان شيفردنادزه وزيرا للداخلية في جورجيا التي تميزت في الحقبة السوفيتيّة المتأخرة،الى جانب زراعة الكروم، والنبيذ الفاخر، بسطوة تجار الشنطة، والسوق السوداء، المتنفذين في أسواق الخضار الشعبية بموسكو، والمدن الروسية الاخرى.
كانوا يديرون تجارة الباطن التي أخذت في السنوات المتأخرة من عمر الدولة السوفيتيّة، تنتقل تدريجيا إلى العلن، بالتوافق مع تهالك المنظومة الاقتصادية والتجارية والحكومية حقبة ليونيد بريجنيف الكهل المريض ، المغرم بالاوسمة، وإدعاء بطولات في الحرب العالمية الثانية، حولها المواطن السوفيتيّ اللوذعي الى طرائف و نكات.
واحتلت نكات الجورجيين والأرمن؛ الصدارة في قاموس النكات السوفيتيّة السياسية، يتناقلها الروس، بتلك العجمة المثيرة للضحك، على لسان شعبين صغيرين في المنظومة السوفيتيّة التي بدأت تتفكك حتى قبل إطلاق غورباتشوف رصاصة الرحمة على الاتحاد السوفيتيّ، لينهي بوريس يلتسين وجوده على الخارطة الدولية في غضون أيام .
فهمت من إيغور بيلاييف أن شراكة الوزير شيفردنازة، مع نظيره الأميركي بيكر في معالجة الملفات الدولية، وأخطرها؛ تلك الأيام ، الاحتلال العراقي للكويت، لا تروق للجناح المحافظ في الحزب الشيوعي السوفيتيّ. وان دبلوماسية شيفردنادزه وفريقه” الأمريكي” في الخارجية، لا تخدم المصلحة السوفيتيّة في الدفاع عن الحلفاء وإنما تفرط بهم.
لكن بيلاييف في نفس الوقت، كان متفقا معي على أن سياسات صدام حسين المتهورة هي التي أدت الى كارثة الغزو.
واكتشفت من خلال الحوار معه، أن المعلومات عما جرى ويجري في العراق، مشوشة ومنقوصة . وأنّ ” الحليف” السوفيتيّ؛لا يكترث لما تعرض له الحزب الشيوعي العراقي من قمع، وقتل، واعتقالات على يد الحليف البعثي، واكتفت موسكو باستقبال الشيوعيين الهاربين من حملات التصفية في العراق. وأن “الاخوة الأممية” ، اقتصرت على منح قادة الحزب وكوادره ملاذات في بلدان المعسكر الاشتراكي وفِي ” على رأسه”!
وفهمت من سردية ، بيلاييف، أن موسكو ، لا تريد لعب دور محامي الشيطان، لكنها في نفس الوقت ترى أن ” ابن الكلبة” هو ” ابنها” في نهاية المطاف.
ولفت المعلق السياسي القريب من الكرملين، أثناء حديثه معي، الى انه ومن خلال قراءة تصريحات شيفرنادزة، بصدد أزمة احتلال العراق للكويت، فإن الوزير، يريد إرضاء الولايات المتحدة، لا الدفاع عن المصالح السوفيتيّة ولا مصالح
” الأصدقاء”.
ادهشتني، صراحة بيلاييف. إذ لم نعتد على سماع انتقادات
” بالقلم العريض” لمسؤول سوفيتي رفيع( عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي السوفيتيّ) على السنة الصحفيين والمعلقين السياسيين، الا في ” المطبخ” التعبير الذي يحمل تورية، عن جلسات المواطنين السوفيت الخاصة، والاحاديث الهامسة، خلال الحقبة الستالينية؛ خوفا من العسس والوشاة.
ومع أن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتيّ، ونقد عبادة الفرد، والقمع الستاليني، فتح كوة في جدار الخوف،بفضل نيكيتا خروتشوف؛إلّا أنّ قدسية المناصب، لازمت الوعي الجمعي طويلا.
ومضى بيلاييف، يعلق على ما يعتبره آثارًا كارثية،لنهج خارجية شيفردنادزه، وقال:
سيتوجه يفغيني مكسيموفيتش ( بريماكوف) في مهمة خاصة بصفته مبعوثا لميخائيل غورباتشوف. وأعتقد أنه مقبول لدى القيادة العراقية.
وسألني:
هل تتوقع النجاح لمهمته؟
شرحت لبلاييف، ما امتلكه من تصور عن طبيعة نظام صدام حسين.
وذكرت إنني أشك في قدرة النظام على استيعاب التحولات الجارية في العالم. وان مغامرة احتلال الكويت، خربت المنطقة.وقلت:
بصراحة لا أدري كيف يمكن إعادة الأمور الى نصابها، بعد كل الأحقاد وروح الانتقام والعداوة التي فجرها الاحتلال.
التمعت عينا بيلاييف الخابية، وسحب نفساً عميقاً وتمتم ، وهو يهم بالوقوف لمصافحتي مودعاً:
الواجب أن نقوم بما يمكن لينسحب صدام حسين من الكويت.
سلام مسافر
يتبع…
في الصورة المبعوث السوفيتيّ يفغيني بريماكوف مع الرئيس العراقي صدام حسين